الصورة: ا ب
بعد انسحاب الجيش السوري:

إلغاء الطائفية هو أكبر تحدي يواجهه المجتمع المدني في لبنان

بعد اغتيال رئيس الوزارء السابق رفيق الحريري تظاهر الآلاف مطالبين بانسحاب السوريين واستقالة الحكومة. هل هذه الحركة الجماهيرية بداية انطلاق مجتمع مدني حقيقي في لبنان؟ حوار مع عمر طرابلسي مدير منظمة "مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي".
الصورة: أ ب
المواضيع السياسية الحساسة والصعبة لم تناقش بشكل علني، رغم أن النداء من أجل الاستقلال يرتفع من كل الجهات.

​​بعد اغتيال رئيس الوزارء السابق رفيق الحريري تظاهر الآلاف في شوارع بيروت مطالبين بانسحاب السوريين واستقالة حكومة كرامة. هل يمكننا اعتبار هذه الحركة الجماهيرية بداية انطلاق مجتمع مدني حقيقي في لبنان؟ حوار مع عمر طرابلسي مدير منظمة "مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي" في بيروت.

هل يمكنك أن تقدم لنا لمحة عن المجتمع المدني في لبنان؟

عمر طرابلسي: هناك مصطلحان في اللغة العربية: "المجتمع الأهلي" و"المجتمع المدني". يقوم مصطلح المجتمع "الأهلي" على مفهوم الـ"قرابة" ويشمل البنى القبلية أكثر مما يشمل الحركات الاجتماعية. بينما تظهر هذه الحركات الاجتماعية في المجتمع الـ"مدني"، وذلك لأنه يضمن الاستعداد لتحرير ذاته من البنى والتصورات التقليدية.

ويتطابق المجتمع المدني في لبنان مع النموذج القبلي أكثر مما يتطابق مع نموذج المواطنة. ومع ذلك يمكن لكلا النموذجين أن يعملا في مصلحة أو ضد مصلحة الحزب الحاكم. بيد أنه هناك حالات أيضًا يتنافس فيها كلا النموذجين مع بعضهما البعض.

لقد نشأ اتجاه جديد إبان وبعد الحرب اللبنانية الأهلية. إذ كانت تهتم بمواضيع مثل البيئة وحقوق الإنسان أو النساء من قبل منظمات جديدة علمانية، تتطابق أكثر مع نموذج المواطنة. ومع أن هذه المنظمات تحظى بقدر ما من الأهمية، إلاّ أنها لا تمثل شكل المجتمع المدني السائد.

كم يبلغ عدد المنظمات غير الحكومية في لبنان؟

طرابلسي: يبلغ عدد المنظمات غير الحكومية المسجلة في لبنان حوالي خمسة آلاف منظمة. وحسب مراقبتنا للتقارير الإعلامية الرسمية فإن عدد المنظمات غير الحكومية التي يتم تأسيسها وتسجيلها في لبنان يبلغ نحو مائتي منظمة.

تُظهر دراسة أعدّت في عام ٢٠٠٠ أن حوالي سبعمائة منظمة من المنظمات غير الحكومية البالغ عددها خمسة آلاف تعمل بشكل منتظم. كان الكثير من المنظمات غير الحكومية مرتبطا إبان الحرب الأهلية بأحزاب سياسية.

بيد أنه تم في السنوات العشر الأخيرة تأسيس العديد من المنظمات غير الحكومية من قبل بعض السياسيين، مثلاً مؤسسات الحريري، معود، صفدي وفارس. يعزز عمل مثل هذه المنظمات غير الحكومية العلاقات ما بين الراعي والرعية، التي يتسم بها لبنان ونظامه السياسي.

ما هي أحوال المنظمات غير الحكومية في ظل السيطرة السورية في لبنان؟ هل كان تسجيلها مسموح به؟

طرابلسي: لم يكن ذلك معقدًا جدًا، رغم أن الإجراءات كانت تستغرق في معظم الأحيان وقتًا طويلاً وقد كانت الدوائر الحكومية تتدخل بشدة. إن ما تظهره الإحصاءات في هذا الصدد واضح. كانت أنواع معينة من المنظمات لا تجامل الدولة، فقوبلت بعدم الثقة.

أما المنظمات غير الحكومية التي تشبه الأحزاب مثلاً أو لها برامج سياسية، فلم تصب بأضرار من خلال معاملات التسجيل. كانت الدولة تتدخل لدى منظمات غير الحكومية معينة أو "ترجوها" من أجل تغيير توجيهاتها.

كذلك كان يمكن لأهداف صاغتها منظمات غير حكومية في برامجها، كخلق وعي عام، أن تشكّل صعوبات في عملية التسجيل. فكثيرًا ما تسلك وزارة الداخلية مسلكًا انتقائيًا وغير منطقي، لكن هذا لا يشمل المنظمات المقربة إليها. فهكذا كثيرًا ما تظهر جمعية "المشاريع الإسلامية الخيرية" كحزب، رغم أنها مسجلة رسميًا كمنظمة غير حكومية.

