آيا صوفيا كانت كاتدرائية أرثوذكسية شرقية سابقًا قبل أن تتحول إلى مسجد على يد محمد الفاتح، ومن ثم إلى متحف ديني عام 1935، وتقع بمدينة إسطنبول بتركيا.
ميلاد المسيح بن مريم

المسيح عيسى بن مريم في الإسلام: عيسى كلمة الله وروح منه

يسلط عاصم حفني، أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورغ الألمانية، الضوء في المقال التالي لموقع قنطرة على المكانة الرفيعة التي يحظى بها المسيح بن مريم في القرآن.

أولى الإسلام المسيح عيسى وأمه مريم عليهما السلام عناية خاصة ومكانة رفيعة، ويتجلى ذلك في المساحة النصية، التى خص بها القرآن السيدة مريم والتي تتجاوز حجم ذكرها في النصوص الإنجيلية القانونية مجتمعة.

سمّى القرآن إحدى سوره باسم مريم، وهي المرأة الوحيدة التي ورد ذكرها في القرآن باسمها، كما يؤكد القرآن على عفّتها وطهارتها واصطفاء الله لها وتفضيلها على نساء العالمين (آل عمران، آية 42).

 وفوق ذلك يذكر القرآن معجزات عيسى بالتفصيل مثل إبرائه الأكمه والأبرص، وإحيائه الموتى، والإنباء بالغيب والكلام في المهد، والخلق من الطين كهيئة الطير والنفخ فيه (آل عمران، آية 49)، وتعد ولادة المسيح من أم عفيفة نقطة التقاء بين المسيحية والإسلام فالخلاف بينهما حول طبيعة المسيح وليس حول رسالته ولا طريقة ولادته.

عيسى بين البنوة والنبوة

الله في التصور الإسلامي لا يمكن أن يكون له ولد، لأنه ليس له زوجة أو صاحبة، ولذلك حرص القرآن على ربط عيسى بالنبوة وهو وأمه بالبشرية وذكر ما تقتضيه طبيعتهما من احتياجات جسدية كالأكل وغيره، وهما بذلك مخلوقان لا يختلفان عن كلّ الكائنات المخلوقة.

وفي تأكيده على نفي صفة الألوهية عن عيسى حرص القرآن على أن تتبع عبارة "بإذن الله" المعجزات التي جرت على يدي عيسى، وهي عبارة لا ترد مثلاً بعد معجزات جرت على يد موسى عليه السلام مع أن كلاهما يتصرف وفق مشيئة الله حسب العقيدة الإسلامية، وذلك لانتفاء شبهة الألوهية عن موسى، وتأكيدا لهذا كله يرد وصف عيسى بابن مريم ثلاثا وعشرين مرة في القرآن.

 

 

وثمة فرق في اللغة العربية بين كلمتي ولد وابن، فكلمة ولد تعني أن يولد طفل بعد حمل نتج عن علاقة جنسية بين رجل وامرأة وهذا ما يحرص القرآن على نفيه تماما تجنباً لأنسنة الله فيما يتعقل بوحدانيته ومفارقته للطبيعة وعدم ممثالته للمخلوقات المنزه عنها: ((قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ . اللَّـهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)) (الإخلاص، آية 1-3)، وهذه البنوة البيولوجية، التي يرفضها الإسلام بشدة، لا يقول بها المسيحيون أيضا بل يفهمون عبارة "ابن الله" كمقولة مجازية لا يُقصد بها الولادة الفيزيائية المعروفة.

ولكن الكلمة المستخدمة هي ابن والتي قد توحي بتحول الكلمة إلى بشر، فكلمة ولد في العربية لا تعني بالضرورة البنوة البيولوجية كما أنها تستخدم بين المسلمين للدلالة على الأبوة المعنوية بمعنى معاملة الكبير للصغير بحنان وعطف، ومنها كلمة التبني المعنوي بمعنى القيام على شؤون شخص، وبغض النظر عن مدى قبول المسلمين لهذا المعنى من البنوة إلا أن تأكيد عدم اعتقاد المسيحية في البنوة البيولوجية يقرب المسافة بينها وبين الإسلام و يمكن البناء عليه في خلق حوار بناء بين الديانتين لتصحيح المفاهيم المغلوطة.

وبنظرة متأنية لآيات سورة مريم فيما يتعلق بقضية نفي بنوة عيسى الإلهية يمكن استنتاج أنها لا تخاطب المسيحيين، لأنهم لا يقولون بهذه النبوة التي ينفيها القرآن، بل المخاطب هم عرب الجزيرة الوثنيون زمن نزول القرآن الذين جعلوا لله البنات ((وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)) (البقرة، آية 116) وأن عيسى هو ابن الله بيولوجيا، كما يرى أستاذ التربية الإسلامية في جامهعة مونستر الألمانية مهند خورشيد في كتابه عن عيسى في الإسلام.

 

المزيد من مقالات موقع قنطرة

هكذا يحتفل مسلم ألماني بعيد الميلاد مع أسرته

بيت لحم......رسائل المحبة والسلام من مدينة السلام

ماذا يفعل المسلمون في عيد الميلاد؟

الحوار بين الإسلام واليهودية والمسيحية...مشقة التفاهم بين المؤمنين

بيت لحم 2019 - استعداد حَذِر لأفضل عيد ميلاد منذ سنين وعودة "خشبة من مهد المسيح"

 

عيسى كلمة الله وروح منه

من أكثر المسائل الخلافية بين المسيحية والإسلام هي طبيعة المسيح بين اللاهوت والناسوت. ويرتبط بالجدل حول هذه الطبيعة قضية الروح التي يسميها المسيحيون روح القدس وتصعد بعيسى إلى اللاهوت، بينما يراها المسلمون من مقتضيات الناسوت، فماذا يقول القرآن عن الروح؟ وهل يمكن من القرآن استنباط تصور قرآني للروح يخلق أرضية حوارية تقابلية وربما تقبلية بين الديانتين؟

بداية نشير إلى أن القرآن أكد بوضوح أن ماهية الروح سر إلهي كما تسميها الدارجة المصرية خاصة عند خروجها من الجسد مع الموت، وهذا السر غير معلوم للبشر، بل غير معلوم لصاحب الاتصال برب البشر وهو نبي الإسلام عليه السلام الذي يخاطبه الله بوضوح قائلا: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)) (الإسراء، آية 85).

 

عاصم حفني مدرس الحضارة الألمانية بجامعة الأزهر وأستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورغ الألمانية.
عاصم حفني: "الخلاف بين المسيحية والإسلام ليس حول الصلب نفسه ولكن حول شخص المصلوب، هل هو عيسى نفسه أم أنه شخص جعله الله شبيها له، ومع التسليم بأن هذه قضية خلافية إلا أنه يمكن أن تبنى عليها نقطة حوارية تقاربية بين الديانتين، بمعنى أن المسلمين يعتقدون في صلب شخص شبيه بالمسيح ومن ثم عليهم تقبل فكرة اعتقاد المسيحيين في صلب المسيح نفسه طالما لم تثبت عندهم قضية إلقاء الشبه على شخص آخر، فمن رأوه يصلب بدا لهم في شكل المسيح".

 

ومن جانب آخر يؤكد الله في القرآن أنه نفخ من روحه في أول خليفة له من البشر وهو "آدم" ((فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)) (الحجر، آية 29) أي أن كل بني آدم بهم جزء من روح الله أو من النفخة الإلهية، ولكن القرآن حين يصف عيسى يقول: ((إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ)) (النساء، آية 171)، أي أن عيسى روح من الله وليس فقط نفخة من روحه أي جزءا منها، والنفخة من الروح غير الروح رغم صعوبة تحديد ماهية كلٍ منهما.

ويصل أمر الروح غايته في صعوبة الوضوح عندما يقول الله إنه أرسل إلى مريم روحه فتمثل لها بشرا سويا (مريم، آية 17)، فإن كان المفسرون المسلمون قد حسموا قضية الروح، الذي تمثل بشرا هنا بأنه جبريل قياسا على أن "الروح الأمين" الذي نزل بالقرآن (الشعراء، آية 193) هو جبريل، رغم الفارق بين تعبير "روحنا" بضمير الملكية الذي يعود على الله وبين تعبير "الروح الأمين"، الذي يدل على المفارقة بينه وبين الله، إلا أن إرجاع قضية الروح المتمثل بشرا إلى حيز السر الإلهي وكذلك ربطها بالنفخة الإلهية في البشر إلى جانب أن المسيح روح من الله وليس فقط نفخة من روحه، كل هذا يجعل تحديد ماهية الروح المتمثل بشرا أمرا مفتوحا على عدة احتمالات ينتفي منها نعم احتمالية ألوهية المسيح، لأن القرآن الذي قال بتمثل الروح بشرا هو نفسه من ينفي ألوهية المسيح، ولكن الأهم أن تقبل فهم آخر غير ربط الروح بجبريل يصبح ممكنا، ومن ثم فباب الحوار التقاربي بين المسيحيين والمسلمين حول هذه النقطة يظل مفتوحاً.

"الخلاف بين المسيحية والإسلام ليس حول الصلب نفسه ولكن حول شخص المصلوب"

صلب عيسى

يؤكد القرآن على أن عيسى لم يصلب ولم يُقتل ولكن شبيها له هو من تعرض للصلب: ((وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ)) (النساء، آية 157).

ولقد ذكر الطبري في تفسيره لهذه الآية عدة روايات تتفق كلها على أنّ اليهود لم يقتلوا عيسى وإنّما قتلوا أحد أتباعه بعد أن ألقى الله عليه شبه المسيح عندما هاجموا المكان حيث كان يوجد عيسى وحواريه.

ويبدو هنا أن الخلاف بين المسيحية والإسلام ليس حول الصلب نفسه ولكن حول شخص المصلوب، هل هو عيسى نفسه أم أنه شخص جعله الله شبيها له، ومع التسليم بأن هذه قضية خلافية إلا أنه يمكن أن تبنى عليها نقطة حوارية تقاربية بين الديانتين، بمعنى أن المسلمين يعتقدون في صلب شخص شبيه بالمسيح ومن ثم عليهم تقبل فكرة اعتقاد المسيحيين في صلب المسيح نفسه طالما لم تثبت عندهم قضية إلقاء الشبه على شخص آخر، فمن رأوه يصلب بدا لهم في شكل المسيح.

عيسى في المخيلة الشعبية الإسلامية... عودة الغائب المخلص

الاعتقاد في عودة المسيح آخر الزمان وبالتحديد في المسجد الأموي في دمشق وأنه سيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية كما أورد ابن كثير في تفسيره، هو اعتقاد في عودة الغائب المخلص وهي الفكرة التي تربط بين ديانات ومذاهب عدة، ففكرة ظهور المخلّص موجودة عند السنة، كما أنها تمثل عقيدة أساسية عند الشيعة وتتمثل في الاعتقاد بعودة الإمام الغائب الثاني عشر المعروف بالمهدى المنتظر، وكلا العقيدتين لا يخلو من بعد سياسي يعطي لكل مذهب دليلا على صحة موقفه العقدي وأحقيته بحكم الأرض وهو ما سيتحقق بعودة المخلص الغائب.

هذا الاعتقاد السائد في المخيلة الإسلامية يحول دون محاولات الحوار الجادة بهدف التقارب، لأن كل فريق يعتقد في غائب سيظهر لاحقا ينصره ويبين له سلامة موقفه، فضلا عن أنه يعطل عمل العقل المسلم وقيامه بأعمار الأرض وأنه هو المسؤول عن حل مشاكله وليس مخلص يأتيه في آخر الزمان.

ومن هنا نشأت فكرة البطل المخلص في الذهنية الإسلامية فينتظر الناس من ينقذهم مما هم فيه من تردي، مما يجعل فكرة المسؤولية الفردية وصنع القرارات المصيرية عبر المؤسسات الديمقراطية وكذلك المشاركة المجتمعة عبر قنوات المجتمع المدني فكرة صعبة التحقيق.

 

عاصم حفني

حقوق النشر: عاصم حفني / موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

عاصم حفني مدرس الحضارة الألمانية بجامعة الأزهر وأستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورغ الألمانية.

 

 

المزيد من مقالات موقع قنطرة الحوارية

انتقال من التسامح إلى القبول بين أتباع المسيحية واليهودية والإسلام

عيسى ابن مريم ... رمز عربي وليس رمزاً دينياً أو طائفياً

الإسلام والمسيحية من أديان الله وكلاهما دين سلام

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.