إعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب الإسرائيلية الفلسطينية في صيف عام 2014

أهل غزة يحتاجون الحرية قبل المساعدات الإنسانية

تشكك الباحثة الأمريكية بجامعة هارفرد سارة روي في إمكانية حل مشكلات قطاع غزة الإنسانية المأساوية ببضعة مليارات من الدولارات، عبر المساعدات المالية ومؤتمرات المانحين ومعونات إعادة الإعمار فقط. وترى الخبيرة الأمريكية ألا أمل ومستقبل لسكان غزة -بعد الهجمات الإسرائيلية المتكررة وحرب صيف 2014 التي خلفت دمارا هائلا- مادامت مشكلة القطاع لم تحل سياسيا، وتقول: "الناس في غزة لا يحتاجون مساعدات إنسانية فحسب وإنما يحتاجون للحرية"، كما تذكر الصحفية الألمانية بتينا ماركس في مقالها التالي.

"هذه المرة كل شيء مختلف"ـ تقول سارة روي، فهذه المرة لا يمكن إعادة بناء قطاع غزة كما أن الجراح التي خلفتها الحرب لن تندمل أبدا. وبعد العمليات العسكرية والهجمات التي نفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة ليس هناك أي أمل لدى سكان القطاع، البالغ عددهم 1.8 مليون، في إعادة البناء وتحسين وضعهم. "فالناس يهربون من الأوضاع التي لا تحتمل"، إذ يسارعون لمغادرة القطاع سرا وتهريبا عبر الأنفاق إلى مصر ومن هناك يستقلون قوارب للوصول إلى أوروبا، التي يغرق بعضها مع ركابها. ففي الآونة الأخيرة غرق مركب قرب سواحل مالطا وعلى متنه 500 راكب بينهم الكثير من أهالي غزة، و"هذا ما لم يحدث من قبل" تقول سارة روي، وتضيف "حتى في أسوأ الظروف لم يفكر الناس بمغادرة قطاع غزة"، لكن الآن يغادر الناس من مختلف الفئات الاجتماعية والاتجاهات السياسية القطاع، فحتى أعضاء حماس وحركة الجهاد يدفعون أبناءهم للسفر إلى الخارج لتأمين مستقبلهم.

تدمير الطبقة الوسطى

سارة روي، الباحثة في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفرد، ربما تكون من خيرة العارفين الأجانب بشؤون قطاع غزة، فهي تهتم بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للقطاع منذ 30 عاما، وقد نشرت عددا لا يحصى من المقالات وعدة كتب عن القطاع من بينها كتاب عن اقتصاد قطاع غزة وآخر عن حركة حماس. وقد جاءت إلى العاصمة الألمانية بدعوة من مؤسسة هاينريش بول، للمشاركة في ندوة حوارية عن الأوضاع في قطاع غزة، مع عصام يونس من مركز الميزان لحقوق الإنسان والمدونة أسماء الغول اللذين لم يستطيعا تلبية الدعوة والقدوم إلى برلين، حيث لم يقدرا على مغادرة القطاع غزة بسبب إغلاق الحدود.

  

Sara Roy; Foto: DW/B. Marx
تشدد الباحثة الأمريكية بجامعة هارفرد سارة روي المتخصصة بالاقتصاد والمجتمع في قطاع غزة على أنه "يجب على المجتمع الدولي الضغط باتجاه حل للنزاع في الشرق الأوسط، وأن يبدأ ذلك برفع الحصار وضمان حرية حركة الأشخاص والبضائع، وبذلك يمكن لقطاع غزة الوقوف على قدميه من جديد".

روي كانت في القطاع في شهر مايو/ أيار 2014 أي قبل أسابيع قليلة من الحرب، وتقول: "آنذاك كان اليأس واضحا على وجوه الناس، فبعد نحو ثماني سنوات من الحصار انهار اقتصاد القطاع ووصلت نسبة البطالة فيه إلى 40 بالمائة وبين الشباب إلى 60 بالمائة، وجاءت الحرب لتزيد من انهيار الوضع، حيث تم تدمير ما لا يقل عن 175 ورشة ومعمل، بينها شركة إنتاج الإسفلت ومطحنة الحبوب الوحيدة في القطاع ومعمل لإنتاج البسكويت".

وأدى تدمير تلك المعامل والورشات إلى فقدان آلاف فرص العمل وضاع معها مورد رزق ومعيشة عشرات الآلاف من سكان القطاع الذين أصبحوا في فقر مدقع ويعتمدون على المساعدات الإنسانية لتأمين قوت يومهم، وتقول روي إن ذلك أدى إلى "فناء الطبقة الوسطى" وقصم ظهر اقتصاد قطاع غزة، ولم يبقَ في القطاع سوى القليل من الميسورين. أما الشبكة الاجتماعية الفريدة -التي كانت تساند السكان اقتصاديا واجتماعيا- فقد تمزقت وانهارت.

التكلفة الباهظة لإعادة الإعمار

تشير تقديرات السلطة الفلسطينية إلى أن تكلفة إعادة بناء قطاع غزة، تصل إلى ما لا يقل عن 7,8 مليار دولار. حيث يجب إعادة بناء أحياء القطاع والبينة التحتية وشبكة المياه والصرف الصحي ومحطة توليد الطاقة وشبكة الكهرباء أيضا. لكن روي ترى أن هذا المبلغ (7,8 مليار دولار) قليل جدا وتشكك في إمكانية إعادة بناء القطاع أصلا، "والسؤال هو: ما الذي يجب إعادة بنائه؟ فهل يجب تعويض خسائر عام 2014 أم الخسائر التي سببتها العمليات العسكرية أعوام 2000 و2003 و2005 و2006 وما بعدها أيضا؟".

Gaza-Stadt unter einer Wolke aus Rauch; Foto: Reuters
بعد نحو ثماني سنوات من الحصار انهار اقتصاد القطاع ووصلت نسبة البطالة فيه إلى 40 بالمائة وبين الشباب إلى 60 بالمائة، وجاءت الحرب لتزيد من انهيار الوضع، حيث تم تدمير ما لا يقل عن 175 ورشة ومعمل بينها شركة إنتاج الإسفلت ومطحنة الحبوب الوحيدة في القطاع ومعمل لإنتاج البسكويت، كما تقول المتخصصة الأمريكية بالشؤون الاقتصادية في قطاع غزة.

وترى الباحثة الأمريكية أنه لا يمكن استمرار هذا الوضع، حيث تقوم إسرائيل بتكرار تدمير البنية التحتية من خلال عملياتها العسكرية، ويقوم المجتمع الدولي بإعادة البناء. وتقول روي "يجب على ألمانيا والاتحاد الأوربي التساؤل: هل نريد أن نكون جزءا من المشكلة وأحد أسباب انهيار هذه المنطقة؟ أم نريد أن نكون جزءا من الحل؟". وتقول روي إنه يجب على المجتمع الدولي الضغط باتجاه حل للنزاع في الشرق الأوسط، ويبدأ ذلك برفع الحصار وضمان حرية حركة الأشخاص والبضائع، وبذلك يمكن لقطاع غزة الوقوف على قدميه من جديد.

لقد أصبح وضع الفلسطينيين مشكلة إنسانية، تقول الباحثة في جامعة هارفرد، إذ بات معظمهم يعتمد في معيشته على المساعدات الإنسانية، وتقول الإحصاءات إن 450 ألف منهم ليس لديهم مياه شرب نظيفة، فضلا عن أن أكثر من 350 ألف طفل يعانون من صدمات نفسية كبيرة. وهذه المشاكل لا يمكن حلها من خلال المساعدات المالية ومؤتمرات المانحين وإعانات إعادة البناء، مادامت مشكلة قطاع غزة لم تحل سياسيا "فالناس في قطاع غزة لا يحتاجون مساعدات إنسانية فحسب وإنما يحتاجون للحرية".

 

بتينا ماركس

ترجمة: عارف جابو

حقوق النشر: دويتشه فيله 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.