"المصير" يرتبط في كل الثقافات بالألم ووالسعادة 

مفهوم المصير يتمشى إذَنْ كثيرا مع التجارب التي مر بها ببيتهوفن طيلة حياته. والمعروف أن "المصير" يرتبط في كل الثقافات بالألم والمآسي مثل ما يرتبط بالمفاجآت السارة والسعادة غير المتوقعة. في حالة بيتهوفن كان المصير مزدوجا أيضا أي حافلا بالعبقرية الموسيقية غير الاعتيادية من جهة وبالقهر والمعاناة من جهة أخرى. فقد بدأ منذ سن مبكرة يعاني من أعراض الصم مما جعله يكتب وصيته في مسكنه المتواضع الواقع في حي هايلغنشتات في مدينة فيينا في سن مبكر أي بعد أن بلغ من العمر 30 عاما وعاش طويلا في دوامة متواصلة بين عزمه على الانتحار وحرصه الشديد على مقاومة هذا المرض الذي لم يحل دون إبداعه الموسيقي الخارق وقدرته على إنتاج أعظم الأعمال الموسيقية لا في عصره فحسب بل للأجيال والقرون المقبلة. أي أنه حاول على حد تعبيره لا التغلب فقط على مصيره الداكن بل و"القضاء تماما" عليه.
 
من هنا تتضح الأهمية المتميزة للسيمفونية الخامسة المسماة "سيمفونية القدر" التي لحنها 1807 في قمة معاناته من المرضين العضوي والنفساني  والتي مازال علماء الموسيقى يعتبرونها من أعظم سيمفونياته بل إحدى أشهر الأعمال الموسيقية الكلاسيكية على مر التاريخ. .."تا..تا..تا..طا.."  من منا لم يسمع هذا اللحن الشهير؟ إنه اللحن الافتتاحي للسيمفونية الخامسة. 
 
السيمفونية الخامسة...وتيرة عاطفية درامية تعكس مصائب هزات القدر والمصير
 
قدم بيتهوفن هذه الملحمة الموسيقية للمرة الأولى في مسرح "أن دير فين" كما ألف في ذات الوقت أعمالا أخرى شهيرة مثل أوبرا فيديليو والكونشرتو رقم 4 للبيانو. فسر البعض مقدمة السيمفونية الخامسة ذات الوتيرة العاطفية الدرامية بأنها تعكس مصائب هزات القدر والمصير التي عانى منها طويلا ورأى البعض الآخر بأنها تعبر عن خيبة أمله وحزنه حيال انتكاس الحب بينه وبين نبيلة نمساوية لم تبادله في بادىء نفس الأحاسيس. وكان هذا اللحن أثناء الحرب العالمية الثانية رمزا موسيقيا لأحلام الحرية التي ساورت مشاعر الشعوب التي احتلها وقهرها النظام النازي. وكان بيتهوفن قد كتب هذه السينفونية بين عام 1805 وعام 1808.
 
وقد احتلت "الخامسة" مركزا بارزا في مهرجان هذا العام 2018 في مدينة بون بحيث يمكن اعتبارها المحور الأساسي للمهرجان. حيث عزفت مرتين إحداهما في كنيسة "كروتسبيرغ" الإنجيلية الواقعة في منتصف المدينة وتم ذلك على النمط الكلاسيكي التقليدي الذي أثار كالمعتاد إعجابا فائقا من الجمهور. 
 
عزف السيمفونية الخامسة بـ "أربعين إصبع" 
 
كما عزفت "الخامسة" مرة أخرى على نمط غير تقليدي بهر إعجاب الجمهور كذلك حيث عزفها على آلتي بيانو اثنتين فنانتان وفنانان أي أربعة أشخاص وذلك على وتيرة مستحدثة نادرة تسمى "العزف بثمانية أَيْدٍ". فنانو "الأصابع الأربعين" (ثمانية أيْدٍ، أربعة عازفي بيانو، آلتا بيانو اثنتان!) هم المكسيكي ايفرين كونساليس والألمانية كريستيني غيرفيغ والفرنسية ايزول جوست والبرتغالي دومنغوس كوستا. 

 في الصورة جانب من مهرجان بيتهوفن 2018. فرنسوا خابيير روت وفرقته الكلاسيكية.
مفهوم المصير يتماشى كثيرا مع التجارب التي مر بها ببيتهوفن طيلة حياته: المعروف أن "المصير" يرتبط في كل الثقافات بالألم والمآسي مثل ما يرتبط بالمفاجآت السارة والسعادة غير المتوقعة. كالمعتاد كانت أعمال بيتهوفن محور أنشطة المهرجان السنوي لعام 2018. وشارك بمهرجان بيتهوفن عام 2018 أيضا عازف البيانو المجري الشهير أندراش شيف. ومن الملاحظ أن عازف البيانو شيف أنشأ مجلسا يختص بشؤون الموسيقى وحقوق الإنسان تبنى فيه شعار "نعم للجسور لا للجدران" رافضا بذلك المواقف السياسية العنصرية التي يتبناها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان تجاه اللاجئين على وجه خاص وتجاه كل من عارض سياسته اليمينية المتشددة في الداخل وفي صفوف الاتحاد الأوروبي. وما زال شيف يرفض إقامة حفلات موسيقية في المجر طالما ظل اليمين القومي المتشدد يحكم البلاد.

وقد قدم المهرجان عرضا شبيها لأعمال البيانو هذه المرة باستخدام أربعة أيدٍ لا ثمانية، حيث عزف الثنائي المجري إيزابيلا سيمون / دينيش فاريون في قصر الضيافة "بيترزبيرغ" المطل على حوض الراين وضواحي مدينة بون على آلتي بيانو وأحيانا على آلة واحدة مشتركة قطعا لكل من روبيرت شومان وكلود ديبوسي وبيلا بارتوك وغيورغي كورتاغ وأخيرا لبيتهوفن نفسه (يسمى هذا النمط في عزف البيانو بأربعة أيد: فوغا). "فوغا" مصطلح باللاتيني يعني الهروب وهو صنف من التلحين يجعل المستمع يتخيل وجود أجواء من المطاردة والهروب، الهجوم والاختباء وذلك بسبب تتالي وتعاقب اللحن وتكرار المقطع. 

كورتاغ موسيقي مجري معاصر ولد عام 1926 والمعروف أن مهرجان بون يقدم بالإضافة إلى أعمال عمالقة الموسيقى الكلاسيكية بيتهوفن وموتزارت وهايدن وفاغنر وبرامز وشوبارت وتشايكوزفسكي ومندلسون بارتولدي أعمال بعض الفنانين المعاصرين بل حتى المغمورين منهم. لكن الجمهور وأغلبهم من المسنين لا يتقبل الموسيقى المعاصرة أو ما يسمى بالموسيقى الإلكترونية بصدر رحب في الأغلب. لعل ذلك قد دفع كورتاغ إلى تلحين مقطوعات بعضها مستحدث تماما وبعضها الآخر يستند على أعمال عبقري موسيقى الباروك يوهان سبستيان باخ، وجاءت نتيجة هذا الإنتاج بمثابة حل الوسط أي مزيجا من القديم التقليدي والحديث الابتكاري الأمر الذي نال بالفعل إعجاب غالبية الجمهور.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.