هل يصلح قيّس سعيّد ما أفسدته الثورات المضادة للربيع العربي؟

الزلزال التونسي وتوابعه على الدول العربية

في تونس زلزل التاريخ العربي زلزاله المكتوم في طنجرة ضغط الاستبداد الشرقي وطبائعه، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، لقرون موغلة في الجمود على الموجود. تولّد عن مركز الزلزال توابعه الثائرة في نواحي من مضارب العرب: مصر، ليبيا، اليمن، سوريا. ليصل بعد ذلك، وإن بسنوات عديدة، إلى السودان والجزائر، ويناوش مصر من جديد. تحليل الكاتب والمحلل السياسي فرج العشة لموقع قنطرة.

نجت تونس من فوضى الاحتراب الأهلي ومن الحكم العسكري، وانجزت دستورا حداثياً بروح علمانية ودورات انتخابية حرة ونزيهة، أخرها خروج التونسيين بأعداد كبيرة وسط شارع الحبيب بورقيبة بالهتافات المبتهجة والزغاريد والألعاب النارية محتفيين بفوز استاذ القانون المتواضع قيس سعيّد بنسبة كاسحة (76%) تعبيراً عن رغبة الناخبين (غالبيتهم شباب) في اختيار رئيس جمهورية من خارج الطبقة السياسية ويمثل رمزاً لمقاومة الفساد.

وعلى هذا النحو يستمر الأنموذج التونسي في تحوله الديموقراطي نحو الترسخ المتين، رغم تردي الأوضاع الاقتصادية حيث بلغت نسبة البطالة 50% بين الشباب في المدن الصغيرة والأرياف، وحيث الفساد يضرب أطنابها في المؤسسات الحكومية البيروقراطية المتهالكة، إلا أن الدولة البورقيبية العتيدة استمرت في العمل والتكيف مع التجربة الديمقراطية، بينما غرقت ليبيا وسوريا واليمن في الفوضى السياسية والتقاتل الأهلي الدموي الذي يفاقمه التدخلات الإقليمية والدولية.

 

 

كيف نجت تونس بثورتها؟

أما مصر فقد آلت إلى حكم العسكر حيث ظهر حكم الجنرال/الرئيس عبد الفتاح السيسي، في نظر غالبية المصريين ومعظمهم من مؤيديه بداية، أشد قمعا من الرئيس المخلوع حسني مبارك، في سياق ثورة مضادة برسم انقلاب عسكري مدعوم ماليا من الامارات والسعودية بدعوى محاربة الإرهاب واعتبار "الربيع العربي" مؤامرة من تنفيذ "الإخوان المسلمين" وليس باعتبارها ثورات شعوب.

والواضح، من التحليل الملموس للواقع الملموس، أن غاية قوى الثورة المضادة قطع الطريق على الدولة الديموقراطية وإعادة الشعوب المتمردة إلى حظيرة الطاعة لدولة الاستبداد، بالقول أنها شعوب غير ناضجة لحكم نفسها ديمقراطياً.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

تونس - نتائج الانتخابات البرلمانية: حزب النهضة في المركز الأول وحزب قلب تونس الثاني

 زلزال سياسي تونسي قوامه العقاب بالصندوق

تونس - فوز أستاذ القانون قيس سعيد وقطب الإعلام نبيل القروي في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة

حزب النهضة على محك انتخابات تونس البرلمانية - العالم العربي يترقب تجربة "المسلمين الديمقراطيين

 

وهذه الفرضية نجدها في ورقة بحثية كتبها الرئيس عبدالفتاح السيسي العام 2006 عندما كان عضوًا برتبة عميد في برنامج "الزمالة الدولية في كلية الحرب" بالولايات المتحدة الأمريكية أثناء تحضيره للماجستير.

ويطرح السيسي ملخص رؤيته للديمقراطية بما مفاده أن نجاح العملية الديمقراطية في الشرق الأوسط تحتاج لبيئة صالحة تشتمل على وضع اقتصادي معقول، وشعب متعلم، وفهم معتدل للدين، وإن "هذه الأمور قد تأخذ جيلا أو جيلين".

ما يقصده السيسي يعني أن الديمقراطية، حسب هذا المنطق، تُعلم للشعوب تحت وصاية حكم سلطوي أبوي، وليست استحقاقاً جمعياً من عمل شعوب ثائرة، تخوض تجربة حكم نفسها بنفسها وفق مفاهيم وآليات العملية الديمقراطية المتعارف عليها عالمياً في عصرنا.

ووفق هذا التفكري ليس على الشعوب العربية الثائرة، في القرن الواحد والعشرين، أن تعيد اختراع استحقاق الديمقراطية على منوال الثورة الفرنسية عبر مائة عام من مجازر المقصلة في قطع أعناق الملكيين والنبلاء ثم قطع أعناق الثوار بعضهم لبعض في حقبة "القطة التي أكلت أبنائها". وتلتها حقب الثورة المضادة وعودة الملكية والامبراطورية البونابرتية والأنظمة الديكتاتورية.

 

 

صحيح أن المجتمعات العربية تعاني، بدرجات متباينة، من قصور بنيوي تاريخي في مُكوَّناتها السوسيوثقافية، تعيق تكيفها العصري مع الحداثة، عكس ما حدث مع مجتمعات أوروبا الشرقية التي اندمجت، بعد سقوط جدار برلين، في العملية الديمقراطية (سياسياً وثقافياً) بسلاسة. وذلك لأنها مجتمعات من صلب تاريخ الحداثة الأوربية القائم منذ اكثر من قرنين على مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة = العلمانية.

والحال فإن "الربيع العربي  يمهل ولا يهمل" كما كتبت إنغريد تورنر، الباحثة في تاريخ الشعوب بجامعة فيينا، في موقع قنطرة، ردا على القائلين بتحول الربيع العربي إلى "شتاء عربي" وأنَّ الإسلام من الأساس عاجز عن الديمقراطية.

وها هي توابع "الربيع العربي" تتبع في السودان والجزائر اللذين يتطابقان في مشهدية حراك احتجاجي عام محمول على وعي جمعي حكيم متمسك بإصرار لا يتزعزع بنهج الاحتجاج السلمي وعدم الانجرار إلى استخدام العنف ضد قوى السلطة الأمنية.

ربيع عربي أول وثان وثالث

ومن الواضح أن وعي حراك الشارع، في السودان والجزائر، قد استخلص العبر من تجارب الربيع العربي التي وقعت أو الأحرى أوقعت في دوامة العنف والفوضى. وكذلك انتبه السودانيون والجزائريون إلى عدم الانجرار وراء خديعة القبول بمرحلة انتقالية تحت وصاية جنرالات المؤسسة العسكرية، بالنظر إلى ما ألت إليها ثورة 25 يناير المصرية في قبضة حكم العسكريتاريا.

ثم أن المؤسسة العسكرية، في السودان كما في الجزائر، أدركتا فشل خيار القمع الدموي لثورة شعب بكامله، وأنه لا يمكن استنساخ مخطط انقلاب زميلهم السيسي، لأن ثورة السودانيين وكذلك الجزائريين لا مكان فيها للإسلام السياسي حتى يُتخذ تعلة لفرز عدو يوصم بالإرهاب.

ففي السودان ثار الناس على نظام البشير الذي يمثل مشروع الإسلام السياسي. والجزائر مرت بحرب الجنرالات الساحقة الماحقة للإسلام السياسي الجهادي خلال عشرية دموية شنيعة (عُرفت بالعشرية السوداء)، مع الابقاء على احزاب وجماعات إسلامية (اخوانية معتدلة وسلفية مطواعة لولي الأمر) يعتبرها حراك الشارع الجزائر الثائر من مخلفات نظام بوتفليقة المتداعي.

 

 

وكما أن هناك تمايز جوهري في ثورتي السودان والجزائر، عن غيرهما في مضارب العرب، كونهما موصولين عضوياً بحراك الشارع الذي تجلى في حالة وعي ثوري عقلاني رشيد، نجد تمايز جوهري بيّني بين الحالة السودانية والحالة الجزائرية لجهة أن الأولى حظيت بقيادة سياسية معارضة مقبولة من حراك الشارع تمثلت في "قوى الحرية والتغيير" بينما حراك الشارع الجزائري ينبذ قوى المعارضة التقليدية، ويتمسك بشعاره الشعبي:" يَتْنَحَّاوْ قَاعْ (ليتنحوا جميعا)" المتردد خلال تظاهرات عموم الناس كل يوم جمعة وتظاهرات الطلاب كل يوم ثلاثاء، المستمرة منذ ثلاثة وثلاثين أسبوعاً.

وإذا كان الشارع السوداني قد تمكن من أجبار العسكر على الشراكة في خارطة طريق لمرحلة تحول مُحكَمة بدستور انتقالي باتجاه حكم مدنيّ ديمقراطي بدستور دائم، فإن الشارع الجزائري لا يزال يواجه مناورات ومراوغات  السلطة الخفية للجنرالات بقيادة رئيس الأركان قايد صالح (الحاكم الفعلي للبلاد) الذي يتوسل بخبث ذريعة الالتزام بالدستور تلفيق انتخابات رئاسية تأتي بمن يناسب مصالح مؤسسة الجنرالات الذين يقاومون ضرورة انسحاب الجيش من الحياة السياسية، وبالتالي سحب الشرعية عنه بحسبانه "الجيش الوطني الشعبي" الذي أتى بتحرير الجزائر واستقلالها، والتحكم السياسي في ميزانيته التي تمثل ربع ميزانية الدولة...... فهل يفعلها الجزائريون ويلتحقون بالتوانسة؟!

 

 

فرج العشّة

حقوق النشر: قنطرة 2019

فرج العشة كاتب ومحلل سياسي ليبي معروف. روايته الجديدة "سينسيوس وهيبتايا" صدرت حديثا عن دار "التنوير".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.