وفي وقت سابق، أصدرت "أنا يقظ" تقريرا يتضمن قائمة بيضاء للمؤسسات الأكثر تفاعلًا من جهتها مع طلبات النفاذ إلى المعلومة من المنظمة. وتضم هذه القائمة وزارة الشباب والرياضة، ودائرة المحاسبات، والشركة التونسية للأنشطة البترولية، وشركة فسفاط قفصة ووزارة العدل.

في المقابل، تضم "القائمة السوداء" التي تهم المؤسسات الأقل تفاعلًا مع طلبات النفاذ كُلًّا من الشركة التونسية للطرقات السيارة، ووزارة التجهيز والإسكان، وشركة الخطوط الجوية التونسية، ووزارة التربية، والوكالة الوطنية لحماية المحيط.

الاستجابة تتحسّن

في السنوات الأول التي دخل فيها قانون النفاذ إلى المعلومة حيّز التنفيذ، كثرت الشكاوى من عدم تجاوب المؤسسات العامة مع مطالب المواطنين، وصب كثيرون جام غضبهم على الهيئة المكلفة بتطبيق القانون، لكنّ التقييمات تتجه نحو الاعتراف حاليا بأن جهودا كبرى تبذل في هذا الإطار وأن الضغط على المؤسسات ودور الهيئة الملزم لها بالتجاوب مع مطالب النفاذ، يجعل الوضع في تحسّن مستمر.

ويقول عماد الدايمي وهو نائب سابق لدورتين، ومؤسّس "مرصد رقابة" الذي يكافح الفساد المستشري في القطاع العام لموقع قنطرة: "بصفتنا في مرصد رقابة الجهة الأكثر استعمالا لحق النفاذ إلى المعلومة في البلاد، يمكننا التأكيد أن تفاعل الهياكل العمومية مع مطالب النفاذ يتطور بشكل سريع نحو الأفضل، حيث تحسنت نسب الاستجابة الطوعية لطلبات النفاذ. بعد أن أصبحنا نلجأ آليًا للتظلم والطعن لدى هيئة النفاذ في صورة عدم الرد في الآجال".

يضيف الدايمي: "صحيح أن هناك جيوب ردة ومقاومة في بعض الإدارات والمنشآت العمومية ترفض التجاوب الطوعي وتنتظر قرار الهيئة أو تقدم أجوبة منقوصة أو فضفاضة. ولكنْ هناك هياكل عديدة تستجيب وتقدم كل المعطيات المطلوبة دون تردد. والتفاعل -سلبيا أكان أم إيجابيا- مرتبط بشخصية الإطار المكلف بالنفاذ والمسؤول الأول للهيكل العمومي. المؤمنون منهم بحق النفاذ وبمبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة يسهّلون النفاذ ويوفرون المعلومة، والمحافظون الخائفون من الشفافية يتكتمون على المعلومة ويسيرون عكس التيار، لذلك نؤكد على أن من يملك المعلومة اليوم يملك الميدان".

 

 

نحو ردع الفسادين

تختلف التقييمات فيما يتعلّق بدور قانون النفاذ إلى المعلومة في التصدي للفاسدين، فالبعض يراه عاملا مساعدا لتضييق الخناق على الفاسدين، والبعض يعتقد أنه ينبّه الفاسدين الى إيجاد طرائق أخرى ملتوية لإهدار المال العام والاستفادة من المناصب واستغلالها والوقوع في وضعيات تضارب المصالح التي تكلّف ميزانية الدولة خسائر ضخمة.

يقول الدايمي: "حق النفاذ إلى المعلومة ساهم في فرض مناخات من الشفافية في عموم الهياكل العمومية، وضرب سلطة وسطوة عديد المسؤولين الذين كانوا يكتسبون نفوذهم ومصدر ابتزازهم من احتكارهم للمعلومة وتكتمهم على التقارير المالية والرقابية وغيرها. ولكن استعمال حق النفاذ مازال حكرا على بعض الجمعيات والنخب. لذلك تظل المعركة بين واجب الشفافية، واحتكار المعلومات، قائمة في كل الهياكل والمؤسسات. ويظل حق النفاذ مهددا بنزعات انغلاقية لمسؤولين يرغبون في الحفاظ على سلطة المعلومة وما تخوله من منافع".

وتقول الصحافية خولة بوكريم في ذات الصدد: " المؤسسات العمومية خاضعة للمزاج العام للحكومة أو السلطة في التعتيم أو الحجب أو الشفافية، وخاضعة أيضا للموظفين العاملين، فبعضهم يتحمسون للبحث عن المعلومة ويشاركون في البحث عنها حتى إن كانت تتجاوز صلاحياتهم، يجب القول هنا إنه من الضروري العمل أكثر وأكثر حتى ينجح قانون النفاذ لأن الطلبات للنفاذ قليلة جدا".

أما الصحافي أيمن الطويهري، فله موقف مخالف، ويرى أنّ المكلفين بالنفاذ إلى المعلومة في الإدارات والمؤسسات التي يشملها القانون، "ليس لهم وضع مهني وإداري واضح، وغالبيتهم موظفون في نفس المؤسسة أضيفت لهم أعباء جديدة بحكم المهمة الجديدة، وبالتالي نرصد تقاعسا من طرفهم نظرا لغياب الحافز المادي، والغالبية ينقصهم التكوين ولا يعلمون الكثير عن القانون الجديد".

