من وراء الكواليس........أسرار عدم استسلام بني وليد الليبية للثوار
بني وليد كآخر معقل للقذافي واحتمالات المستقبل:

من وراء الكواليس........أسرار عدم استسلام بني وليد للثوار

نالت مسقط رأسي مدينة بني وليد (180 كم) جنوب شرق طرابلس شهرة وصار اسمها يتردد كثيرا في نشرات الأخبار بسبب أنها أحد أقوى معاقل مؤيدي العقيد القذافي واشتهر معها أيضا كبير مفاوضي المجلس الانتقالي عبد الله يوسف كنشيل وهو ليبي من مواطني بني وليد يحمل الجنسية الكندية بعد أن لجأ إلى كندا أواخر الثمانيات إثر خلاف كبير بينه وبين حركة اللجان الثورية التي كان أحد أبرز رموزها في تمانيات القرن الماضي. الأكاديمي الليبي مصطفى الفيتوري يقدم عرضا لمواقف بني وليد.



لم يكن متوقعا أن تنجح المفاوضات مع أهالي بني وليد نظرا للشروط التي وضعها الجانبان كأسس لتسليم المدينة: أصر اعيان المدينة على عدم دخول أي أسلحة ثقيلة إليها ولا يدخلها من الثوار إلا من هم من أبنائها ويحظر دخول أي مسلحين من مصراته أو بنغازي وألاّ يتم القبض أو طلب تسليم أي من سكان المدينة، إلا في إطار استقرار أمني وعودة القضاء للعمل بشكل طبيعي. وفي ذات الوقت يتعهد أهالي المدينة ببقاء كافة المطلوبين في منازلهم أثناء ذلك. وفي آخر جولة مفاوضات بين الطرفين أضاف أهالي المدينة شرطا آخر وهو ألاّ يتم تشكيل مجلس محلي في المدينة وإذا كان لابد من ذلك فيجب أن يتكون المجلس من أبناء المدينة من المنضمين للثوار ويضمن للأهالي سلامتهم.

وفي المقابل سعى مفاوض المجلس الوطني الانتقالي إلى تحقيق استسلام المدينة دون شروط اللهم إلا ضمان سلامة أهلها في ظل تجريدهم من السلاح. ما لا يعرفه العالم أن المفاوض الرئيس وهو الدكتور الجراح عبدالله كنشيل يتحفظ عليه أهل المدينة لأنه من أبنائها الذين خرجوا على إجماعها مبكرا وكان أعيان المدينة قد مكنوا عبدالله كنشيل من مغادرتها بسلام في شهر مارس الماضي بعد أن جهر بمعارضته للنظام. وحرصا من أهل المدينة على عدم إلحاق الأذى به سمحوا له بالمغادرة إلى طرابلس ومنها فر الرجل إلى تونس وحضر مؤتمر أبناء بني وليد في الخارج الدي انعقد في أسطنبول التركية في نهاية شهر مايو (ايار) الماضي وقد تحدتث مع الرجل الدي أعرفه جيدا في شهر يونيو (حزيران) الماضي هاتفيا محاولا فهم موقفه ومبرراته أثناء سعيي المستمر لمحاولة لعب دور لوقف أراقة الدماء في بلدي.

الحسم العسكري

من مقاتلي ثوار بني وليد، الصورة د ب ا
"أبناء ورفلة كانوا مقربين من النظام لأسباب قبلية بحتة وليست سياسية"

​​وتتميز بني وليد عن كافة المدن الليبية بأنها موطن قبيلة واحدة وهي ورفلة وبالتالي تتمع بصفاء قبلي قل نظيره ومع ان سكان المدينة لا يتجاوزون ستين ألف نسمة، إلا أن أبناءها منتشرون في كافة أنحاء ليبيا ويشكلون أكبر قبيلة، إذ يقتربون من المليون نسمة ووبين أبنائها النخبة الأكثر تعليما في ليبيا. ومن أهم الصعوبات التي تجعل السيطرة العسكرية على المدينة امر ليس باليسير هي تضاريس المدينة اذ تقع بني وليد على سفوح سلاسل جبلية ممتدة لمسافات طويلة من الشرق إلى الغرب على امتداد واديها الشهير الذي يحمل اسمها مما يعطي المدافعين عنها فرصة أكبر للتحكم في الطريق الوحيد الذي يؤدي اليها من ناحية الشمال. أما جنوبا فإن المدينة تتمتع بالقدرة على الدفاع عبر سلسلة من الجبال تمتد حتى منطقة السدادة، حيث تقع مزرعة و بيت للقذافي وهو ما لم تتناول وسائل الإعلام وأن كان كوبري السداده الشهير قد نال حظا التغطية في تقارير الأخبار.

العقدة القبلية والجهوية

لورفلة حساسية تاريخية تجاه أهل مصراته تعود إلى زمن الإحتلال الإيطالي، إذ نشبت حرب قصيرة بين الجانبين نتج عنها عقدة العداء وعليه يتحسس أهالي بني وليد من فكرة وجود مقاتلين من مصراته على أراضيها وذلك نتيجة خشيتهم من روح انتقامية قد تكون لدى البعض إن تمكن الثورا من دخول المدينة وتجريد أهلها ن السلاح. ولا ينسى أهالي مصراته أن أغلب المقاتلين في الكتائب كانوا من أبناء ورفلة كما أن أهل ورفلة جلهم من البدو الذين يعتبرون السلاح شرفا لا يجوز التخلي عنه. وبالرغم من ضربات النيتو خلال الشهرين الماضيين إلا أن المدينة لم تقبل الاستسلام ولكنها تعاني من نقص شديد في المؤؤن والإمدادات الطبية وليس المياه كما يٌشاع، إذ ليس للمدينة منظومة مياه صحية انما يعتمد سكانها على الخزانات المحلية التي تعتمد بدورها على الآبار الجوفية ويقع أغلبها في عمق المدينة مما يجعل السيطرة عليها صعبة.

 

الصورة د ب ا
"من المفارقات في تاريخ ورفلة أن ثلة من أبنائها قادوا أخطر محاولة انقلابية تعرض لها القذافي عام 1993 وتم إعدامهم"

​​

وأبناء ورفلة كانوا مقربين من النظام لأسباب قبلية بحتة وليست سياسية، إذ يرتبطون بعلاقات خاصة جدا مع قبيلة القدادفة تسبق حكم القذافي وهو ما يجعلهم يتخدون هذا الموقف منه الآن وهو ملاحق. ومن المفارقات في تاريخ ورفلة ان ثلة من أبنائها على رأسهم مفتاح قروم و رمضان العيهوري (ابن عم عبدالله كنشيل) قادوا أخطر محاولة انقلابية تعرض لها القذافي عام 1993 وتم إعدامهم عام 1995 إلا أن القبيلة لم تناصرهم يومها . غير أن ذلك لم يشفع لها يومها لتدفع ثمنا باهظا على مدى العشر سنوات اللاحقة في شكل ملاحقات أمنية لأبنائها وإقصاء لخيرة شبابها عن أي مراكز قيادية رغم كفاءتهم العلمية ولم يتقلد أحد من أبنائها منصب وزير باستثناء وزير المرافق والإسكان (البنية التحتية) معتوق محمد معتوق وهو أحد الذين شملهم قرار مجلس الأمن رقم 1970 وبالرغم من أن رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الانتقالي محمود جبريل من بني وليد، إلا أنه انفصل عنها مبكرا وليس له أي تأثير عليها ولا يكن لها أغلب أهلها أي تقدير.

حالة مزرية

عبد الجليل وأردوغان
"في الأيام القليلة القادمة ستكون معركة بني وليد حاسمة في تكوين ليبيا الجديدة"

​​وتفتقر بني وليد لأي نوع من الخدمات من قبيل الصرف الصحي ولا يوجد بها إلا مستشفى وحيد في حالة سيئة وليس بها طرق معبدة ولا إنارة في الشوارع وبها فرع من جامعة السابع من أكتوبر به ثلاث كليات فقط وليس بها أي مصانع عدا مصنع نسيج تقلصت إمكانياته ودوره في توفير مواطن العمل منذ سنوات وتمت خصخصته منذ عشر سنوات في صفقة لا تخلو من شبهات فساد. وقد حرمها القذافي من مياه النهر الصناعي الذي تمر أنابيبه عبر أراضيها بسبب المحاولة الانقلابية آنفة الذكر. إلا أن عزة النفس و التربية البدوية والرابطة التاريخية مع القذادفة وعلاقات المصاهرة و النسب يبدو أنها لم تسمح لورفلة بالتخلي عن القذافي حتى هذه اللحظة وكان يمكن أن ينهار نظام القذافي في غضون أياما قليلة لو أن ورفلة تخلو عنه مبكرا.

وترتبط المدينة بطريق معبد وحيد مع ترهونة إلى الشمال وهو الآن تحت سيطرة الثوار في ظل انضمام نصف مدينة ترهونة الجنوبي المتاخم لبني وليد للثوار. وهذا الوضع حرم بني وليد من إمدادات عسكرية وطبية وغذائية كان سيوفره لها أهالي ترهونة. ووجد العديد من أبناء القدادفة ممن كانوا في طرابلس ملجأ آمنا لهم في بني وليد وهي الأقرب على طريق سرت بعد أن قطع الثوار طريق مصراته ـــ سرت منذ شهر فبراير الماضي. ومهما كان الأمر ، فالأيام القليلة القادمة ستكون معركة بني وليد حاسمة في تكوين ليبيا الجديدة وبغض النظر عن نتيجة المعركة العسكرية فإن ثقل ورفلة القبلي لا يمكن تجاهله في مجتمع قبلي حتى النخاع.

 

مصطفى الفيتوري
حقوق النشر: قنطرة 2011

مصطفى الفيتوري: اكاديمي ليبي وحائز على جائزة سمير قصير لحرية الصحافة عام 2010

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : من وراء الكواليس........أسرار عدم استسلام بني وليد للثوار

أعرف الدكتور من التسعينات عندما كان يدرس في مونتريال كندا وكنا أصدقاء وجيران وكان وطني جدا ككل الليبيين ويحب بلده كثيرا ويفتخر بليبيا جدا.. أين هو الآن أريد التواصل معه .تحياتي لكم...

حسين بن حسين ال...21.12.2014 | 13:39 Uhr