وباء كوفيد-19 والحالة الدينية في العالم الإسلامي

عبادات المسلمين الجماعية من الأكثر تضررا بكورونا

مشاهد دينية كثيرة تغيرت لدى المسلمين خلال محاولة البلدان الإسلامية السيطرة على جائحة كورونا، وقد تتشكل بالنتيجة قواعد قياس جديدة يتم الاحتكام إليها بفتاوى غير مسبوقة حول كيفية أداء بعض الشعائر الدينية الإسلامية. الكاتب أحمد عبده طرابيك يرى أن المسلمين من أكثر أصحاب الأديان الذين تأثرت عباداتهم سلباً من وباء كوفيد-19 نظرا لارتباط شعائر الدين الإسلامي بشكل كبير بالجماعة.

أثار انتشار فيروس كورونا "كوفيد 19" الذعر والهلع في مختلف أنحاء العالم بسبب ما خلفه من آثار مروعة علي حياة البشر، وما تسبب به من خسائر وتغيرات في مختلف قطاعات وأنشطة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. 

وعلي الرغم من أن الأزمة مازالت مستمرة، ونتائجها ما زالت تلقي بظلالها وقسوتها على مختلف الدول والشعوب، إلا أنه هناك شبه إجماع بين معظم الخبراء والمراقبين على أن أحوال العالم بعد أزمة كوفيد 19 لن تكون مثل ما كانت عليه قبل هذه الأزمة.   

الجانب الديني عند المسلمين كغيره من جوانب الحياة الذي تأثر كثيراً، فلقد تغيرت مشاهد كثيرة لدى المسلمين خلال محاولة الدول الإسلامية السيطرة على كوفيد 19، مشاهد ظلت لأجيال عديدة راسخة في الوجدان والتقاليد الإسلامية، حتي أصبحت جزءا من القدسية الإسلامية التي بدونها لا يكتمل الدين، أو بدونها تكون العقيدة ناقصة وتحتاج إلى تصويب حتى تكتمل. 

رواد المساجد

أول هذه المشاهد، هو مشهد صلاة الجماعة في المساجد خمس مرات يومياً، حتي وإن لم يكن جميع المسلمين حريصون علي أدائها بشكل يومي، لكن بالنسبة للأعداد التي تحافظ علي أداء تلك الصلوات على الأقل، والذين يطلق عليهم "رواد المساجد"، وكان غيرهم قد اعتادوا علي رؤيتهم، حتى وإن لم يكونوا يشاركونهم ريادة المساجد في كل صلاة، اختفى ذلك المشهد تماماً، ويتخوف البعض من أن ينساها المسلمون وخاصة الأجيال الجديدة التي لديها القدرة علي التأقلم والتعود علي أي وضع جديد.  

مشهد صلاة الجمعة، والتي يحرص علي أدائها أكبر عدد من المسلمين كل أسبوع، حتى وإن لم يكونوا من المحافظين علي الصلوات الخمس في كل يوم، فكثير من المسلمين اعتاد الذهاب إلي المسجد بصحبة أولاده، وأحياناً جميع أفراد أسرته، أو أصدقائه لصلاة الجمعة، قد يكون حريصاً على صلاة الجمعة من قبيل العادة الأسبوعية، وليس العبادة، لكنه مشهد اعتاد عليه كل أسبوع. 

 

 

شهر رمضان

شهر رمضان الذي يمثل قيمة ورمزية روحانية وإيمانية للمسلمين في مختلف أنحاء الأرض، حيث كانت تضاء المساجد طوال الليل ابتهاجاً بروادها الذين يفدون إليها لأداء الصلوات الخمس في جماعة طوال النهار، ثم يبادرون سعياً إليها مساءً عقب الإفطار لحجز مكان لهم في مقدمة الصفوف لأداء صلاة العشاء والتراويح، اختفى ذلك المشهد هذا العام من حياة المسلمين.

كذلك مشهد صلاة عيد الفطر، وعلى الرغم من أنها سنة مؤكدة وليست فرضاً، أي إذا لم يؤدها المسلم فلا يكون عليه وزر، إلا أنها من الصلوات التي يحرص الجميع، الرجال والنساء، الكبار والصغار على أدائها في الساحات والميادين الواسعة، فهي إحدى الصلوات السنوية مع صلاة عيد الأضحي التي يحتفل بها المسلمون، لأنها تعبر عن البهجة والفرح والسرور، كما أنها تشكل الفرصة لتلاقي الأهل والأصدقاء والجيران للتهنئة بانتهاء شهر رمضان، شهر الخيرات والبركات، حيث يشكل الاحتفال بالعيد في حد ذاته شعيرة من شعائر المسلمين.

بيت الله الحرام

المشهد الأكبر مأساوية لدى جميع المسلمين هو مشهد الكعبة "بيت الله الحرام" في مكة المكرمة، ذلك البيت الذي لم يرَه أي مسلم على الأقل من الأجيال الحالية من دون أن يطوف به أحد على مدار 24 ساعة طوال العام، تغير ذلك المشهد، واختفت تلك الحشود التي تطوف بالبيت العتيق. بل لقد اختفى أكبر تجمع إسلامي خلال شهر رمضان، حيث كان الحرمان الشريفان "بيت الله الحرام في مكة المكرمة، ومسجد الرسول محمد -صلي الله عليه وسلم- في المدينة المنورة"، يرتادهما أكثر من سبعة ملايين مسلم من مختلف أنحاء العالم، لأداء العمرة، وصلاة التراويح خلال هذا الشهر المقدس، شهر الصيام الذي أنزل فيه القرآن.  

وبعد انتهاء شهر رمضان بتلك المشاهد المؤلمة، يترقب المسلمون لمشهد آخر لا يقل مأساوية وألماً روحانياً عن المشاهد السابقة، وهو احتمال إلغاء فريضة الحج هذا العام، ذلك الركن الخامس من أركان الإسلام الخمس. كما ألمحت بذلك السلطات السعودية، والتي أوعزت إلى شركات السياحة في مختلف دول العالم بعدم تلقي طلبات للحج هذا العام إلى حين إصدار تعليمات جديدة من الحكومة السعودية. وإذا سمحت المملكة بأداء فريضة الحج وفتح أبواب الحرمين أمام الحجاج والمعتمرين فهل ستكون بنفس الأعداد التي كانت في الأعوام السابقة؟ وهل ستكون بنفس السهولة واليسر التي كانت عليها؟ أم ستكون باجراءات تقلل من أعداد الحجاج والمعتمرين، وتزيد من المشقة علي رواد أداء هذه الشعائر؟ [في قرار حساس سياسيا ودينيا، قالت السعودية إنها لن تسمح إلا لحوالى ألف شخص من المقيمين فيها بأداء فريضة الحج في الأيام الأخيرة من تموز/يوليو 2020، مقارنة بنحو 2,5 مليون شخص في 2019].

فتح المساجد بشروط 

وبعد أن رفعت المملكة العربية السعودية الحظر عن أداء الصلاة في مساجد المملكة بما فيها المسجد النبوي في المدينة المنورة، رغم بقاء استمرار إغلاق المسجد الحرام في مكة المكرمة، سرعان ما عادت لإغلاق 71 مسجداً مرة أخري بسبب عدم التزام البعض بالإجراءات الاحترازية، ما أدى إلى انتشار الفيروس مرة أخرى في تلك المساجد، الأمر الذي يشير إلى أن قرار فتح المساجد للصلاة هو قرار مؤقت بحسب حالات انتشار فيروس كوفيد-19. 

 

 

فقد جاء قرار فتح المساجد بشروط وظروف جديدة لم يعتَد عليها رواد المساجد من قبل مثل ارتداء الكمامات، ووجود مسافات تباعد بين المصلين، وهذا التباعد بين المصلين في حد ذاته من الأمور غير المحببة في صلاة الجماعة التي لابد أن يكون المصلون فيها متراصون في الصفوف جنباً إلي جنب، وأن تكون الصفوف فيها متقاربة. كما أن عملية التباعد من شأنها أن تعمل على تقليل أعداد المصلين في المساجد، كما تزيد تلك الإجراءات من وقت الدخول للمسجد وخاصة في المساجد الكبرى التي يرتادها أعداد كبيرة تقدر بالآلاف، الأمر الذي يوجِد مشقة على المصلين لم يعتادوا عليها من قبل.

قد يرجع عدم اتخاذ قرار فتح المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى صعوبة تحديد الإجراءات وتطبيقها فيه، فتنظيم قاعدة التباعد في عملية الطواف حول الكعبة، وفي السعي بين الصفا والمروة يصعب تطبيقه. إلى جانب الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة والذي يعرف بركن الحج الأكبر، وهذا ما قد يفسر سبب التأخر في اتخاذ قرار بشأن فتح البيت الحرام للصلاة والطواف، وكذلك التأخر في اتخاذ قرار أداء فريضة الحج من عدمه. [قالت السعودية إنها لن تسمح إلا لحوالى ألف شخص من المقيمين فيها بأداء فريضة الحج 2020].

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة