وفي هذا الإطار ينبغي أن لا ننسى أن الأنظمة العربية حاربت الطريق الآخر أي تأسيس نظام ديمقراطي مدني وليبرالي، إذ أن الطغاة العرب لم يبالوا كثيرا بالإسلاميين لمعرفتهم بأن الغرب سيفضلهم على الإسلاميين في نهاية الأمر وسيختار "أخف الضررين".

تجميد الإصلاحات بعد نجاحات الثورات المضادة

لا تجود الانتكاسة الرجعية -التي سادت ابتداءً من عام 2013 كثيرا في بلدان الثورات- بحلول لتحديات الحاضر والمستقبل في البلاد العربية.

فتلك التطورات مقلقة من ناحية أن الظروف الاجتماعية السياسية والتي أدت في نهاية المطاف إلى انطلاق ثورات الربيع العربي قد ازدادت سوءا بشكل ملفت للنظر، إذ تشير لغة الأرقام إلى أن شخصا من بين ثلاثة أشخاص من المواطنين العرب هو تحت سن الـ 23. كما يحتاج العالم العربي في العشرين سنة القادمة 50 مليون وظيفة لا علم لأحد من أين يمكن الإتيان بها.

"الرهان على الاستقرار في دولة القمع الفاشلة هو بمثابة رهان على الماء في سراب الصحراء"

ولكي لا ننسى البعد الاقتصادي للثورات العربية يجب التذكير بأن فرض سياسات اقتصادية نيوليبرالية على اقتصاديات الدول العربية من طرف النخب القديمة قبل 2011 ساهم وبشكل أساسي في تهميش الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة.

رئيس مصر عبد الفتاح السيسي.
في قبضة الحكم العسكري والسلطوي: بعد فشل الربيع العربي أصبحت جميع "جمهوريات الخوف" العربية مع مرور الوقت أضعف اقتصادياً وأكثر قمعاً في آن واحد.

وفاقم بشكل خاص فرض إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المشدَّدة في مصر وفي تونس وأيضا فرض برامج الخصخصة غير المدروسة والتفكيك الفعلي للمرافق الحكومية، كل ذلك ساهم في تراجع دور الدولة كجهة مشغّلة رئيسة. وبالتالي يصبح من الممكن بالنظر لهذا التطور تفسير نسب البطالة المرتفعة خاصة في أوساط الخريجين من الشباب العرب.

وبالتالي وفي ضوء ما سبق يمكن الانطلاق من فرضية أن دولا مثل مصر ستصبح في القريب العاجل غير قابلة للحكم إن لم تطبق فيها إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية.

لذلك على الاتِّحاد الأوروبي ربط المساعدات التي يقدمها إلى الانظمة العربية بتحقيق إصلاحات حقيقية، حتى لو كانت صغيرة، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وتحقيق إصلاحات اقتصادية تدعم الطبقات الفقيرة والمتوسطة وتقوي المجتمع المدني وتساهم في ترسيخ معايير دولة القانون والحكم الرشيد المعروفة دوليا.

وفي الوقت نفسه على الغرب النأي بنفسه عن البحث عن تعاون غير مشروط مع ديكتاتوريات عربية تدعي أنَّها "مستقرة"، لأن الرهان على الاستقرار في دولة القمع الفاشلة هو بمثابة رهان على الماء في سراب الصحراء.  

 

 
 
لؤي المدهون
الترجمة عن الألمانية: صهيب زمال
حقوق النشر: موقع قنطرة 2018
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.