"تحتكر حركات الإسلام السياسي مفهوم الدين الذي تحصره بالإسلام الأول أو المبكر"

ويدفعنا ذلك إلى طرح أسئلةٍ بشأن ممكنات العيش المشترك في مجتمعاتنا، وما يفرضه من تحدياتٍ كبيرة على الفكر الإسلامي السائد، وعلى سائر الحركات السياسية الإسلامية، إذ تصطدم قيم التعايش بين مواطني المجتمعات العربية بمعيقات فكرية وسياسية واجتماعية وحقوقية، لعل أهمها القطيعة السياسية والمعرفية المزدوجة التي تتجسّد، في شقها الأول، ما بين أفكار الإسلام الحركي السياسي وأطروحاته، وبين منظومة وقيم الاجتماع السياسي المعاصر والبنى السياسية والمؤسساتية والحقوقية للدولة والمجتمع. ويمتد الأمر إلى شق القطيعة الثاني الكائن ما بين الفكر السياسي لحركات الإسلام السياسي، وخصوصا العنفية منها أو بالأحرى العدمية، وقيم العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة ومنظومتها، وما ينشأ عن ذلك من تناقضاتٍ ومماحكاتٍ تفضي إلى فكر ميتافيزيقي، غيبي واستئثاري، ينهض على الإلغاء والإقصاء، حيث تحتكر حركات الإسلام السياسي، عموماً، مفهوم الدين الذي تحصره بالإسلام الأول أو المبكر، إسلام الرسول والصحابة، وتحتكر كذلك مفهوم الأمة، وتحصره بالمسلمين، السنّة أو في الشيعة، وتجعله شاملاً لكل السنة أو كل الشيعة، مع العلم أن واقع الحال يكشف أن السنّة ليسوا كلاً موحداً ولا الشيعة كذلك.

كما أن المسلمين ليسوا كلاً واحداً، بل نتاج شروطهم وظروفهم وتكوينهم المجتمعي، ولا ينتمون بأي شكل إلى السنية السياسية أو الشيعية السياسية، وغالبيتهم ليسوا إسلاميين بالمعنيين، السياسي والديني. يضاف إلى أن الإسلاميين يقفزون دوماً على مفهوم الوطن والمواطنة والدولة، من خلال تبنيهم مفهوم بلاد الإسلام، والأمة الإسلامية الواحدة، إذ لا يقرّ الإسلامي السوري مثلاً بسورية وطناً نهائياً له، ويشعر بالقرب والتحبب نحو أي إسلامي آخر في تركيا أو ماليزيا أو الشيشان أو سواها، ويعتبره أخاه في الدين والأمة، بينما ينفر من السوري الآخر غير الإسلامي، ولا يعتبره مواطناً أو أخاً له في الوطن نفسه أو الدولة نفسها. ومن هنا، ينشأ مفهوم الإقصاء والاجتثاث الذي يشكل الخلفية لمفهوم القتل والإبادة لغير المسلمين بالنسبة لحركات الإسلام السياسي العنفية، ويؤسس كذلك للتمييز بين المسلمين وسواهم الذين تتناثر تسمياتهم ما بين أهل الكتاب والذميين وبين الأكثرية المذهبية الدينية والأقلية، وما ينتج عنها من إرهاصاتٍ وتحدياتٍ تهدّد ممكنات العيش المشترك في الدولة والوطن. وبالتالي، من الطبيعي على من يحمل أطروحات وقيما كهذه أن لا يصدر عنه خطاب وطني ديمقراطي شامل لكل السوريين، الأمر الذي أثر بدوره على كل تشكيلات المعارضة السياسية، بالنظر إلى هيمنة المنخرطين في حركات الإسلام السياسي عليها.

 

 

وأظهرت التجربة السورية، خلال سنوات الثورة وامتدادات الحروب الإقليمية والدولية فيها، أن الإسلاميين ركبوا موجة الثورات، وركب معهم عديدون من شخصيات المعارضة من مختلف الانتماءات اليسارية والقومية، ولم يشاركوا بفعالية فيها، لكنهم انخرطوا فيها كي يتصدّروا المشهد السياسي المعارض، فساهموا في سلبها من أصحابها، وحرفوها عن مسارها الوطني العام. حدث ذلك أيضاً مع الإسلاميين في مصر الذين ظنوا أن كل من عارض نظام حسني مبارك مريد لهم، فاحتكروا السلطة حين وصلوا إليها، وأقصوا سائر القوى الوطنية التي شاركت في الثورة المصرية.

يصلح التفسير الذي ذهب إليه غليون لمرحلة ما قبل الثورات العربية، ولا يصمد في مرحلتها وما بعدها، ذلك أن ظهور الحركات الإسلامية المتشدّدة الجديدة جاء بعد انطلاق الثورات، ونتيجة إجهاضها وتعثرها، بفعل جملة من العوامل الذاتية الداخلية، وعوامل خارجية.

ولم يناقش غليون الأسباب والعوامل الداخلية الذاتية المرتبطة بظروف الثورة وبالتشكيلات السياسية التي وضعت نفسها في موقع تمثيل الثورة والدفاع عنها، ذلك أن التحول الديمقراطي، كما يكتب عزمي بشارة في كتابه المذكور آنفاً، لا يمكن أن يرى النور "من دون مشروع سياسي وطني، وأجندة ديمقراطية وطنية، ومن دون ديمقراطيين ينتظمون لطرح مشروعهم الديمقراطي وتصورهم لمستقبل كل بلد". لذا حذر من الاعتماد على تحوّل ديمقراطي من دون ديمقراطيين، ومن دون عمل ديمقراطي، ومن دون حاجةٍ لأن ينظم الديمقراطيون أنفسهم، ذلك أن امتحان القوى الديمقراطية هو في تنظيم نفسها، وطرح برنامج ديمقراطي لإدارة البلد الذي يعيشون فيه، من دون التخلي عن الأجندات الوطنية".

وبالفعل، كان ذلك هو التحدي الأكبر للمعارضة السورية في مختلف تشكيلاتها السياسية، وكان غليون فاعلاً فيها، إذ إنها أثبتت عجزها عن طرح بديل ديمقرطي، والأهم أنها لم تكُن ديمقراطية بالمعنى المعروف للكلمة، إذ بينت تجاربها عدم تمكّنها من طرح مشروع ديمقراطي بديل وجامع لكل السوريين، بل أصابت معظم أفرادها أمراض الاستبداد نفسها، المتمثلة في الممارسات الفردية في اتخاذ القرار، وعدم الاستناد إلى العمل الجماعي، فضلاً عن الفساد الذي لعبه المال السياسي في أوساطها.

وعندما تشكلت الهيئات والتشكيلات السياسية السورية للمعارضة، كانت القوى والحركات الإسلامية سباقةً في الانخراط بقوة فيها، بدءاً من المجلس الوطني السوري الذي هيمنت عليه، وصولاً إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وانتهاء بالهيئة العليا للتفاوض. وفي كل هذه الكيانات، كان الإسلاميون يمارسون مختلف أنواع الهيمنة والاستحواذ، وكانت جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب رصيفاتها الأخريات، تسعى إلى الهيمنة على مختلف الفصائل العسكرية، مستفيدة من مصادر دعم مالية عديدة إقليمية ودولية.

 

 

وراح إسلاميون كثيرون يرددون أن الثورة السورية هي امتداد لثورة ثمانينيات القرن المنصرم التي قام بها الإخوان المسلمون، على الرغم من أنها لم ترتق إلى مصاف الثورة بالمعنى الحقيقي للثورة، وذهب الأمر بهم إلى حدّ إطلاق اسم غزوة "إبراهيم اليوسف" على ما سميت معركة فك الحصار عن حلب، وسبق لهم أن أطلقوا اسم مروان حديد وسواه على "غزواتٍ" أخرى.

ولا يختلف الإخوان المسلمون عن حركات السلفية الجهادية، من جهة اعتبار أن الوصول إلى الحكم هو الطريق الوحيد لإشادة الدولة الإسلامية، على الرغم من التطور الظاهري في رؤيتهم لكيفية الوصول إلى السلطة، من العنف العاري إلى ممارسة السياسة، لكن معظم حركات الإسلام السياسي ترفض الديمقراطية بالمعنى الحديث، ولا تقبل بقواعد اللعبة السياسية وفق صيغها المتجسدة عالمياً.

ودفعت المتغيرات التي طاولت مسار الثورة السورية إلى الواجهة، جملة إشكاليات أثارها تحكّم تنظيمي "دولة العراق وبلاد الشام" و"جبهة النصرة" وسواهما من الفصائل الإسلامية المتشدّدة بإدارة بعض المناطق، وسعي قادتهما إلى إقامة خلافات ودويلات وإمارات "إسلامية" في المناطق التي كانت تحت سيطرتهم العسكرية. وقوبلت بالرفض من غالبية السوريين، وخصوصا سكان تلك المناطق الذين رفضوا مثل هذه الخطوات، البعيدة عن طموحات ومطالب الشعب السوري، الذي خرج في ثورة شعبية على الاستبداد وطلباً للحرية. لذلك من الطبيعي أن ترفض غالبية السوريين كل ما كانت تقوم به تلك الفصائل التي استغلت فراغ القوة الحاصل بعد انحسار سلطة النظام الأسدي المجرم، كي تحتل الفضاء العام، وتصادر الحرية التي خرج من أجلها الثوار السوريون، وتحولت إلى سلطة استبداد جديدة، حاولت احتلال الحيّز العام الذي كانت تحتله سلطة الاستبداد الأسدي، وراحت تقوم بأفعالٍ وممارساتٍ لا تليق بثورة السوريين، حتى باتت تعيث فساداً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وذلك بدلاً من أن تنخرط في حركة المقاومة الشعبية، وتكون عوناً لها. وعليه، يتحمل هؤلاء قسطاً كبيراً من المسؤولية في حرف الثورة السورية وإفشالها وتحويلها إلى صراع مسلح. ومن نافل القول إغفال الحديث عن دور نظام الأسد الأجرامي في كل ما لحق بالسوريين وبسورية، ودور الدول الإقليمية والدولية، شريطة أن لا يجعلنا ذلك نشيح النظر عن كل ما قامت به قوى الداخل أيضاً، وأن ننظر إلى الصورة من مختلف جوانبها.

 

عمر كوش

حقوق النشر: عمر كوش 2018

موقع قنطرة ينشر المقال بالاتفاق مع الكاتب.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.