"دولة مدنية ماشي عسكرية": بعد أسابيع من تفجر الاحتجاجات الحاشدة في وقت سابق من هذا العام، ألقى  قايد صالح خطابا عبر التلفزيون دعا فيه الرئيس بوتفليقة إلى الاستقالة مما دفع الزعيم المخضرم إلى التنحي.
وفاة رئيس أركان الجيش

الجزائر: من هو قايد صالح - "حارس النظام" ورجل المرحلة الانتقالية القوي؟

أثارت شخصية نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح، الذي وافته المنية اليوم، الجدل في الشّارع الجزائري بعد توليه حكم الدّولة في المرحلة الانتقالية، ليبقى الأخذ والرّد في الأزمة الجزائرية منحصراً بين قيادة  الأركان والحراك الشّعبي.

أفادت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بوفاة نائب وزير الدفاع رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح. ونقلت عن بيان للرئاسة الجزائرية أن صالح توفي صباح اليوم الاثنين ( 32 ديسمبر 2019) عن عمر ناهز 80  عاما إثر سكتة قلبية ألمت به في بيته.

وكان الفريق أحمد قايد صالح يتولّى منصبين، أوّلهما مدني، بصفته نائبا لوزير الدّفاع، وعسكري بصفته قائدا لأركان الجيش بالبلاد. وبرز اسم الرّجل خلال الفترة الأخيرة خاصة مع انطلاق الحراك الشّعبي، حيث اعتبر خطابه الذي وجّهه عشية استقالة بوتفليقة بمثابة الضّاغط على المتنحي عبد العزيز بو تفليقة لمغادرة قصر المرادية الرّئاسي.

وكان الفريق قايد صالح  طالب بتطبيق المادة 102 من الدستور والتي تنص على إعلان شغور منصب الرّئيس في حالة الوفاة أو المرض، ليتم بعدها بساعات تقديم الاستقالة من قبل بوتفليقة الذي شغل منصب رئيس الجمهورية ووزير الدّفاع في نفس الوقت لعقدين من الزّمن.

 

 

وتمسك الفريق أحمد قايد صالح بإجراء انتخابات رئاسية ، معتبرا إياها المخرج الوحيد للبلاد من الأزمة الدستورية والسياسية التي دخلتها منذ انقضاء فترة المرحلة الانتقالية لعبد القادر بن صالح، والتي حدّدها الدستور الجزائري بثلاثة أشهر كأقصى حد.

وعلا صوت الحراك الرّافض لإجراء الانتخابات الرّئاسية التي تحدّد موعدها في الرّابع من تموز/ يوليو الماضي، بسبب اعتقال عشرات الشّباب والشّخصيات بسبب آرائهم السّياسية المناهضة لخطة قيادة أركان الجيش.

واستطاع الحراك أن يكسب الرّهان وتخطي تاريخ الرّابع من تموز/ يوليو الماضي  دون أن تجرى رئاسيات، ليطرح بعدها الرّاحل أحمد قايد صالح تاريخ كانون أول/ ديسمبر الجاري  كحد أقصى للرّئاسيات.

 

 

وكان رئيس الأركان الجزائري الحاكم الفعلي للبلاد منذ استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تحت ضغط الشارع وحتى انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون في 12 كانون الأول/ديسمبر في انتخابات أصر قايد صالح على إجرائها رغم الاحتجاجات المستمرة.

لقد بدا قايد صالح خلال الأشهر الأخيرة حارساً عنيداً "للنظام" في مواجهة حركة الاحتجاج الشعبية وتوفي رمز القيادة العليا العسكرية وقلب النظام الغامض بعد أربعة أيام من ظهوره العلني الأخير أثناء تنصيب الرئيس الجديد.

عُين قايد صالح عام 2004 رئيسا للأركان من قبل بوتفليقة وحافظ لفترة طويلة على ولاء ثابت لرئيسه. كما دعم مطلع العام ترشيح رئيس الدولة رغم مرضه وضعفه لولاية خامسة.

لكن في نيسان/أبريل، قرر التخلي عن بوتفليقة تحت ضغط الحراك الشعبي غير المسبوق الذي انطلق احتجاجا على تلك الولاية الخامسة.      وباسم الشارع، دعا الى استقالة الرئيس وحصل عليها وبات يتولى السلطة بفعل الأمر الواقع.

وسرعان ما أغلق قايد صالح، وهو من آخر مقاتلي حرب الاستقلال (1954-1962) في السلطة الجزائرية، الباب أمام مطالبة الحراك برحيل "كامل رموز النظام" الذي يمسك بالبلاد منذ 57 عاما.

 

 الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
هل ينجح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في قيادة الجزائر إلى بر الأمان. قال لواء متقاعد آخر "الحمد لله أن لدينا رئيسا الآن. تخيلوا ماذا كان سيحدث إن لم يكن هناك رئيس".

 

من هو قايد صالح؟

ولد صالح، الذي كان يظهر بشكل دائم تقريباً ببزته العسكرية وأمضى ستة عقود في الجيش، في العام 1940 في ولاية باتنة على بعد 300 كلم جنوب شرق الجزائر، والتحق في سن السابعة عشر من عمره بجيش التحرير الوطني الذي كان يقاتل الاستعمار الفرنسي.

وبعد استقلال الجزائر في 1962، انخرط في صفوف الجيش ودخل أكاديمية عسكرية سوفياتية وتدرج في تراتبية القيادة، فتولى قيادة عدة مناطق عسكرية قبل تعيينه عام 1994 قائدا لسلاح البرّ خلال الحرب الأهلية (1992-2002) بين الجيش الجزائري والجماعات الإسلامية.

في العام 2004، اختاره بوتفليقة بعد إعادة انتخابه هذا الضابط الذي كان على وشك أن يحال إلى التقاعد، ليخلف الفريق محمد العماري الذي دفع ثمن معارضته تولي بوتفليقة ولاية ثانية.

 

اقرأ/ي أيضًا |

الجزائر: مظاهرات حاشدة ومناظرة تاريخية بين المرشحين

انتفاضة جزائرية فعالة ضد ولاية بوتفليقة الخامسة

ملف خاص حول الربيع العربي

حسن أوريد: خطابات الهويات قاتلة...ونهاية الاستثناء العربي مسألة حتمية

نهاية التحول السياسي في الجزائر؟ على الجيش والشعب التحاور قبل فوات الأوان

 

 

قايد صالح "لم يكن مخططاً استراتيجيًا" وتعامل مع الأمور من منطلق "عسكري صارم"

وعبّر الفريق صالح عن امتنانه عبر تحوله الى أكثر المخلصين لبوتفليقة الذي أمّن له وسائل تحديث الجيش. ولدى عودته من باريس في تموز/يوليو 2013 حيث أمضى في المستشفى 80 يوما بعد إصابته بجلطة في الدماغ، عيّن بوتفليقة الذي كان يشغل أيضا منصب وزير الدفاع والقائد الأعلى للجيوش بموجب الدستور، رئيس الأركان قايد صالح نائبا لوزير الدفاع.

ويؤكد مراقبون أن بوتفليقة منحه هذا المنصب الوزاري مقابل دعمه في مواجهة قسم من الجهاز الأمني مرهوب الجانب كان يعارض ولاية رابعة ترشح لها في 2014، اي بعد عام من إصابته بالجلطة.

وهكذا دعم الفريق صالح بوتفليقة في إضعاف دائرة الاستخبارات والأمن، الجهاز الواسع النفوذ للاستخبارات العسكرية، ورئيسه الفريق محمد مدين الملقب "توفيق" الذي أحيل على التقاعد عام 2015.

وفي حين ضعفت سلطة دائرة الاستعلام والأمن (باتت تُسمى دائرة خدمات الأمن) وأبعد بوتفليقة وبات معاونوه خلف القضبان في إطار حملة لمكافحة الفساد شجع عليها قايد صالح، ظلت القيادة العسكرية وحدها في الساحة منذ نيسان/أبريل 2019.

 

 

"برز الدور المحوري للجيش في السياسة بالجزائر الأسبوع الماضي خلال حفل تنصيب تبون حيث عانق قايد صالح ومنحه وسام الاستحقاق بعد أن أدى اليمين مباشرة"

خلال الأشهر التالية، ضاعف قايد صالح تحذيراته الموجهة إلى المتظاهرين واقتراحاته المقدمة إلى سلك القضاء وإلى حكم مدني ضعيف والتي سرعان ما نُفذت. فهو الذي حدد موعد الانتخابات الرئاسية في 12 كانون الأول/ديسمبر لانتخاب خليفة لبوتفليقة، رغم رفض المحتجين تنظيم انتخابات اعتبروا أنها ستشكل استمراراً للنظام نفسه.

داخل الجيش، كان قايد صالح يمثل توافقاً نسبياً كونه "متقدماً في العمر" و"ليس سياسيًا"، وفق فلافيان بورا، الباحث في معهد الأبحاث الاستراتيجية بالمدرسة العسكرية في باريس. لكن الأمر كان مختلفا في الشارع.

فالرجل الذي اعترف الشارع بفضله في رحيل بوتيفليقة، واجه غضب الحراك لرفضه إنشاء مؤسسات انتقالية وتزايد اعداد المتظاهرين والنشطاء والصحافيين الذين وضعوا في السجن.

وقال مصعب حمودي، وهو باحث الدكتوراه في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس إن قايد صالح "لم يكن مخططاً استراتيجيًا" وتعامل مع الأمور من منطلق "عسكري صارم"، وأضاف أنه اعتبر الجزائر "ثكنة كبيرة. وكان تقديم أي تنازل بالنسبة له تعبيراً عن الضعف"، وكان يتصرف تبعاً "لدوافعه، دون تفكير، ودون التشاور" مع الآخرين.

وستبقى آخر صورة له كرجل يشعر بالارتياح وهو يعانق الرئيس تبون لدى توليه الحكم في 19 كانون الأول/ديسمبر. في هذه المناسبة، رفعه الرئيس الجديد إلى مرتبة مخصصة لرؤساء الدول بتقليده وسام "الصدر".

 

المصادر: رويترز + أ.ف.ب + د.ب.ا

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة