فكيف تبدو اليوم على سبيل المثال مقوّمات المجتمع الأوروبي من أجل الليبراليّة والروح الجماعيّة؟ وهل يمكن أن يوجد هنا انعكاسٌ للمصالح المشتركة؟ وما بوسع النموذج المجتمعي الليبرالي أن يقدّم في خضّم زمن الشعبويّة؟ والأهم من ذلك: لمَن؟ وكيف سيكون الحال إن ارتأت أغلبيةٌ من الناس في أوروبا أو أمريكا ألّا رغبة لها بممارسة الديمقراطيّة بعد اليوم؟

إذن فإنّ كل تلك التساؤلات تتطلّب حلولًا عاجلةً تتخطّى حدود المألوف والمعتاد.

الفلسفة كممارسة تضامنٍ نابعٍ من روح العقلانيّة

ولكن ولحدّ اللحظة فإنّ الانفتاح المنطقي على الآخر فيما يخصّ المفاهيم الفلسفية لا يسير سوى في اتجاهٍ أحاديٍّ لا غير. إذ أنّ المقصود بتلك الأسئلة هو تبيان أنّ الفلسفة كأحد صور التضامن المُعاش والنابع من روح العقلانيّة.

وهكذا وجب تصوير لبّ كتابات نصّار، والتي يتصدّى فيها هذا الأخير لكلّ شكل من أشكال إسقاط النسبويّة على الديمقراطيّة (والتهوين من شأنها)، وهو ما يشهد تصاعدًا مطردًّا في القرن الحادي والعشرين.  

ويصدر كتاب فراي للأسواق في فترةٍ يشهد فيه لبنان معركةً من أجل توزيعٍ عادلٍ للسلطة، ويجابه فيها نظام التمثيل الطائفي (المحاصصة الطائفية) تشكيكًا مبدئيّا. فكثير من المواطنين يرمون في هذه الأيّام بالتحديد إلى أن ينزعوا عنهم ديمقراطية المحاصصة السخيفة تلك، وهي التي فُرضت على العراقيين بدورهم فرضًا سنة 2003.

 

 

إذن فالآن هو الوقت المناسب لكي يتعرّف القارئ الناطق بالألمانيّة على مفكّر لبناني أنتج أعمالًا ناضجةً تتناول الديمقراطيّة والليبراليّة والعدل، أعمالًا تقدَّم للمرّة الأولى بإحدى اللغات الأوروبيّة.

إضافةً إلى ذلك وجب التنويه هنا بأن لفراي الجرأة اللازمة للتنبّؤ بمستقبلٍ زاهرٍ للعالم العربي! فقد بيّنت الاحتجاجات المنظّمة في المنطقة العربيّة والمتكرّرة الحدوث بأنّه ليس من السهل إزاحة الأفكار التحرّرية والنقديّة من الوجود، وهي التي "أضحى تأثيرها يمتدّ بشكلٍ متسارعٍ ليشمل حتّى عالم الأفكار اليوميّة".

إنّ عدم تقديم مفكّرين من أمثال ناصيف نصّار (وغيره من المفكرين من خارج أوروبا) ينتج عنه في كثيرٍ من الأحيان مغالطةٌ مفادها بأنّه لا وجود لمفكرين نقديّين أو قادرين على النقد الذاتي بل ولا وجود لنقاشاتٍ عموميّةٍ حول أولئك المفكّرين في بلدانهم.

 

سونيا حجازي

ترجمة: صهيب زمال

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

كتاب الباحث ميشائيل فراي باللغة الألمانية: "ليبراليّة تراعي المصلحة العامّة. الفلسفة السياسيّة لناصيف نصّار في السياق اللبناني". إصدار دار نشر فِلبروك للعلوم سنة 2019، 404 صفحات، رقم الإيداع الدولي:

ISBN 9783958322011

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة