لا علاقة لذلك بالحرِّية والعدالة

ومن ناحية أخرى من السهل ببساطة الإجابة على السؤال: كيف تريد الولايات المتَّحدة الأمريكية حماية الأكراد من دون وجود قوَّات لها على الأرض؟ والجواب هو: أمريكا لا تستطيع فعل ذلك. لقد أدرك ذلك منذ فترة طويلة كلٌّ من حزب الاتِّحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب وباتا يبحثان الآن عن خلاصهما في مكان آخر - في موسكو ودمشق. 

والانسحاب الأمريكي يمهِّد الطريق لخطط بوتين وبالتالي لعودة الأسد إلى شمال شرق سوريا. موسكو تريد إعادة المنطقة إلى تحت سيطرة النظام الكاملة وسحق الإدارة الذاتية الكردية وخداع حزب الاتِّحاد الديمقراطي ببعض الحقوق الثقافية وكذلك دمج وحدات حماية الشعب في القوَّات المسلحة السورية.

والحسابات هي أنَّ إردوغان سيتخلى في ضوء هذا الاحتمال عن الهجوم على شمال شرق سوريا. لا سيما وأنَّ هذا الهجوم يعتبر موضوع جدال إلى حدّ كبير داخل القيادة التركية، وذلك لأنَّ وحدات حماية الشعب شرق نهر الفرات مجهَّزة بفضل الأمريكيين بشكل أفضل، كما أنَّ أي هجوم مثل الهجوم على عفرين في العام الماضي (2018) سيثير انتقادات دولية وتضامنًا مع الأكراد.

ولهذا السبب فإنَّ رؤية بوتين تجد في أنقرة آذانًا صاغية: إذا تقدَّمت قوَّات الأسد فإنَّ وحدات حماية الشعب ستنسحب، وسيعمل النظام على الحدود كمنطقة عازلة بين حزب الاتِّحاد الديمقراطي الكردي [في سوريا] وحزب العمَّال الكردستاني [في تركيا] وسيكون الأسد هو الوحيد القادر على ضمان "وحدة سوريا الإقليمية"، وبالتالي القادر على منع الأكراد وبشكل مستدام من التمتُّع بالحكم الذاتي.

وهذا يعيدنا إلى دور الأسد المفضَّل إليه باعتباره "أهون الشرَّين". فمن وجهة نظر حزب الاتِّحاد الديمقراطي الكردي يعتبر النظام السوري أفضل من إردوغان. كما أنَّ إردوغان يُفضِّل الترتيب مع الأسد على رفاق حزب العمَّال الكردستاني في السلاح. وهذا يؤكِّد أحد القواعد الأساسية في النزاع: عندما يتقاتل طرفان في سوريا، يستفيد الأسد دائمًا باعتباره الطرف الثالث الضاحك عليهما.

الأكراد لا يوجد لديهم أي خيار

{موسكو تريد إعادة منطقة شمال شرق سوريا إلى سيطرة النظام السوري الكاملة وسحق الإدارة الذاتية الكردية وخداع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ببعض الحقوق الثقافية، وكذلك دمج وحدات حماية الشعب الكردية في القوات المسلحة السورية.}

الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس التركي إردوغان.
منطقة آمنة في شمال سوريا: قال البيت الأبيض إن الرئيس دونالد ترامب أبلغ نظيره التركي رجب طيب إردوغان في مكالمة هاتفية يوم الإثنين (14 كانون الثاني/ يناير 2019) أنه يريد معالجة المخاوف الأمنية التركية في سوريا، لكنه أكد أيضا أهمية عدم إساءة التصرف مع حلفاء واشنطن الأكراد. وتحدث الجانب التركي عن إنشاء منطقة آمنة.

