صلوا في بيوتكم

إذا كان الخبراء والمراقبون يجمعون على أن أحوال العالم بعد وباء كورونا "كوفيد 19"، لن تكون مثل أحواله قبلها، فإن الحالة الدينية في العالم الإسلامي لن يكون حالة مختلفة عن تلك القاعدة، أو خارجاً عن ذلك الإجماع، فكثير من القيم والتقاليد المرتبطة بالعقيدة الإسلامية راسخة وقد تُشكل قواعد جديدة للقياس يتم الاحتكام إليها في طرق وكيفية أداء بعض الشعائر الدينية الإسلامية، خاصة مع صدور بعض الفتاوى التي أجازت أشياء لم تكن مباحة من قبل، أو لم تتطرق لها أي من الفتاوى بشأنها قبل ذلك. 

فعبارتا "صلوا في بيوتكم، صلوا في رحالكم" التي يطلقها المؤذن بدلاً من "حي علي الصلاة، حي علي الفلاح" لم تسمعها الأجيال الحالية من قبل. نعم هي أقوال وأحكام إسلامية صحيحة حدثت من قبل، ولكنها اختفت لزوال أسبابها، ولذلك فإن عودة سماعها في تلك الأيام كان من الأمور الجديدة على آذان الأجيال الحالية.

ثواب الشعائر الجماعية 

ترتبط العديد من الشعائر الدينية الإسلامية في كثير منها بالجماعة والأداء مع مجموعة، لذلك كان ثواب الأعمال الجماعية أكبر من ثواب نفس الأعمال في حالة قام بها المسلم بمفرده، مثل صلاة الجماعة التي يزيد الله تعالى ثواب الصلاة فيها إلى سبع وعشرين درجة عن صلاة الفرد. هذا إلى جانب أن بعض الأعمال لا تصح إلا في جماعة مثل صلاة الجمعة التي لا يجوز للمسلم أي يؤديها إلا في جماعة وفي المسجد أو أي مكان يكون بديلاً عن المسجد، ولذلك فلا تصح صلاة الجمعة في البيت.  

 

 

 وعلى الرغم من اختلاف العدد المطلوب لأداء الصلاة في جماعة على اختلاف أئمة المذاهب، إلا أن هناك اتفاقاً على أن صلاة الجماعة للصلاة العادية قد تجوز بشخصين أو أكثر، أما صلاة الجمعة فلا تجوز بأقل من ثمانية أشخاص عند بعض الأئمة.

المسجد المدرسة الأولى لتعليم المسلمين

ومن ثم فقد شكل المسجد المدرسة الأولى لتعليم المسلمين الأوائل منذ ظهور دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك كان أول عمل قام به في المدينة المنورة بعد الهجرة إليها من مكة المكرمة، كان بناء المسجد، ومنذ ذلك الحين ظل المسجد يلعب الدور الأكبر في تعليم المسلمين أمور دينهم، وحتى ذلك اليوم يعد المسجد هو المدرسة الأولى لتعليم الأطفال الشعائر الدينية بالممارسة من خلال رؤيتهم للإمام والكبار الذين يؤدون الشعائر أمامهم، حيث تنطبع تلك التعاليم في ذاكرتهم طوال حياتهم، ولذلك قل أن تجد أحداً من المسلمين يعمل علي تغيير مذهبه الذي اتبعه منذ الصغر في المسجد الذي تلقى فيه تعاليمه الأولى.

تأثير على الحالة المعنوية 

أدى ممارسة العديد من الشعائر الدينية الإسلامية بشكل فردي، سواء في البيت أو في مكان العمل أو غيره، إلي نشوء حالة غير حماسية للصلاة، فقد كانت صلاة الجماعة في المسجد بعد سماع الأذان مباشرة لها تأثير كبير على الحالة المعنوية والاستعداد النفسي للمواظبة على أدائها، حتى وإن لم يكن الدافع إلى الذهاب للمسجد بعد سماع الأذان لأداء صلاة الجماعة هو من قبيل العادة التي اعتاد الإنسان على فعلها. أما الوضع الجديد فقد أفقد الإنسان ذلك الحماس، الأمر الذي جعله يعمل على تأخير الصلاة دقائق أو ساعات، ومن ثم ينسى أداء الصلاة مرة تلو المرة، أو يتكاسل إلى أن ينتهي وقت أدائها.

مَشاهِد عقد القِران وصلاة الجنازة في المسجد

 

 

مشاهد أخرى في حياة المسلم ارتبطت بالمسجد اختفت مع قرار إغلاق المساجد، مثل مشهد صلاة الجنازة، وهي الصلاة التي يؤديها المسلم على الإنسان المتوفَّى، والتي تعد فرض كفاية على المسلم، أي إذا قام بها مجموعة تسقط عن باقي المسلمين. وكذلك مشهد عقد قران الزواج، حيث يتوجه العروسان لعقد قرانهما في المسجد من قبيل البركة ببدء حياتهم الزوجية الجديدة من المسجد.

ترتبط شعائر العبادات عند المسلمين بالجماعة أكثر من شعائر العبادات في الأديان الأخرى، سواء كانت أديان سماوية أو وضعية، فالدين الإسلامي من أكثر الأديان التي تحث علي الارتباط بالجماعة، ولذلك كان ثواب وأجر صلاة الفرد في جماعة يزيد عن صلاة الفرد بمفرده سبع وعشرين درجة، وهذا الفارق الكبير بين ثواب الصلاة منفرداً وصلاته في جماعة إنما يكون للتأكيد علي ضرورة ارتباط المسلم بالجماعة، والوحدة والترابط، ولذلك يعتبر المسلمين من أكثر أصحاب الأديان الذين تأثروا سلباً من وباء كوفيد 19 عن غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى، ولربما ذهب البعض إلى أبعد من ذلك.

بالطبع هذه المشاهد سيكون لها بالغ الأثر في حياة المسلمين، وأن الذاكرة سوف تحتفظ بها لفترات طويلة وتستدعيها المواقف كلما تجددت هذه الجائحة أو غيرها، بل وتبني عليها المزيد من المشاهد كلما استجدت الأحداث.

 

أحمد عبده طرابيك

حقوق النشر: أحمد عبده طرابيك  / موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

أحمد عبده طرابيك - كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي   
 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة