نقش عربي على كاتدرائية كويمبرا
عظَمة باقية...تأثر البرتغال بالحضارة العربية الإسلامية

رسالة عربية منقوشة منذ 800 عام على أحجار واجهة كنيسة بمدينة كويمبرا البرتغالية، شاهدة على تأثر المدينة بالثقافة والحضارة العربية والإسلامية تحكي قصة تعايش. الصحفية مارتا فيدال تستكشف الكاتدرائية وتبحث لموقع قنطرة في كيفية بقاء نقش عربي منذ القرن الـ 12 الميلادي على جدران دار عبادة كاثوليكي روماني.

تتوهجُ حجارة كاتدرائية كويمبرا التي تعود إلى القرن الثاني عشر تحت آخر أشعة شمسية في أمسية صيفية دافئة، وطيور السنونو محلِّقة حول المبنى البسيط بينما السائحون مصطفُّون لزيارة النصب التذكاري المبني وفقاً للعمارة الرومانسكية في ثالث أكبر مدينة في البرتغال.

بوابة الكاتدرائية مكونة من ثلاثة طوابق (في الواجهة الشمالية) وتجتذب العديد من الزوار، لكن إلى جانبها يوجد شيء أكثر تميزاً بيد أنه أقل وضوحاً، وهو كتابة عربية منقوشة على جدار واحد من أقدم المباني الكاثوليكية الرومانية في البرتغال وأكثرها أهمية.

عرضها أقل من متر، وهي في مكان مرتفع للغاية بحيث لا يُلاحظها أحد ولا يستطيع معظم الذين يمرون بقربها قراءةَ الأحرف العربية التي نُقِشت في الحجرِ وبهتت على مدار ثمانية قرون.

نقش عربي ترجمه اللغوي والمستعرب ألويس ريتشارد نيكْل -الذي زار الكاتدرائية القديمة في صيف عام 1940 النقش- كالتالي: "كتبت وقد ابقيته لشكايتي ستفنا يدي يوما ويبقا كبر"، بمعنى: "كتبتُ (هذا) كسِجِلٍّ دائم لمعاناتي. يوماً ما ستفنى يدي، ولكن العَظَمة باقية".

 

المصدر: "الكتابات العربية في البرتغال"  - النقش العربي على الجدار الحجري للكاتدرائية القديمة في كويمبرا الذي لاحظه ألويس ريتشارد نيكْل في صيف عام 1940.  (souece: The Smithsonian Institution)
النقش العربي على الجدار الحجري للكاتدرائية القديمة في كويمبرا الذي لاحظه ألويس ريتشارد نيكْل في صيف عام 1940. المصدر: "الكتابات العربية في البرتغال" لمؤلفه ألويس ريتشارد نيكل، المجلد 11/12 (1946)، الصفحة 167-183، الصادر عن مؤسسة سميشونيان.

 

اقترح آخرون قبله قراءات مختلفة للكتابة العربية، التي يُعتقدُ أنها نُقِشت في وقت قريب من بناء الكاتدرائية، لكن ترجمة نيكْل للنقش تبقى الأكثر تداولاً بين القراءات المختلفة.

وقد اكتمل بناء الكاتدرائية، التي موّلها ملك البرتغال الأول أفونسو هنريكيس، في أواخر القرن الثاني عشر، حين كانت القوات البرتغالية لا تزال تقاتل الحكام المسلمين الذين عُرفوا باسم المور. وقد سيطر الموريون، بين القرنين الثامن والثالث عشر، على مساحات واسعة مما يشكّل البرتغال اليوم حين كانت المنطقة جزءاً من الأندلس.

كان الحكم الإسلامي في كويمبرا (قلمرية) متقطعاً حتى عام 1064، حين احتّلت جيوش ملك ليون المسيحي المنطقة. أُلحِقت المدينة لاحقاً بولايةِ البرتغال، واعتُرِف بها بوصفها أول عاصمة لمملكة البرتغال في عام 1179 من قبل الكنيسة الكاثوليكية.

يحاول جويل سابينو -وهو مؤرخ يعمل في الكاتدرائية إضافة إلى كونه مرشداً سياحياً فيها- جاهداً أن يشرح للزوار كيف بقي النقش على الجدران لما يزيد عن 800 عام، وقد لعبت الحملات التي قامت بها الدول المسيحية، والتي عُرِفت باسم "الاسترداد" -لانتزاع الأراضي من المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية- دوراً مركزياً في بناء الهويات الوطنية في البرتغال وإسبانيا.

بناء الهوية البرتغالية

 

البرتغال - النقش العربي على الجدار الحجري للكاتدرائية القديمة في كويمبرا الذي لاحظه ألويس ريتشارد نيكْل في صيف عام 1940. (photo: Marta Vidal)
النقش العربي على جدار كاتدرائية كويمبرا القديمة. ترجم اللغوي والمستعرب ألويس ريتشارد نيكل النص كالتالي: "كتبت وقد ابقيته لشكايتي ستفنا يدي يوما ويبقا كبر"، بمعنى: "كتبتُ (هذا) كسِجِلٍّ دائم لمعاناتي. يوماً ما ستفنى يدي، ولكن العَظَمة باقية". وليس معروفاً من نقش الكتابة أو متى.

 

بعد سيطرة الملوك الكاثوليك على المعقل الأخير للمسلمين في غرناطة في عام 1492، طُرِد المسلمون واليهود، وحُوِّلت إسبانيا والبرتغال إلى مملكتين مسيحيتين حصراً. دُمِّرت المساجد والكُنُس اليهودية أو حُوِّلت إلى كنائس، كما حُرِقت الكتب العربية والعبرية في محاولات لمحو التنوع الثقافي والديني للمنطقةِ.

وقد بُنِيت الهوية البرتغالية بناءً على التضاد مع الموريين المسلمين، الذين صُوِّروا تاريخياً بوصفهم أعداء. وعلى الرغم من أنّ كتب التاريخ تؤكّدُ على المعارك التي جرت بين المسيحيين والمسلمين، يقول سابينو أنّ العلاقات لم تكن دائماً سيئة جداً. يقول: "عاش هنا في كويمبرا ناس مختلفون، وحقيقة أنّ النقش العربي نجا لمدة قرون طويلة على جدران الكنيسة يعكس هذا التنوّع. إنها رسالة تسامح، وتنوع، تخبرنا أنّ المدينة تأثّرت بالثقافة والحضارة العربية والإسلامية. تحكي لنا قصة تعايش". ويضيف سابينو أنّ التأثيرات العربية والإسلامية واضحة في سيراميك الكاتدرائية، والأعمدة المزخرفة بدقة والسقف الخشبي الهندسي، الذي يُعرض الآن في متحف ماتشادو دي كاسترو الوطني القريب.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة