المفارقة الأخرى التي يتناولها الكتاب تتعلق بالصدام بين حسين والدولة الفرنسية

نضال من أجل السيادة في مصر
النهضوي الأخير: طه حسين في مواجهة الفرنسيين

المفارقة الأهم التي يتناولها كتاب "النهضوي الأخير: طه حسين وبناء المؤسسة في مصر" تتعلق بتسليط الضوء على الصدام بين رائد الحداثة طه حسين والدولة الفرنسية والكشف عن جذور السياسات الناصرية، من أول مجانية التعليم إلى الدبلوماسية الثقافية لمناهضة الاستعمار.

ما نفع كتابة بيوغرافيا جديدة لصاحب "الأيام"، السيرة الذاتية الأشهر بالعربية؟ الأهم أن نسأل: كيف يمكننا القيام بتلك المهمة؟ يقرّ حسام أحمد، وهو أستاذ مساعد في التاريخ بجامعة ماينوث في إيرلندا، في مقدمة كتابه "النهضوي الأخير"(2021) باللهجة الاعتذارية التي يقدم بها المؤرخون أعمالهم من سِيَر ذاتية، وكأن البيوغرافيا نوع خاص من التاريخ، أقل قيمة. فكَون السيرة محكومة بتاريخيّ الميلاد والوفاة، تحرم كتّابها من القدرة على التحقيب التاريخي الأوسع.

وبتركيزها على الفردي، فأحياناً كثيرة إما تهمل السياق أو تقع في فخ التمثيل المضلل، وكأن صاحب السيرة ممثل لحقبة ما أو مؤسسة أو جيل بأكمله. يتغلب الكتاب على تلك النقائص بتقديم بيوغرافيا اجتماعية، تركّز على التفاعل بين الشخصي والسياق، وتستوعب المؤسسي والبنيوي من دون أن تسقط في فخ تحليلات السرديات الكبرى التي تهمل الفرد.

بالإضافة إلى النقص في السير الذاتية للشخصيات العربية عموماً، فإن "النهضوي الأخير" يقدم أسباباً عديدة تبرر إعادة تأريخ سيرة طه حسين.  ببساطة، وفي الصفحات الأولى، يخبرنا الكاتب بأن الرجل الذي نظن أننا نعرفه جيداً، سيتضح أننا ربما لا نعرفه على الإطلاق. فلطالما سقطت سيرة حسين، بين قُطبي عدد من الثنائيات الحادة. فإما هو العملاق الثقافي حامل مشعل التنوير، أو هو كاتب "في الشعر الجاهلي" الخائن لدينه ومجتمعه.

يضعنا الكتاب أمام ما يُطلق عليه "سلسلة النقد" تلك التي بدأت مع جيل من الكتّاب الشباب اليساريين الذين رأوا في حسين مثقفاً برجوازياً وليبرالياً (بالمعنى السلبي للكلمة)، وصولاً إلى التحليلات المابعد استعمارية الأحدث والتي لام أصحابها طه حسين على الاستسلام بسهولة للغواية الغربية. إلا أنه لا يمكن لَوم نقاد حسين وحدهم، فالتناقضات تملأ كتابات حسين من ناحية، وتظهر أيضاً في المسافة الشاسعة بين أفكاره عن الثقافة وبين ممارساته الثقافية من ناحية أخرى.

لا يطرح "النهضوي الأخير" تاريخاً للأفكار، مثل معظم الأعمال التي تتناول التاريخ الثقافي العربي، بل تاريخاً للممارسات الثقافية، مقدماً طه حسين رجل الدولة، البيروقراطي والسياسي وعضو مجمع اللغة العربية، رائد التعليم المجاني، وعميد جامعة الإسكندرية وباني المؤسسات الأكاديمية والثقافية ومؤسس عدد من المجالس العليا.

ولذا، يعتمد الكتاب في عمله الأرشيفي على مَحاضر الجلسات الإدارية ومضابط مجلس الوزراء والاجتماعات الرسمية والجامعية وكشوف الرواتب والميزانيات في عشرات من الجهات الحكومية والإدارات، بالإضافة إلى أوراق حسين الشخصية.

"النهضوي الأخير: طه حسين وبناء المؤسسة في مصر" صادر بالإنكليزية من جامعة ستانفورد (2021). Photo: Stanford University
يقول الباحث حسام أحمد في مقدمة كتابه "النهضوي الأخير: طه حسين وبناء المؤسسة في مصر" الصادر بالإنكليزية من جامعة ستانفورد (2021): "حاولتُ أن أفهم طه حسين وجيله من خلال السياق التاريخي الذي عاشوه وأنتجوا فيه، وليس من خلال ما جاء بعد ذلك. فمع العهد الناصري والحرب ضد الاستعمار واستحالة استمرار مشروع طه حسين المنفتح على القديم والحديث بأسلوب نقدي، تم تصنيف هؤلاء المفكرين كإسلاميين أو كتنويريين، كعلمانيين أو كتقليديين إلى آخره، وطه حسين من أهم أسيري هذه التصنيفات التي تحجب التداخل والتعقيد بل والتناقض أحياناً في فكره، كما تحول هذه التصنيفات بيننا وبين فهم سياق طه حسين التاريخي ورغبته المحمومة في توظيف المعرفة لمقاومة الاحتلال وبناء حياة ديمقراطية سليمة توفر للمصريات والمصريين حياة كريمة".

طه حسين اعتبر أن "السياسة هي السبيل الوحيد لبناء مؤسسات إنتاج الثقافة والمعرفة، لإنجاز مشروع الاستقلال الوطني"

المفارقة التي يتم اكتشافها، هي أن طه حسين الذي واظب على الدفاع عن فصل كامل بين السياسة والثقافة، بإيمان رومانسي بأن الثقافة أنقى وأبقى، كان، على مستوى الممارسة، مؤمناً بأن الدولة هي قوة الحداثة الأهم، وأن السياسة هي السبيل الوحيد لبناء مؤسسات إنتاج الثقافة والمعرفة، لإنجاز مشروع الاستقلال الوطني، بوضع مصر على مستوى الندية مع أوروبا. فإدراكه البراغماتي لفارق القوة الهائل، بين البلد المستعمِر ومستعمَريه، دفع حسين، كواحد من أواخر النهضويين، للتعويل بشكل طوباوي على الثقافة من أجل فرض بعض التوازن على علاقات القوة مع الغرب.

في العام 1950، أشرف طه حسين، وزير المعارف حينها، على إصدار وتنفيذ القرار التاريخي بمجانية التعليم الثانوي، فهو كان مؤمناً بأن النضال من أجل التعليم والنضال من أجل الديموقراطية، متطابقان. تلك الثورة التعليمية، التي تمت بشكل تدريجي في المرحلة البرلمانية بين 1922 و1952، لم تُدرس بالشكل الكافي بحسب الكتاب، وأبخست المرحلة بأكملها بوصفها فشلاً كاملاً، وذلك لأن مؤرّخي تلك المرحلة هم خصومها.

المفارقة الأخرى التي يتناولها الكتاب تتعلق بالصِّدام بين حسين والدولة الفرنسية. فالرجل الذي ثابر خصومه على اتهامه بالتغريب والانسحاق أمام الثقافة الفرنسية تحديداً، تكشف سيرته السياسية عن سردية مغايرة تماماً. بل يذهب "النهضوي الأخير" إلى ما هو أبعد من هذا، مدللاً على أن السياسات الدبلوماسية الثقافية للعهد الناصري، والمعنية بتوسيع التأثير المصري وراء الحدود لصالح أجندة مناهضة للاستعمار، ليست سوى امتداد لتوجه حكومي مصري تطور في عقدي الثلاثينات والأربعينات، وساهم فيه طه حسين بدور رئيس.

ففي العام 1950 سيفتتح طه حسين، معهد الدراسات الإسلامية في مدريد، بالتوازي مع توفير الدعم الحكومي لتأسيس كرسي للغة والأدب العربيين، باسم محمد علي في جامعة نيس الفرنسية، وكرسي آخر في جامعة أثينا، مع السعي إلى تأسيس معهد للدراسات العربية في اسطنبول، وإيفاد أساتذة جامعيين إلى جامعة الزيتونة التونسية. في العام نفسه، طرح حسين مشروعه الطموح لتوسيع حدود التأثير الثقافي المصري، وتمديده إلى المغرب العربي، بدلاً من اقتصاره بشكل تقليدي على المشرق. وعلى مدى عامين، سعى حسين إلى تأسيس معاهد ثقافية وتعليمية مصرية في مدن طنجة والرباط والجزائر وتونس.

لكن المشروع الذي بدا تهديداً "عروبياً" مباشر للإدارة الاستعمارية في شمال أفريقيا، سيقابله الفرنسيون بالكثير من التوجس والمماطلة. وفي نهاية العام 1951، سيكون الصِّدام بين الطرفين قد وصل إلى حد قيام حسين بدفع الحكومة المصرية لتعليق تصاريح فرق البحث الأركيولوجية الفرنسية في مصر، وطرد مديريها من مقرات إقامتهم، ورفض معظم تصاريح دخول حاملي الجنسية الفرنسية لأغراض ثقافية وتعليمية، بل والتهديد بإغلاق كافة المدارس الفرنسية في البلاد.

تنتهي تلك المواجهة مع حريق القاهرة في العام 1952، وسقوط الحكومة التي كان حسين وزيراً فيها. ويغطي الكتاب في فصله الأخير، المرحلة اللاحقة، بالتركيز على موقف حسين من نظام يوليو، وعلاقته المضطربة به.

وبذلك يفي "النهضوي الأخير" بوعوده، بتجاوز تقديم سيرة طه حسين رجل الدولة، ليقدم أيضاً، ومن خلالها، سرداً لجانب من تاريخ الحقبة البرلمانية وتطوير مؤسساتها، والكشف فيها عن جذور السياسيات الناصرية، من أول مجانية التعليم إلى الدبلوماسية الثقافية لمناهضة الاستعمار.

 

شادي بطرس

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

(*) " النهضوي الأخير: طه حسين وبناء المؤسسة في مصر" صادر بالإنكليزية من جامعة ستانفورد (2021)

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

طه حسين على مأدبة الشرق والغرب العظيمة

"القرآن كتاب هداية و ليس وثيقة تاريخية نتعامل معها بمنطق الأركيولوجيا"

الإصلاح الديني في الإسلام: الإسلام لا يحتاج مصلحاً دينياً مثل مارتن لوثر!

كيف كان وينبغي أن يكون "تجديد" الإسلام؟

من تحفيز الإصلاح إلى تقوية خصومه...الغرب والإصلاح الديني في الإسلام

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة