المحطّة الثــالثة في حياتي تمثلت بحادثة مماثلة ، ولكن هذه المرة مع رفاق حزبيين مسيحيين. كانت حادثة لها عمق تغييري كبير في نفسي وفي وعيي إذ كانت سبباً أساسياً في تحوّلي إلى كاتب لأني شعرت أنّ الكتابة هي الطريق الوحيدة الّتي بمستطاعي أن أسلكها لكي أغيّر العقليّة في المجتمع. والتفاصيل كما يلي: دخلت السّجن كمعارض سياسي في نظام حزب البعث. كنت انتميت الى حزب البعث قبل استلامه السلطة. ثم استقلت من الحزب بعد سنة من استلامه الحكم لخلافات سياسية وإيديولوجية ليس المجال هنا للدخول في تفاصيلها . وبعد أن استقلت وصرت معارضاً دخلت السّجن. في السّجن كان هناك عدد من البعثيين المعتقلين وإن كانوا ينتمون الى تياريميني غير التيار الحاكم وغير التيار اليساري الذي أنتمي إليه أنا بعد أن تشتت الحزب إلى تكتلات، وكان معظم هؤلاء من جبل حوران في سوريا الذي كان قسم كبير من سكّانه من المسيحيين من أيّام الغساسنة ومن وَرَثتهم .

وفي السّجن كان معي خمسة أو ستّة من هؤلاء المسيحيين البعثيين في غرفة جماعية واحدة تضم عشرات المعتقلين. كنت قد تزوّجت من زوجتي الكاتبة”هنرييت عــبودي”، وأنجبت منها أوّل طفلة عمرها سنة أو سنتان، لم أعد أذكر. وكنت وأنا بالسّجن لا أفكر إلاّ بهذه الزوجة وبهذه البنت الّتي تركتها معها. ولست أدري كيف جاء حديث الشرف الجنسي الذي يقضي بوجوب قتل المرأة إذا أقامت علاقة جنسية غير مشروعة سواء كانت مسيحية أو مسلمة، وفي هذه الحال تقتل ، والأفضل أن تذبح ذبحاً من قبل أخيها استرداداً للشرف المهان. ومن كلمة إلى كلمة قادنا النّقاش الى ما يلي. قلت لهم: أنــــــــا أرفض مبدأ جريمة الشرف من أساسه، وهذا موقف لا أستطيع احتماله إطلاقاً من قبل إنسان يزعم نفسه تقدمياً أو اشتراكياً أو بعثياً. عندئذ هبّ واحد منهم غاضباً وقال: أنت متزوج؟ قلت: نعم. قال: شوعندك؟ قلت له: عندي بنت. قال: صغيرة طبعاً؟ قلت: نعم. قال: الآن إذا كبرت – بنتي اسمها مَيّ- إذا كبرت هذه البنيّة وغلطت مع شابّ أفلا تذبحها؟؟ قلت له: أنا أذبح مايا بنتي إذا رأيتها تقبِّل شابّاً ! فقـــــــــــــال: كيف؟ أما تذبحها ؟ قلت له: يا رفيق أجننتَ !! أذبح مايا؟ قال: أنت ما عندك شرف! أنت لست عربياً ولا تستأهل أن تكون عربياً ولا بعثياً! وأخذ هؤلاء الرّفاق المعتقلون معي قراراً بمقاطعتي وبعدم الكلام معي لأنّــي لا أستحق شرف أن أكون عربيـاً أو بعثياً ولو كنت معارضاً مثلهم للتيار الحاكم. ونتيجة لهذه المقاطعة ولما تلاها من عدائية نحوي قدَّمت طلباً إلى ادارة السجن بنقلي إلـى غرفة منفردة، أي شبه زنزانة، بدلاً من أن أبقى مع رفاق يقاطعونني ويحتقرونني.

من يومها أيضاً تعلّمت درساً جديداً وهو أنّ القضيّة ليست فقط قضية مسلمين وغير مسلمين، ومسيحيين وغير مسيحيين، من حيث الوعي الاجتماعي حتى ولو كانوا ينتمون إلى أيديولوجيا واحدة. فالقضية أعمق من ذلك بكثير. قضية بنى عقليّة في المقام الأول. ففي داخل المخّ البشري تتواجد طبقتان: طبقة فوقية سطحية يمكن أن تكون سياسية، تقدمية، اشتراكية، وحدويّة، وطبقة بنيوية تحتيّة داخل هذا المخّ رجعيّة حتّى الموت، سواء كان حاملها مسيحيـاً أو مسلمــاً. ومنذ ذلك اليوم توطد لديّ الاقتناع بأن الموقف من المرأة في مجتمعاتنا يحدد الموقف من العالم بأسره. ومنذ ذلك اليوم أيضا ترسخ لديّ الاقتناع أكثر من أيّ يوم سبق بوجوب النضال بواسطة الكلمة من أجل تغيير العقليــات، تغيير البنية الداخلية للعقل، وليس فقط البنية السطحية السياسية أو الايديولوجية.

المحطّة الـــــــرابعة

في المحطّة الـــــــرابعة من حياتــــــــــــي، وبعد مرحلة القوميـة العربية والبعثية واليسـارية والماركسية، جاء دور فرويد

كان من أعرق أحلام الإنسانية أن تجد مفتاحاً لتفسير أحلامها، ولقد تصدت لهذه المهمة في البدء الميثولوجيا الشعبية، ثم الفلسفة، قبل أن يتنطع لها أخيراً علم النفس. لكن المساهمة الكبرى في هذا المجال كانت للتحليل النفسي. فمع فرويدية تحول تفسير الأحلام إلى علم. وهذا الكتاب، الذي ترجمه لأول مرة الراحل جورج طرابيشي إلى العربية، لا يقدم "مفتاحاً" لتفسير الأحلام فحسب، بل أيضاً مفتاحاً، ومدخلاً لمجمل نظرية فرويد في التحليل النفسي.
كان من أعرق أحلام الإنسانية أن تجد مفتاحاً لتفسير أحلامها، ولقد تصدت لهذه المهمة في البدء الميثولوجيا الشعبية، ثم الفلسفة، قبل أن يتنطع لها أخيراً علم النفس. لكن المساهمة الكبرى في هذا المجال كانت للتحليل النفسي. فمع فرويدية تحول تفسير الأحلام إلى علم. وهذا الكتاب، الذي ترجمه لأول مرة الراحل جورج طرابيشي إلى العربية، لا يقدم "مفتاحاً" لتفسير الأحلام فحسب، بل أيضاً مفتاحاً، ومدخلاً لمجمل نظرية فرويد في التحليل النفسي.

.

وقصتي مع فرويد بدأت بواقعة لا تخلو من طرافة. فبعد أن تزوجت وصار عندي بنتان كنت، كلّما جلست إلى المائدة لآكل الطعام، أمسك برغيف الخبز- عندنا فـــي سوريا الخبز العربـي، وهو غير دارج في معظم البلدان العربية الأخرى- فلا أجد نفسي إلا وأنا أقطّعه من أطرافه لاشعورياً وزوجتي وابنتي قاعدتان أمامـــي على المائدة تأكلان، وكنت لا أستطيع منع نفسي من تفتيت الخبز حتى عندما يكون معنا على المائدة ضيف.

كانت زوجتي تقول لي بلهجتها الحلبية: عيب يــا جورج، النّاس بشوفوك، وبناتك يتعلموا هالعادة ، وحتى عندما يكون عندنا ضيوف علــى المائدة يرونك تفتِّت الخبز قدّامهم هكذا! وكنت أقول لها: معك حقّ.ولكن كلّ مرّة أنسى نفسي وأعود إلى تمزيق الرغيف بدون قصد ولا انتباه مني. وهكذا إلـى أن صادف ذات مرة أن قرأت مقالاً- لا أعتقد أنه كان لفرويد وإنما لأحد تلاميذه – يحكي عن هذه الظاهرة النّفسية ويعتبرها عرضاً عصابياً بصفتها فعل تمزيق لاإرادي ولاشعوري للأب. وأنا عندما قرأت هذا المقال أصبت برجفة: فأنا إذن أمزّق أبي! وبالفعل كنت على صدام في مراهقتي مع أبي.

ومنذ أن قرأت ذلك المقال انفتحت على التحليل النفسي، وعكفت على قراءة فرويد ثم شرعت أترجم له. ووجدتني أتصالح مع أبيوكانت قد مضت سنوات على وفاته – وأصفّي حسابي مع نفسي تجاه أبي وأستعيد نسبة كبيرة من الهدوء النفسي وأنظر إلى الحياة نظرة جديدة إلى حدّ ما. ولقد ترجمت لفرويد نحواً من ثلاثين كتاباً، ولكني بطبيعة الحال لم أترجمها عن لغتها الأصلية الألمانية، بل عن اللغة الفرنسية. وأنتم تعلمون المثل الايطـــــــــــــــالي الّذي يقــول: المترجم خائن Traduttore, traditore . وأنا إذ كنت أترجم عن لغة عن لغة فهي خيانة مزدوجة، ولكن كان هذا خيارأً لا بدّ منه لأنّه لا يوجد في الثقافة العربية، التي تهيمن عليها نتيجة الاستعمار السابق اللغتان الفرنسية والإنجليزية، من يتقن الترجمة عن الألمانية سوى قلة قليلة للغاية. ولو لم أترجم فرويد أو لم يترجمه غيري سواء عن الفرنسية أو الإنكليزية لبقيت الثقافة العربيّة بدون فرويد وبدون تحليل نفسي، وهذا شيء غير مقبول. وطبعاً أنا خنت خيـــانة مزدوجة بالترجمة عن لغة عن لغة، ولكن أعتقد أني أديت للثقافة العربية خدمة ضرورية. وأنا منصرف اليوم ، ومنذ عام تقريباً، إلى إعادة النظر في ترجماتي الفرويــدية مستفيداً من صدور ترجمات جديدة لفرويد باللغة الفرنسية – ترجمتـــين أو ثلاث للكتاب الواحد – استعداداً لإعادة طبعها منقحة وأكثر مطابَقة للنص الأصلي، متمنياً أن يأتي ذات يوم يكون عندنا مترجمون يترجمون عن الألمانية مباشرة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.