{بفضل الدعم الروسي والإيراني دمَّر الأسد كل بديل حقيقي لحكمه، واتفقت جميع الأطراف الفاعلة في النزاع السوري على بقائه في السلطة، بعد أن تمكن جهازه الأمني ​​والدعائي من خلق انقسام في المجتمع: العلويون والسُّنة يكرهون بعضهم بعضا، المعتدلون والمتطرفون يتحاربون ضد بعضهم، العرب والأكراد يواجهون بعضهم في قومية عمياء. وما من طرفين متنازعين في سوريا إلا وكان الأسد ثالثهما الضاحك المستفيد من نزاعهما.}

إذًا كيف يبدو المستقبل في روج آفا؟ بناءً على طلب من وحدات حماية الشعب فقد أرسل النظام في  بداية شهر كانون الثاني/يناير 2019 قوَّات إلى منبج، وهي المدينة الكبيرة الوحيدة الخاضعة للإدارة الكردية غرب الفرات. منذ فترة طويلة تريد تركيا السيطرة على منبج بمساعدة المعارضين المسلحين، علمًا بأنَّ المفاوضات مع الولايات المتَّحدة الأمريكية، التي توجد لديها قوَّات هناك، لم تسفر عن أي شيء. والآن تمركز جنود الأسد بين المعارضين المسلحين الموالين لتركيا وبين وحدات حماية الشعب الكردية، ولذلك يبدو أنَّه تمكَّن من تفادي احتمال إقدام تركيا على الغزو.

وإذا قدِّر للتعاون بين وحدات حماية الشعب والنظام السوري أن يسير في منبج بنجاح، فمن الممكن لدمشق أن ترسل المزيد من القوَّات إلى "روج آفا" وأن تتمركز على طول حدود سوريا مع تركيا.

في الوقت نفسه يتفاوض حزب الاتِّحاد الديمقراطي الكردي مع النظام السوري من خلال وساطة روسية. وطالما بقي الأمريكيون محافظين على وجودهم العسكري هناك، يمكن للأكراد أن يطالبوا بالمزيد - وذلك لأنَّ انسحاب القوَّات الأمريكية غير الواضح أو غير الكامل أو البطيء من شأنه أن يُعزِّز موقفهم أمام النظام وروسيا. 

ومع ذلك فإنَّ الاتِّفاق في النهاية سيراعي مصالح دمشق، لأنَّ قوى التدخُّل الرئيسية، أي روسيا وإيران وتركيا تريد جميعها في سوريا دولةً مركزيةً قوية. وهذا يعني في شمال شرق سوريا حصول النظام السوري على أكبر قدر ممكن من السلطة، وحصول الأكراد على أقل قدر ممكن من الحقوق.

لا يوجد لدى الأكراد أي خيار من دون دعم أمريكي أو أوروبي يمكنهم الاعتماد عليه. وبما أنَّ العالم كلّه لم يبقَ أمامه سوى القبول بالأسد، فإنَّ الأكراد أيضًا سيستمرون في التوصُّل إلى ترتيبات مع النظام. ولَعَلَّ حزب الاتِّحاد الديمقراطي الكردي يحفظ ماء وجهه بحصول الأكراد على تنازلات ثقافية ووسائل إعلام ناطقة بالكردية موالية للنظام وتعليم خاص بهم، ويتمكَّن من إخفاء خسارته للسلطة من خلال استيلاء خفي على السلطة من قِبَل النظام وبهياكل لامركزية زائفة.

يتبدد في الوقت الحاضر حلمُ أكراد سوريا في حصولهم على الحكم الذاتي. سيتم في المكاتب الإدارية والفصول الدراسية داخل "روج آفا" إنزال صور زعيم حزب العمَّال الكردستاني عبد الله أوجلان وتعليق صور الأسد من جديد. وكلُّ هذا لا علاقة له بالحرِّية والعدالة. ولكن يبدو على أية حال ألاَّ مكان للحرِّية والعدالة في سوريا في زمن "أهون الشرَّين" و"أسوأ الشرَّين".

 

 
كريستين هيلبيرغ
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
 

كريستين هيلبيرغ كاتبة ومحللة صحفية ألمانية.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.