الحرية وشبح الموت

بعد 8 أيام، كنت وحيدة في المنزل، أمي وأخوتي خرجوا لتوهم، الكهرباء مقطوعة، قررت الاستلقاء قليلاً ربما أنام، أغمضت عينيّ ومرت دقائق طويلة بالتفكير، فجأة سمعت صوت أحد يحاول فتح الباب، دخل وربما لأنها كانت عادته، أن يدخل ويضع المفتاح فوق الطاولة التي بقرب الباب، ناديته، جاوبني وقفزت من مكاني باتجاه الباب.

لم أستطع تمييز معالم وجهه بسبب الكهرباء المقطوعة، حاولت معانقته لكنه لم يسمح لي بذلك، أشعلت شمعة واقتربت منه، كان وجهه مغطى بآثار الضرب، وكان يرتجف من البرد، حضّرت له كوب شاي وأشعلت المدفأة التي جلس يرتجف قربها، وأخذ يحدثني ويخبرني بما حدث، كيفية اعتقاله، الضرب الذي تعرّض له، المكان الذي وضع فيه، الأوبئة والأمراض في قبو الفرع، الشبان الذين رآهم هناك، الأشخاص الذين عرفهم وعرفوه، التحقيقات، كل شيء لم يكن غريباً عليه، هو صاحب التجربة السابقة في سجون النظام.

بدأت حالته الصحية تتدهور شيئاً فشيئاً، التهابات في الصدر، ارتجاج دماغي خفيف، ضعف في الجسم، عدم الرغبة في الخروج، واستمر ذلك لمدة شهر ونصف تقريباً، حتى قام أحد أصدقائه في بداية شهر شباط بإسعافه إلى المستشفى.

لم أكن حينها في المنزل، كنت أعمل في بار ليلي في المدينة، وكعادته كان ينتظرني حتى أعود من العمل، مجهزاً وجبة صغيرة وأغراض النوم لي، عندما عدت في الساعة الثانية صباحاً ذلك اليوم، لم أجده بانتظاري، أيقظت أختي وسألتها، فقالت بأنّه في المستشفى منذ الساعة التاسعة، وأن تحاليله الأولية تقول بأنّ لديه قصوراً كلوياً ناجماً عن نزيف في الكلية منذ فترة، ويجب أن يبقى تحت المراقبة، لم أكن أعي تماماً حجم المشكلة، لكنني عرفت فيما بعد أن الوضع ليس جيداً، وأنّ القصور هو فشل كلوي نجم عن النزيف بعد الضرب المتعمّد الذي تعرض له على خاصرتيه.

بدأ بعدها رحلة علاجه الطويلة التي دامت ما يقارب خمسة أشهر، دون وفاء الهيئة له بوعودها بمتابعة عمله من سوريا، دون نجاحه بالحصول على رد من السفارة الفرنسية، دون استيعابه لشكل سوريا الجديدة التي غاب عنها سنتين، دون رفاق، دون أصدقاء، دون أهل، دون شبان حتى في القرية، موت متعاقب ورحيل متعاقب فقط .

توقف قلبه في المستشفى بتاريخ 22/ 6 /2015، بعد دخوله في غيبوبة لمدة أسبوع، لم تفده محاولات الإنعاش، لم تكن محاولة واحدة، قال أحد الأطباء، بأن قلبه يصارع من أجل الحياة لكن وضع جسده لا يساعده أبداً. كنت أنتظر يومها ابن عمي لنذهب سوية إلى بنك الدم لنتبرع له بسبب تطابق زمرنا مع زمرته. الثامنة و النصف صباحاً، اتصلت به وقال بأنه في المستشفى ويجب أن ألاقيه هناك، أغلقت الخط وعادوت الاتصال بوالدتي التي كانت هناك باكراً من أجل وجبة الإفطار، لكنها لم ترد، ثم اتصلت بأختي التي كانت قربه طوال الليل، لكنها لم ترد، عندما وصلت إلى المستشفى كانوا يبعدون عنه الأجهزة، كان قد فارق الحياة.

لوحة بعنوان “غرفة بملايين الجدران” للفنان صافي. المصدر: خاص حكاية ما انحكت
لوحة بعنوان “غرفة بملايين الجدران” للفنان صافي. المصدر: خاص حكاية ما انحكت

جنازة بلا مشيّعين

لم يحضر الدفن أناس كثيرون، حتى الذين حضروا، وقفوا بعيداً خائفين، متوقعين حضور أمني في أي لحظة ، ومترقبين لشيء ما قد يحدث.

