هوس الكتب وحب المكتبات: 70 مكتبة في قرطبة

الببليومانيا: جنون الكتب في الأندلس

هوس الكتب: اجتهد أهل الأندلس في جمع الكتب بحبّ ورغبة شديدين وكانوا يعدون التفريط في الكتب أو بيعها رذيلة تستوجب الذم.

وُصِفَ أهل الأندلس بأنهم: "أشدّ الناس اعتناء بخزائن الكتب"، فقد بلغ حبّ الكتب عندهم كلّ مبلغ حتّى إنّهم كانوا يفضّلون اقتناء الكتب على شراء الملبس أو المأكل، فكان الفرد منهم: "يَخرُجُ بالدّرهم ليشتريَ به قُوتًا لنفسِه ولعيالِه، فربّما صادَفَ في طريقِه كتابًا بيدِ إنسان فيشتريهِ منه بذلك الدِّرهم وَيرجعُ دونَ قُوت، ويبقى هو وعِيالُه طاويًا إلى أن ييسِّرَ اللهُ في غيرِه".

وأصبح اقتناء الكتب علامة من علامات الفخر لدى الأندلسيّين، وأصبح ذلك عندهم "من آلات التعيين والرياسة حتّى أنّ الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها ليس إلاّ لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند أحد غيره، والكتاب الذي هو بخطّ فلان قد حصله وظفر به".

كان أهل الأندلس يعدّون التفريط في الكتب أو بيعها رذيلة تستوجب الذمّ  

واجتهد أهل الأندلس في جمع الكتب بحبّ ورغبة شديدين؛ فنجد ابن عَطِيَّة المُحاربيّ (ت 541هـ / 1146م) "سريّ الهمّة في اقتناء الكتب، كما كان الإمام أبو الحسن علي بن القطّان القرطبي (ت 628 هـ / 1230م) منشغلاً "بجمع أمّهات كتب الحديث المشهورة، ووصف الأديب أبو بكر محمّد بن الشيخ الشهير بذي الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم الرندي بأنّه كان "مفرطاً في اقتناء الكتب.

وكان أحمد بن محمّد بن عبيدة "قد جمع من الكتب كثيرا في كلّ فن، وجمع أحمد بن محمّد بن لبّ "كتباً حساناً كثيرة النفع، كذلك جمع سعيد بن أحمد بن يحيى بن سعيد بن الحديدي التجيبي "كتبا لا تحصى، وكان أحمد بن محمد الكرني الغرناطي "كثير الكتب، جمّاعا لها، وهو حال أغلب أهل الأندلس، وقال أهل الأندلس أيضاً في حبّ الكتب شعراً.

الكتـب تذكـرة لمن هـو عالم     وصوابها بمحالها معجون

والفكر غوّاص عليها مخرج    والـق فيـهـا لؤلـؤ مكنـون

 

إنّ أهل الأندلس بكافّة طبقاته كانوا مولعين باقتناء الكتب وإنشاء المكتبات  

وقيل أيضاً في عشق الأندلسيّين للكتب:

ومولع بالكتب يبتاعها ... بأرخص السوم وأغلاه

وكانوا يعدّون التفريط في الكتب أو بيعها رذيلة تستوجب الذمّ؛ "فقد حدث أن باع العبّاس بن غالب الهمداني بعض كتبه فكتب إليه أستاذه ــــ أبو محمّد القرطبي ـــــ في ذلك قائلاً:

نُبَّئْتُ عبّاسًا توَزَّع كُتْبهُ ... نَهْبًا وأصبحَ عن هواها مُعزَلا

فعجِبتُ من بَطَلٍ يبيعُ سلاحَهُ ... عَمدًا ويُضْحي في الكتابةِ أعزَلا

فكان من البديهي أن يحظى التاريخ الأندلسي في مختلف عصوره بالمكتبات التي انتشرت في المدن الرئيسية مثل قُرْطُبَة وإشبِيلِيّة وغرناطة.... الخ؛ فكان بالأندلس سبعون مكتبة عامة، وكان نصيب قُرْطُبَة وحدها عشرين مكتبة فيها عشرات الآلاف من الكتب.

 

تابع المقال من هنا...

 

اقرأ المزيد:

كتاب "عالم بلا إسلام .. ماذا لو؟"

ماذا لو اختفى الإسلام من العالم؟ بالنسبة للبعض يبدو ذلك خاطرًا مريحًا: فلا صدام للحضارات، ولا حروب مقدسة، ولا قوى إرهابية، ولكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك مطلقًا؟

التسامح والازدهار الإسلامي في عصر العلامة الأندلسي ابن عربي

 

 

أنور محمود زناتي باحث وأكاديمي مصري، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة، كلية التربية، جامعة عين شمس، مصر. من مؤلفاته المنشورة: "تهويد القدس"، و"مصطلحات التاريخ الإسلامي".

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.