كيف ستجري الأمور الآن؟ وما هو تأثير الانسحاب السوري والوضع الجديد؟

طرابلسي: يتعلق كل هذا بنتائج الانتخابات وبتشكيل الحكومة الجديدة. في الحقيقة ساهم المجتمع المدني في "انتفاضة الاستقلال" مساهمة فعالة، وذلك من خلال تعبئته الجماهير. الكثير من المظاهرات خرجت بشكل تلقائي.

بيد أن الكثير من المتظاهرين تمت تعبئتهم من قبل منظمات اجتماعية مدنية، سواء كانت من المجتمع الأهلي أو المجتمع المدني، خاصة من قبل منظمات غير حكومية كبيرة تعمل في مجال الرعاية الاجتماعية. من الواضح أنه تم بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري استيعاب هذه المنظمات من أجل التعبئة السياسية.

هل ستتوقف تعبئة اللبنانيين سياسيًا بعد التطورات الحديثة؟

طرابلسي: من الصعب الإجابة على هذا التساؤل. صحيح أن الكثيرين أصبحوا بعد الاعتداء على الحريري على وعي بالحدود التي تحدد هذا النظام السياسي الحالي. وقد سئم الكثيرون ذلك. لهذا يتعذر الجزم فيما إذا كانت الشعارات الحالية السياسية ستدير خطابًا لبنانيًا متسامحًا وتضع برامج سياسية، تعنى بأسئلة هامة مثل صورة لبنان ومكانته في العالم والغاء النظام التناسبي الطائفي.

لكن الشك يساورني في هذا الصدد. كانت بعض الشعارات في "انتفاضة الاستقلال" عنصرية وغير متسامحة، ودلّت على شعور واضح بالاستعلاء والسيادة - ليس فقط إزاء السوريين، ولكن أيضًا إزاء لبنانيين "آخرين". علينا أن نعي أن هذا الشق موجود، رغم كل الأصوات التي تدعي عكس ذلك.

إذ ثمة شكل من الانفصال في البلد؛ انفصال هو من بقايا الحرب الأهلية ولم يعالج حتى الآن بصورة جدية. والمقصود بالـ"آخرين" هي المعارضة، التي تتهم بأنها دمًى مسرحية في أيدي السوريين. أما المواضيع السياسية الحساسة والصعبة فإنها لم تناقش بشكل علني، رغم أن النداء من أجل الاستقلال يرتفع من كل الجهات. إذ أن المناقشات الصريحة والشجاعة ستؤدي بالضرورة إلى انهيار التحالفات المغرضة السياسية الحالية.

متى سيتم مناقشة الآراء المختلفة هذه؟

طرابلسي: قام ناشطون شباب في إنشاء منتدًى للنقاش في ساحة الشهداء في بيروت، يتناقش فيه الشبان يافعو السن حول مختلف المواقف ويتحاورون. تقام خلف الكواليس على مستوى السياسة والأحزاب نقاشات، من أجل تحقيق تسويات سياسية معينة.

بيد أن تلك النقاشات لا تعبر عن الحوار الذي ينتظره الكثيرون. طبعًا الشباب يجرون في الشوارع أحاديث أكثر صراحة مما يفعله الزعماء السياسيون. طالما يوجد نقص في الإرادة السياسية فإن تأثير هذه الأحاديث سيكون ضئيلاً. من الواضح أن المنتديات الرسمية أو التي تطبع بالطابع المؤسساتي والناشئة عن لقاءات سياسية لا زالت حتى الآن غير محددة المعالم.

كما لم يتم بشكل جاد النقاش حول إلغاء النظام التناسبي الطائفي. والمعارضة تطلب تنفيذ اتفاق الطائف. بيد أن هذا الطلب يحتوي على بند لا لبس فيه حول الغاء النظام التناسبي الطائفي. فإذا نظر المراقب إلى الماضي سينتج عن نظرته سؤال هو: لماذا لم ينسحب السوريون؟

كانت الأسباب لعدم انسحاب السوريين مختلفة منها ما هو إقليمي ومنها ما يتعلق بالسياسة الداخلية للدولة، ومن ضمنها أيضًا الاتفاق العام على أنه لا يجوز تنفيذ بنود اتفاق الطائف المعنية. لم تتبن هذه الفكرة الحكومة وحدها، إنما تبناها أيضًا أولائك الذين لم يشتركوا في مختلف الحكومات التي تشكلت قبل اتفاق الطائف.

لقد كان الكل متفقا على تقبُّل السوريين في لبنان، من أجل عدم تهيئة الجو لالغاء النظام التناسبي الطائفي. وهذه هي التسوية. بيد أن الأمور تغيرت تغيرًا جذريًا بعد الـ١١ من أيلول/سبتمبر والحرب على العراق.

توجد لدى المعارضة آراء مختلفة حول اتفاق الطائف. ويتضح ذلك مثلاً عندما ينظر المرء إلى مواقف أهم ثلاث مجموعات معارضة، أي الحزب التقدمي الإشتراكي "الدرزي" والمجموعات المسيحية وأنصار الحريري. فهكذا رفضت جماعة المعارضة الملتفة حول قرنة شهوان إلغاء النظام التناسبي الطائفي رفضًا قاطعًا.

هل يعني طبقًا لذلك أن الغاء الطائفية هو أكبر تحدي يواجهه المجتمع المدني؟

طرابلسي: نعم، خصوصًا بعد الانتخابات. يوجد حاليًا أصوات تطالب بالالغاء. بيد أنني أعتقد، أن الكثير من السياسيين سيستقرون بعد الانتخابات في مناصبهم، بحيث أنهم لن يعودوا للتطرق إلى مثل هذه المطالب. يبقى أن ننتظر من سيصبح في صفوف المعارضة ومن في الحكومة. فعندها فقط يمكن أن نعرف إذا ما سيستخدم الحكام الجدد الأساليب عينها كأسلافهم.

هل يمكن أن تكسب الأحزاب نفوذًا أوسع؟

طرابلسي: لست متأكدًا. عندما ستتحقق معظم مطالب المعارضة، فستتلاشى إذن الفروق الهامّة بين الأحزاب. كان اغتيال الحريري بمثابة نكسة عظيمة انتكست بها قيادة لبنان السياسية والاقتصادية السابقة. لم يتضح بعد من الذي سيتولى القيادة المقبلة.

وهل سيكون للأجندة التي حدد معظم بنودها الحريري تأثير من دونه؟ زد على ذلك أن علاقة الرأي العام مع الأحزاب السياسية مطبوعة بطابع الشك. لم تتم تعبئة المعارضين لأنهم موالون لأحزاب.

إنما تمت تعبئتهم لدوافع مثل خيبة الأمل والخوف والثأر وأسباب أخرى كثيرة. لقد أصابت الشعارات اللهجة. لكن: دعم المظاهرات لا يدل بشكل تلقائي على دعم الأحزاب السياسية. يطالب اللبنانيون بانسحاب السوريين، ويطالبون بتغيير.

أدت التطورات بعد اغتيال الحريري إلى خروج السوريين. لكن المشاكل البنيوية مثل الطائفية السياسية لا زالت مستمرة؟

طرابلسي: يقترب المجتمع القبلي ببطء من مجتمع المواطنة. علينا الانتظار، إذا كان هذا سيؤثر في التطورات السياسية المستقبلية. إن التغييرات ممكنة الآن. نأمل أن تتشكل الخارطة السياسية من جديد وأن يقام وزنًا أكبر للمسائل السياسية الهامة. إذا كانت حقًا بعض أطراف المعارضة والأحزاب الحكومية الحالية ستعمل سوية وبشكل بنّاء في حكومة جديدة، فسيكون لدينا داع للتفاؤل.

هل لديك شك تجاه بعض الجماعات ضمن المعارضة؟

طرابلسي: ليس فيما يخص تصوراتهم وشعاراتهم. لكن أساليبهم تثير القلق في نظري. لقد كانت غالبيتهم مشاركة في الحكم، لكن من دون أن تحقق نجاحات مقنعة. وهذا يقودنا إلى سؤال عما إذا كانوا سيقدّمون استراتيجيات سلطوية أخرى، ولن يكترثون لبعض المصالح ولن يتخاصمون حول قطعة أكبر يقتطعوها من الكعكة.

يعمل عمر طرابلسي مديرًا لمنظمة "مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي" CRTD-A غير الحكومية التي تم تسجيلها في حزيران/يونيو ١٩٩٩ وتتخذ من بيروت مقرًا لها.

تعمل "مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي" CRTD-A في العديد من الدول العربية. وتهدف إلى المساهمة من خلال البحث والتدريب والعمل في تطور المنطقة. وتؤكد على النهوض بقدرات الهيئات المحلية والمنظمات التي في طور التأسيس، من أجل الدفاع عن مصالح أعضائها ومسؤوليها.

أجرى الحوار برنهارد هيلنكامب
حقوق الطبع قنطرة 2005
ترجمة رائد الباش

قنطرة
علينا الالتزام بالحذر في تفسير الواقع
مظاهرات سلمية في لبنان، إسلاميون وليبراليون يحتجون في مصر ضد نظام مبارك، انتخابات بلدية في السعودية، ومفاوضات بين الأحزاب في العراق من أجل تشكيل ائتلاف حكومي. هل يمر العالم العربي بمرحلة تحول جذري؟ تحليل الباحث عمرو حمزاوي

www
مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.