في اليوم التالي انتشرت الأخبار في الإعلام تحت هذا العنوان “مقتل معارض علوي تحت التعذيب في سجون النظام” أو “وعود علي حيدر تقتل معارضاً تحت التعذيب”. كان الناس في التعزية يتهامسون و يتبادلون النظرات الغريبة دون أن نعرف نحن ما الذي يحدث، لكن اتصالاً هاتفياً ورد لأختي من محقق في الأمن العسكري يومها، لسؤالها ما إذا كان والدي معتقلاً عندهم قبل ذلك، لكنها أجابته: لا، لم يكن معتقلاً.

كان يريد فقط التأكد من صلتنا بالأخبار التي تنتشر، وبالقصة التي نتداولها نحن كأفراد عائلته في التعزية، رغم أننا كنا نعرف سوية، أنّه خرج من فرع الأمن العسكري في اللاذقية بعد اعتقاله بثمانية أيام.

 حاول “علي حيدر” التواصل معنا للظهور إعلاميا على إحدى المحطات التابعة للنظام والطعن بالأقاويل التي تتهمه بالشراكة في قتل والدي، لكننا رفضنا أيضاً، رفضنا الظهور على أية محطة سواء تابعة للنظام أو لغيره، بعدها قام كل طرف منهم بإصدار البيانات التي تخصه عن هذه الحادثة دون عودة إلينا، في اليوم الثالث كانت صالة العزاء فارغة تقريباً، لم يأت أحد.

الرحيل

كان موت والدي محركاً أساسياً لرغبتنا في ترك سوريا نهائياً دون عودة، هذا البلد الذي لم يعطنا خلال خمس سنوات من الثورة والحرب سوى الفجائع والأوجاع، بدأت في محاولة لجمع المبلغ الذي سيساعدني لعبور البحر أو ربما للحصول على فيزا إلى روسيا، ومن ثم اتباع طريق التهريب المعتاد من هناك إلى النرويج، إلى أن أعيد بعدها تداول قصة اعتقال والدي وتعذيبه مجدداً.

وردنا اتصال هاتفي من شخصية لم نكن نعرفها في ذلك الوقت، وطلب منا بعض الأوراق الثبوتية التي تخصنا من أجل فيزا إلى فرنسا، وعبّر عن رغبته في مساعدتنا من أجل ذكرى والدي، بعد 4 أشهر تقريباً من ذلك الاتصال، أرسلت السفارة الفرنسية في بيروت تطلبنا إلى المقابلة بعد 4 أيام.

كانت الأيام الأخيرة في سوريا غريبة جداً، فرغم هذه الحرب الذي تخوضها على جميع الأصعدة، رغم كل الأوضاع السيئة، رغم كل شيء حصل وسيحصل، ورغم أنك عضضت على أسنانك من أجل الرحيل، تشعر لبرهة بأنك لا تريد أن تغادر، تريد أن تبقى فقط، لكن الخيار لم يكن متاحاً.

ودعت القرية، تلك التي لم أزرها كثيراً إلا لزيارة قبر والدي، بكينا وأخبرناه بأننا سنرحل، وربما لن نعود مجدداً، القليل من الأصدقاء حضروا في يوم 31 / 11/ 2015  لوداعنا في منزلنا قبل أن تصل سيارة الأجرة. كانت تمطر كثيراً، لأول مرة منذ الشتاء الماضي، وضعنا أغراضنا في السيارة، ودعنا أمي وتركنا وجهها الغارق بالدموع خلفنا.

كان الاتفاق مع سائق التكسي على محاولة تدارك التفتيش على الحواجز الأمنية أو بالأحرى التفييش كما نطلق عليه نحن. ومن اللاذقية حتى معبر العريضة، استطعت أن أعدّ عشرين حاجزاً، رغم أنّ المسافة لم تكن بالطويلة، وكان الوضع يسير ببعض النقود أو علب الدخان التي يقدمها سائق التكسي لمن يعرفهم على الحواجز بحكم عمله.

دخلنا لبنان، وتركنا كل شيء وراءنا، كلّ الذكريات، أو ربما تصوّرنا بأنّنا تركناها، تركنا أمي وقبر والدي الذي أتعبه القهر على سوريا، الذي خذله أصدقاؤه ورفاق دربه قبل النظام، تركنا حلماً كاد أن يتحقق في يوم ما، حلماً بالحرية والخلاص.

 

حلا رجب

حلا رجب كاتبة سورية ، مواليد 1992، درست الحقوق في جامعة تشرين، مقيمة في فرنسا، السنة الأولى في مدرسة السينما في ليون ” قسم السيناريو

حقوق النشر:  موقع “سوريا آنتولد" 2016 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.