عجز أينما نظرت

فهل بإمكان الحكام في طهران التعامل مع هذه الدراما وكيف يصعب التنبؤ بها. خلال تاريخها الذي يزيد عن 40 عاماً، عاشت الجمهورية الإسلامية باستمرار في الأزمات ومن الأزمات. بيد أنّ أزمة فيروس الكورونا تتجاوز كل ما حدث من قبل، لأنه ضرب البلد حين كانت بالفعل في أوضاع صعبة للغاية. عملياً، النظام الإيراني معزول دبلوماسياً واقتصادياً، وها هو الحجر الصحي يُصاف إلى هذا المزيج. كل حدود إيران مع الدول المجاورة مغلقة. إنّها نقطة تحول في تاريخ هذه الدولة الهجينة، التي تدعو نفسها جمهورية.

 

 

ومن المؤكد أنّ الأجيال القادمة ستنظر إلى هذا الوباء بوصفه نقطة بارزة وانقطاعا عميقا في تاريخ الجمهورية الإسلامية. سيقرأ المرء كيف ساعد آيات الله المؤثرون على انتشار الفيروس في البداية، ليعلنوا لاحقاً أنه ربما يكون إرهاباً بيولوجياً ضد الجمهورية الإسلامية. سيقرأ المرء في كتب التاريخ كيف تنقّل بعض الملالي في جميع أنحاء البلد للترويج للطب الغربي وللطب الإسلامي، وكيف منعت قوات الأمن الأحياء من التحدث عن أعداد الأموات.

والأهم من ذلك، فعبر هذه القصص، سيدرك الناجون الهوّة الكبيرة التي انفتحت بين المنطق والخرافة، وسيتعلمون من فقدان الثقة الذي انتشر حتى بين المؤمنين.

من المرجّح أن يشغل تأثير فيروس كورونا على دين الدولة في إيران العديد من الناس لفترة طويلة، لأن فيروس كورونا لا يقتل الناس فحسب، بل إنه أيضاً يهاجم المقدّسات ذاتها التي يقوم عليها نظام الدولة الغريب المُسمى جمهورية إسلامية. سيكون هناك في إيران فترة ما قبل الكورونا وفترة ما بعد الكورونا، ولن يبقى أي شيء على حاله بعد الآن.

وإنْ كان الأوروبيون في العصور الوسطى اعتبروا الطاعون عقاباً إلهياً بسبب خطيئة البشر، وإنْ كان الجنون الديني لنهاية الزمان متفشياً آنذاك، وإنْ سار المتسوطون (من يلطم نفسه) عبر البلاد يلطمون أنفسهم تكفيراً عن ذنوبهم، أو إن سعى أحدهم إلى الحماية بالتوجه إلى الله وعبيده على الأرض، فهنا يحدث العكس تماماً في إيران هذه الأيام. إذ يهرب الناس من رجال الدين. وتظهرُ يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي أسماء جديدة لعلماء دين شيعة من مدينة قم ممن ماتوا بسبب فيروس كورونا. حتى تاريخ كتابة هذا المقال (13 آذار/مارس 2020) هناك اثنا عشر منهم.

المَلِك ليس عارياً

الملك ليس عارياً. على العكس من ذلك، يراه الناس محمياً بشكل جيد ومحجوباً عبر الإنترنت، على الرغم من أنه يعيش متخفياً. فمنذ الإعلان عن وصول الفيروس رسمياً إلى إيران، وعلي خامنئي، القائد الديني والرجل الأقوى في إيران، ظهر مرتين فقط وبشكل مقتضب عبر الإنترنت. مرة وقد جلس بجانبه على الأريكة طبيبه الشخصي على مسافة كافية منه. أما المرة الثانية فقد شُوهِد خامنئي يزرع شجرة في حديقته، ويده التي تحمل المجرفة ملفوفة بكيس بلاستيكي. كان ذلك في يوم الحفاظ على البيئة.

 

 

سُمِح ببيع الكحول ضمن إيران لتحسين وزيادة التعقيم. كما يعرض تلفزيون الدولة طاقماً طبياً يرقص ويغني في المستشفيات لنشر التفاؤل: وما هذا إلا علامة على العجز السائد.

كما أنه ليس من الواضح من هو المسؤول في نهاية المطاف عن مكافحة فيروس الكورونا. ففي 11 آذار/مارس 2020 كتب رئيسُ البرلمان الإيراني رسالة للمرشد الأعلى خامنئي يسأله فيها عمن ينبغي أن يكون المسؤول عن فريق مواجهة الفيروس. ويُقال إن خامنئي أجابه: حسن روحاني. لكن حتى رئيس الجمهورية لم يعد يظهر علانية حتى تلك اللحظة.

وحتى الحرس الثوري في الحجر الصحي، فكما نقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية عن أحد القادة قوله إن ثكنات الحرس الثوري هي أفضل الأماكن حمايةً في إيران، ويبدو أنهم يستعدون لفترة ما بعد فيروس الكورونا. أما إن كانوا سيجدون البلد ذاته بعد انتهاء الوباء، فعلينا أن ننتظر ونرى.

 

 
علي صدر زاده
ترجمة: يسرى مرعي
حقوق النشر: إيران جورنال / موقع قنطرة 2020
 
ارتفعت حصيلة الوفيات الإجمالية في إيران بسبب فيروس كورونا إلى 1135 في صباح الأربعاء 18 / 03 / 2020، وفقاً للإحصائيات الحكومية الإيرانية الرسمية.
  

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة