في المحطّة الخامسة من حياتي سأتوقف عند عن علاقتي بـالراحل محمد عابد الجابري الّذي كرست له ربع قرن من عمري.

كنت منذ عام 1972 قد انتقلت إلى بيروت لأتولى رئاسة تحرير مجلة “دراسات عربيّة” الشهرية التي كانت تصدر فيلبنان عن دار الطليعة. وكان الجابري قد بدأ يرسل إليّ في مطلع الثمانينات بعض المقالات لنشرها في المجلة. ثمّ أرسل كتاباً إلى دار الطليعة عنوانه “تكوين العقل العربــي“، الجزء الأوّل من مشروع “نقد العقل العربـــي“. وقد أعطاني صاحب الدار الرّاحل بشير الداعوق المخطوط قائلاً لي: أنظر في هذا الكتاب فأنت أفهم مني في التراث. قرأت الكتاب وقلت له: هذا كتاب مدهش، أُنشره فوراً. نشره طبعاً. ولكنّي في أثناء ذلك كنت أخذت قراري- وقد تعبت من الحرب الأهليّة اللبنانية – بالهجرة من بيروت إلـــى بـاريس للعمل في مجلة “الوحدة “.

وأنا أودّع الدّار و أودّع زملائي وأودّع بشير الداعوق، كان صدر كتاب ” تكوين العقل العربي، وكان هو الكتاب الوحيد اللّذي حملته معي من بيروت إلى باريس مع معجم سهيل إدريس “المنهل“. لم أحمل من كتب مكتبتي الخمسة آلاف غير هذين الكتابين.

جئت باريس وقعدت في بيتي شبه الفارغ أقرأ هذا الكتاب مرّة ثانية، مسحوراً به سحراً كاملاً. وكان أوّل مقال كتبته في مجلّة “الوحــدة” عن هذا الكتاب. وبادرت أكتب بالحرف الواحد- يعرف هذه القصة عدد ممن قرؤوا سيرة حياتـي-: “إنّ هذا الكتاب ليس فقط يثقّف بل يغيّر، فمن يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”. بمثل هذه الحماسة كتبت عرضاً عن الكتاب في مجلّة الوحدة“. ولكن كانت هناك نقطة تفصيلية صغيرة في الكتاب أثارت عندي بعض الشكوك وتتعلق بموقف الجابري من “إخوان الصفاء”. فمن دراستي الجامعيّة في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق كانت تكونت عندي فكرة عامة عن انتماء إخوان الصفاء إلى العقلانية الفلسفية الإسلامية. والحال أن الجابري كان قال كلاماً سلبياً للغاية عن إخوان الصفـــــاء ناسباً إياهم الى ” العقل المستقيل في الإسلام”، ومؤكداً أنهم وقفوا ضدّ العقل، وضدّ الفلسفة، وضدّ المنطق، وضد صاحب المنطق الذي هو أرسطو .هكذا ارتسم عندي شكّ يتعلق بهذه النقطة تحديداً، وما كان في إمكاني أن أحسمه لأن رسائل اخوان الصفاء لم تكن متوفرة لي في مهجري الباريسي.

ثم شاءت الظروف أن أسافر إلى إحدى دول الخليج في دعوة لندوة. في ذلك البلد الخليجي قلت في نفسي إني سأبتاع رسائــــــل إخوان الصفاء لحسم تلك المسألة. ذهبت إلى مكتبة كبيرة هناك وسألت المستخدم: عندك كتاب “إ رسائل خوان الصفاء“؟ فقال بلهجة لا تخلو من غرابة: لا يا أستاذ. قلت له: وأين يمكنني الحصول عليه ؟ قال: أستاذ، أنت تعرف أنّ هذا الكتاب هو في الفلسفة؟ قلت له:نعم. قال: إن كتب الفلسفة ممنوعـــة هنا . وكانت هذه أول مرة أسمع فيها أن كتب الفلسفة محرّمة، وفيمـا بعد اكتشفت أنها ليست ممنوعة فقط في تلك الدولة الخليجيّة ، بل في معظم دول الخليج. قلت لـلمكتبي: آسف، أنا والله ما كنت أدري. ومن كلمة إلى كلمة بدأت أتناقش معه ودياً وقلت له: أنا لازمني الكتاب، فماذا أفعل؟. قال: هناك مكتبة أخرى. ودلّني على اسمها وعنوانها وقال: علّ وعسى يكون لديها.

ذهبت الى المكتبة الثــــانية و سألت المكتبي عن الكتــــاب. وبالطبع أتاني نفس الجواب، فقلت له: ولكن اسمح لي أعرّفك بنفسي :أنا كاتب ومترجم اسمي “جورج طرابيشي” . وبمجرّد أن قلت له جـــــورج طرابيشي، قال: أهلاً وسهلا ًوراح يعرّفني على ما هو موجود من كتبي وترجمـاتي لديه. ثم أضاف: اسمح لي. ودخل واستدعى رئيسه صاحب المكتبة، فقال هذا: أهلاً وسهلاً أستاذ جـــورج. ورحّب بي، إلخ. رويت له حاجتي الى الكتاب لأنه غير المتوفر لي بباريس ولا أستطيع أن آتي به من لبنان بسبب ظروف الحرب الأهلية،إلخ. قال: والله يا أستاذ أما تعرف أن هذه الكتب ممنوعة؟ قلت له: عرفت ولكن لعلّ وعسى تســـــاعدني. قــال: تفضّل معي. نزل معي إلى قبو تحت الأرض فـــإذا فيه صناديق وكتب أخرى، وأخرج أربعة أجزاء كبيرة لإخوان الصفاء، قال: تفضّل أستاذ . و لم يشأ أن يأخذ ثمنها ولكني أصررت ودفعت شاكراً إياه كل الشكر.

وأنا في طائرة العودة ثم في البيت كان أوّل همي أن أعثر عــلى النّص الّذي يقول عنه الجابري إن إخوان الصفاء يقفون فيه ضدّ المنطق وضد أرسطو وضدّ الفلسفة.

فتحت الجزء الرابع من الرسائل أفتش عن النص كما يشير اليه الهامش الذي يحيل اليه كتاب “نقد العقل العربي” فلـــــم أجده، فتشت وفتشت ثم قلت في نفسي: لعله خطأ مطبعي ويجب ان أعيد قراءة الرسائل الواحدة والخمسين كلها. وهكذا بدأت بقراءة كتاب رسائل إخوان الصفا بأجزائه الأربعة فإذا بي أصل إلـــــى الرسائل 10-11-12-13-14 ، فكانت دهشتي عظيمة. ففي هذه الرسائل الخمس، و بعدما قدّموا وعرّفوا بأنفسهم، يقولون ما خلاصته: يـــا أخي، أيّدك الله وإيّانا بروح منه، اعلم ، بعدما شرحنا لك أهدافنا، أنّه لا مدخل لك إلينا إلاّ بواسطة المنطـــق لأنّه هو المعبر الّذي يجعل الخطاب بيننا ممكناً، فتعالَ نشرح لك المنطق وكتبه. ثم يخصّصون الرسائل 10 إلى14 لشرح كتب المنطق الأرسطي مثل العبارة والمقولات و والقياس والبرهان ، ويستعملون العبارات بلفظها اليوناني مثل أنالوطيقا وقاطيغورياس، إلخ .

فيما أنا أطالع هذه الرسائل الخمس في الشرح المفصل للمنطق الأرسطي كنت أتساءل بيني وبين نفسي: كيف يقول الجابري إن إخوان الصفا قاطعوا أرسطو؟ وقاطعوا المنطق؟ وقالوا: إن الإنسان ليس بحاجة إلى المنطق وإلى الفلسفة؟

وعدت من جديد إلى متابعة قراءة الرسائل إلى أن وقعت في الرسالة السابعة عشرة المعنونة: في علل اختلاف اللغات على النص الذي يتخذ منه الجابري دليلاً علن أن إخوان الصفاء قالوا إن الإنسان ليس بحاجة الى المنطق. والحال ماذا يقول النص؟ فحواه كالتالي: لقد تقدم بنا الكلام في أوائل رسائلنا على أهمية المنطق لفهمنا وفهم لرسائلنا.

ولكن اعلم يا أخانا أنّ المنطق منطقان. هناك منطق فلسفي حدّثناك عنه، وهناك منطق لفظي أي الكلام، لأنّه لولا الكلام لما تفاهم البشر فيما بينهم. وبعد أن يشــرحوا دور اللغة كأساس وكوسيلة للتفــاهم بين البشر يضيفون: اعلـــم أن هناك نفوساً صــافية غير محتاجة للكلام ولا للمنطق في إفهام بعضها بعضاً، أي هناك نفــوس روحانية تتفاهم بالعين، تتفاهم باللّمس، تتفــاهم بالروح، بالوجدان، بالتخاطر كما بتنا نقول اليوم، بدون أن تكون بها حاجة للمنطق اللفظي والكلام. فإذا بالجــــابري استغلّ هذه الجملة ” ليست بحاجة إلـى منطق” ليحذف كلمة اللفظي وليقول إنّ هؤلاء ضدّ المنطق بمعناه الفلسفي. ثمّ لم ألبث أن وقعت علــى الشّاهد التّالي وهو في معرض نقاش إخوان الصفاء حول ما بين الدين والفلسفة من علاقة يريد المتزمتون في عصرهم ( القرن الرابع للهجرة) فصمها ويدعون إلى تحريم الفلسفة باسم الدين. يقول الشاهد بالحرف الواحد: “اعلم أيّهــــا الأخ البــار، أيّدك الله بنور منه، أنّ من عرف أحكام الدّين فإنّ نظره في علم الفلسفة لا يضرّه بل يزيده فـــي علم الدّين تحققاً وفي فهم المعاني استبصاراً”. ثم ثمّ يضيف القول: “المنطق ميزان الفلسفة وأداة الفيلسوف. ولمّا كـانت الفلسفة أشرف الصنائع على البشرية بعد النّبوة صار من الواجب أن يكون ميزان الفلسفة أصحّ المــــوازين وأداة الفيلسوف أشرف الأدوات ونسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات مثل صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ

كانت أطروحة طرابيشي الأساسية هي البحث في عوامل استقالة العقل العربي في القرون الأخيرة، والتي لم يحاول إرجاعها الى سبب محدّد، بل حاول رصد الجدليات التي تحكمها وتعيد إنتاجها. احتاج هذا المشروع إلى قراءة نقدية لمجمل التراث العربي، اتكأ فيها طرابيشي إلى مشروع سبقه أنجزه الجابري.
كانت أطروحة طرابيشي الأساسية هي البحث في عوامل استقالة العقل العربي في القرون الأخيرة، والتي لم يحاول إرجاعها الى سبب محدّد، بل حاول رصد الجدليات التي تحكمها وتعيد إنتاجها. احتاج هذا المشروع إلى قراءة نقدية لمجمل التراث العربي، اتكأ فيها طرابيشي إلى مشروع سبقه أنجزه الجابري.

”.

إني لمّا قرأت هذه الرسالة وهذا الشاهد أصبت بصدمة كبــيرة وبطعنة في كبريائي كمثقف، لأنّي كتبت في ما كتبت عن كتاب الجـابري: ” هذا الكتاب من يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”.

ومن ذلك اليوم لم أعد أوجّه لومــــــي إلى الجــــــابري، بل إلى نفسي، لأنّني حكمت على كتاب في موضوع لم أكن أملك كلّ مفاتيحه المعرفية. وأقسمت بينـــي وبين نفســــي أني بعد الآن لن أقول شيئاً أو أصدر حكماً بدون أن أكون مستوثقاً من كلّ المعلومات بصدده.

وهكذا أخذت قراري بإعادة تربية نفسي، و إعادة تثقيف نفسي. وهكذا انكببت، أنا الذي درست اللغة العربية والتراث العربي جزئياً في الجامعة، انكباباً مرعباً علــى قراءة كتب التراث وعلــــى مطالعة عشرات وعشرات المراجع الّتي ذكرها الجــــابري والّتــي رحت أدقق كلّ شاهد من شواهدها وأتحقّق من صحّتها فــــي كلّ المجالات  .وبصراحة أقول لكم: لم يكن شاهد إخوان الصفاء بالشاهد الوحيد، بل وقعت على عشــرات وعشرات من الأمثلة علـــى مثل هذا التزوير الّذي أوقع فيه الجابري عن قصد أو عن غير قصد- لا أدري- قراءه وأنا منهم.

وإني لأقولها صراحة اليوم: إني أعترف للجــابري، الّذي قضيت معه ربع قرن بكامله وأنا أقرأه وأقرأ مراجعه ومئات المراجع في التراث الإسلامي ومن قبله المسيحي ومن قبلهما التراث اليوناني وكل ما يستوجبه الحوار مع مشروعه، إني أقرّ له، وأعترف أمامكم، أنّه أفادني إفادة كبيرة، وأنه أرغمني علـــى إعادة بناء ثقــافتي التراثية . فأنـــا له أدين بالكثير رغم كلّ النقد الّذي وجّهته إليه.

محطة الألم السوري المتواصل

المحطة السادسة. إن المحطات الخمس التي تقدّم بي الكلام عنها كانت كلها بمثابة محطات انطلاق، وبدءاً منها كتبت كل ما كتبته على امتداد حياتي من أبحاث ومقالات قاربت في عددها الخمسمائة ، ومؤلفات نافت على الثلاثين، وترجمات زادت على المئة . لكن المحطة السادسة كانت بالمقابل هي محطة التوقف والصمت والشلل التام عن الكتابة: محطة الألم السوري المتواصل منذ نحو أربع سنوات بدون أن يلوح في الأفق أي بشير بنهاية له.

على امتداد تلك السنوات الأربع ما أسعفني القلم إلا في كتابة مقالين اثنين فقط: أولهما في 21/3/2011 بالتواقت مع البدايات الأولى لثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، وثانيهما في 28/5/2011 مع انخراط سورية بدورها في معمعة ذلك الربيع.

المقال الأول حمل هذا العنوان: تاريخ صغير على هامش التاريخ الكبير. وقد قصدت بالتاريخ الكبير ثورات الربيع العربي التي بدت في حينه وكأنها تُدخِل العالم العربي في عصر الثورات التاريخية الكبرى كمثل تلك التي شهدتها فرنسا عام 1779 أو أوروبا الغربية عام 1848 أو دول المعسكر المسمى بالاشتراكي في أواخر القرن العشرين. أما التاريخ الصغير فقد قصدت به تاريخي الشخصي المرتبط بخيبة أمل كبرى. فأنا، كما وصفت نفسي في خاتمة ذلك المقال الأول عن ثورات الربيع العربي، ابن الخيبة بالثورة الإيرانية الآفلة أكثر مني ابن الأمل بثورات الربيع العربي الشارقة التي قلت في نهاية المقال إنني إذا كنت أتمنى من شيء فهو أن يكون توجسي في غير محله، وأن يكون مآل هذه الثورات العربية غير مآل الثورة الإيرانية التي صادرتها القوى الناشطة تحت لواء الإيديولوجيا الدينية، وأن تكون فرحتي بذلك الربيع هي الرفيق الدائم لما تبقى لي من العمر.

ولكن ، وكما أثبت التطور اللاحق للأحداث، فإن ما قام البرهان على أنه كان في محله هو توجسي بالذات: فالربيع العربي لم يفتح من أبواب أخرى غير أبواب الجحيم والردّة إلى ما قبل الحداثة المأمولة والغرق من جديد في مستنقع القرون الوسطى الصليبية/الهلالية .

أما المقال الثاني الذي كتبته في أواخر شهر أيار/مايو 2011 فكان بعنوان: سورية: النظام من الإصلاح إلى الإلغاء. وقد كان محوره على أن سورية، المتعددة الأديان والطوائف والإثنيات، تقف بدورها على أبواب جحيم الحرب الأهلية ما لم يبادر النظام إلى إصلاح نفسه بإلغاء نفسه بنفسه. فغير هذا الإلغاء لا سبيل آخر إلى إصلاح سلمي يصون البلاد من الدمار. ولكن بدلاً من ذلك امتنع النظام حتى عن الوفاء بالوعود في الإصلاح التي كان لوّح بها. ولكن لأعترف أيضاً بأن إصراري يومئذ على قدر من التفاؤل، من خلال مطالبة النظام بإلغاء نفسه تفادياً لحرب أهلية طائفية مدمرة، كان في غير محله إذ ما كنت أعي في حينه، أي في الأسابيع الأولى لاندلاع الانتفاضة السورية ، دور العامل الخارجي إعلاماً وتمويلاً وتسليحاً، وهو الدور الذي يدفع اليوم الشعب السوري بجميع طوائفه ثمنه دماً وموتاً ودماراً غير مسبوق إلا هولاكياً، وهذا في ظروف إقليمية وأممية تشهد احتداماً في الصراع الطائفي السني/الشيعي ينذر بأن يكون تكراراً للصراع الطائفي الكاثوليكي/البروتستانتي البالغ الشراسة الذي كانت شهدته أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

يبقى أن أختم فأقول إن شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن أكتب، هو بمثابة موت. ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن.

 

* نقلا عن "الأثير"

* تُوفي جورج طرابيشي  في 17 مارس 2016 عن عمر يناهز 77 عاما.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.