ويضيف: "وزارة الداخلية مثلا تعتبر صندوقا أسود فيما يتعلّق بتقديم المعلومة للمواطنين وللصحافيين، يتعاملون بذكاء معنا، يتجاوبون مع مطالبنا في الآجال القانونية لكنهم لا يقدمون سوى المعلومات التي يريدون هم تقديمها والكشف عنها. كذا الأمر مع وزارة الصحة".

الكرة في ملعب "هيئة النفاذ"

تقرّ تونس الحق في النفاذ إلى المعلومة وتعمل على جعل هذا الحقّ كآلية أساسية تمكّن من التوقّي من الفساد ومحاربته بما يتناغم مع جملة القواعد الدستورية المتعلقة بحسن التصرف في الإدارة العمومية على أساس مبادئ الحياد والنزاهة والشفافية والمساءلة، وبما يمكّن من تحقيق الواجب المحمول على الدولة في منع الفساد ومحاربته.

 

الصحافي أيمن الطويهري - يعمل مع موقع "انكفاضة" الاستقصائي - تونس.  Foto: Privat
"عدم تجاوب وإجابات منقوصة": يقول الصحافي أيمن الطويهري في تونس: "وزارة العدل لا تتجاوب مع مطالب النفاذ إلى المعلومة، نرسل إليهم مطالب كثيرة لكنهم يتملّصون من الإجابة، ومن ذلك أن 10 مطالب تم إرجاعها مع طلب "إمضائها" حتى يتمكنوا من الإجابة"، يقول الطويهري لموقع قنطرة، ويضيف: "أمضينا كما طلبوا لكن الإجابات كانت منقوصة وقالوا إنّ أغلب المعلومات التي نطلبها لا يتوفرون عليها، ولا تشملهم كوزارة للعدل، وأن علينا كصحافيين الذهاب إلى المحاكم والدوائر للحصول على المعلومات التي طلبناها". ويشدّد الطويهري على أن موظفي وزارة العدل "يتلاعبون بالمعطيات وبالقانون من أجل تعطيلنا".

 

مهمة مراقبة الحق في النفاذ إلى المعلومة وحمايته من كل صدّ أو تعطيل أو انحراف أو تطويع لغايات بعينها، أوكلها القانون إلى "هيئة النفاذ" من خلال إسنادها اختصاص البت في الطعون المرفوعة إليها في هذا المجال وتمكينها من القيام بالتحريات اللازمة وبإجراءات التحقيق والسماع التي تراها مناسبة.

ويقول عماد الدايمي رئيس "مرصد رقابة" مقيّمًا عمل الهيئة: "هيئة النفاذ إلى المعلومة نجحت خلال سنوات معدودة في فرض وجودها وفي افتكاك استقلاليتها. وأصدرت مئات القرارات الجريئة ضد أعلى الهياكل في البلاد، وضد الجهات النافذة مثل الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) الذي أنصفتنا تجاهه وفرضت عليه فتح صندوقه الأسود، وأنتجت فقه قضاء ثري أصبح فخرا للتونسيين".

ويستدرك الدايمي: "لكن الهيئة ما زالت لا تقوم بدورها كاملا في نشر ثقافة النفاذ إلى المعلومة لدى الهياكل العمومية والجهات المشمولة بحق النفاذ ولدى عموم المواطنين. ولا تتابع بشكل جدي تنفيذ القرارات الصادرة عنها. ولا تؤطّر ولا تحمي بشكل كافٍ الموظفين المكلفين بالنفاذ إلى المعلومة في مختلف الهياكل، الذين يتعرض بعضهم للضغط والهرسلة والترغيب والترهيب من قبل مسؤوليهم حتى لا يتفاعلوا بالشكل المناسب مع مطالب النفاذ. والأكيد أن تطوير الإمكانيات المادية والبشرية للهيئة سيمكنها من تجاوز هذه النقائص التي لا تنفي المكاسب الجليلة التي تحققت في وقت وجيز".

أما الصحافية خولة بوكريم مديرة تحرير موقع "كشف ميديا" فترى أنّ الصحافيين والمواطنين يستصعبون الإجراءات التي تقرها الهيئة بما يؤثر على ممارسة هذا الحقّ.

تقول: " الموضوع يحتاج حقا نفسا طويلا، ومن الضروري مراجعة آجال الردّ على مطالب النفاذ، أعتقد مثلا أنه يمكن تقليص أجل 20 يوما للردّ إلى 10 أيام فقط، فهذا يسهّل التمتع بحق النفاذ إلى المعلومة من جهات كثيرة وليس من طرف الصحافيين والجمعيات فقط".

وللصحافي في موقع "انكفاضة" الاستقصائي أيمن الطويهري، تقييم أكثر إيجابية حيال هيئة النفاذ إلى المعلومة. يقول لموقع قنطرة: "إنها تعمل بشكل جيد، لكنّ هنالك ضغطا كبيرا على عملها، إذ أنّ القضايا بالجملة والآجال قصيرة، ولا يمكنها البتّ في الآجال في كم هائل من القضايا والتظلم والطعون التي تصلها يوميا. يوجد نقص في التشريع ونقص في الموارد البشرية واللوجستيك، فهي تحتاج متخصصين من أجل أن يستمر العمل بشكل جيّد، وتنقصها الاستقلالية المالية".

ويختم بالقول: "إنهم يقدمون عملا جبارا لكنه غير كافٍ، ولا يمكن أن نلومهم كموظفين أو إداريين، لكن اللوم يُلقَى على الدولة ككل لأنها لا توفر لهذه الهيئة ظروف العمل كما يجب".

 

إسماعيل دبارة

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

إسماعيل دبارة صحافي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة

 

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة