دور جديد لتركيا في الشرق الأوسط؟

جسر بين الشرق والغرب

كثيرا ما يدور الحديث حول إمكانية تحول تركيا في ظل الظروف الدولية السائدة وبفضل موقعها الجغرافي السياسي الى جسر بين الشرق والغرب. ولكن هل يمكن لتركيا أن تؤدي مثل هذا الدور؟ تعليق كتبه الصحافي التركي جنكيز جاندار.

على العكس من تصورات بعض الجهات لا يؤدي التأكيد المستمر على دور تركيا كجسر بين الشرق والغرب أو قيامها بدور ما بين هذين العالمين إلى ( تقليل الأهمية الاستراتيجية لتركيا) وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، بل إلى تعزيز وتمتين موقعها على الصعيد الدولي.

لقد تمكنت تركيا من تجاوز فترة الحرب الباردة وتحولت من كونها مجرد جناح لحلف الناتو إلى دولة مهمة للغاية. وهو مايعكسه تصريح الاستراتيجي الأمريكي المعروف ريتشارد هولبورك حول الأهمية الاستراتيجية لتركيا من خلال تأكيده بأن تركيا " أصبحت تمثل ماكانت تمثله ألمانيا أثناء الحرب الباردة".

صندوق باندورا المفتوح

من هنا، ابتداء من القرن الحادي والعشرين، وعلى ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية برز دور تركيا كجسر من تلقاء نفسه. موضوعيا لا يعني توفر مثل هذه الإمكانيات المتاحة لتركيا استثمارها سياسيا بالضرورة.

لا يزال من غير المعروف تحديد الاتجاه الذي يتحرك الشرق الأوسط صوبه. المعروف هو أن المنطقة ستكتسب منظرا آخر غير الذي هو عليه الآن. أما بالنسبة لتركيا فهي ستضطر بسياستها التقليدية المعروفة في المنطقة إلى أن تكون مهيأة للخيار بين "تعديل ومراجعة" أوضاعها الراهنة والحفاظ على ماهو قائم الآن.

بعبارة أخرى: يمكن لتركيا التي تهتم بالاستقرار في الشرق الأوسط أن ترد بردود أفعال مختلفة في قضية البعد الأمني أمام التهديدات التي تتعرض لها المنطقة.

تقلص الدور الأميركي جماهيريا

تتطور الأمور في الشرق الأوسط باتجاهين: القيم التي يمثلها السنة في مواجهة المحور الإيراني ـ السوري والتي تتناقض بشكل خاص مع سياسة توسيع إيران لنفوذها في المنطقة، أما مع الغرب، حتى في حالة الاتفاق معها رسميا فإنها تتقاطع مع المصالح الأمريكية.

في الوقت الذي تبدو فيه الدول العربية محتاطة ضد توسع النفوذ الإيراني وحيث يشكل الخلاف الفلسطيني ـ الإسرائيلي الوجه الآخر لجوهر مشكلة الشرق الأوسط والذي يؤدي إلى تقوية التيارات الإسلامية ويرفع من وتيرة أدائها، فان تأثير الغرب وفي مقدمته أمريكا يقل يوما بعد يوم بأبعاد جدية على الصعيد الجماهيري.

تمتلك كل مجموعة وسائلها في الصراع المذهبي السني ـ الشيعي. وفي الصراع بين الإسلام والغرب ومحاولات إيران امتلاك السلاح النووي في الخليج، إضافة إلى التوتر القائم بين الدول العربية المنتجة للنفظ للحفاظ على أمن وسلامة مصادرها مع البحث الدؤوب عن أولوية الاستقرار والأمن خلال رحلة البحث عن الديمقراطية، فضلا عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة مع استمرار ردود الفعل الإسرائيلية، كل ذلك يؤدي إلى جملة من التعقيدات والى تداخل المشاكل المتفاقمة. ترى أين تقف تركيا في خضم كل هذه التعقيدات؟

مواجهة المشكلة الكردية

إنها إشكالية معقدة حقا! فتركيا تقترب من جهة من المنطقة وتتمركز "كقوة إقليمية" ، بل تقف في مواجهة الموضوع الكردي. حيث أن سياسة تركيا تجاه العراق ومهما أدعت العكس، مرتبطة تماما بتحركات أكراد العراق. فتركيا التي تؤكد باستمرار حرصها على وحدة الأراضي العراقية، تقوم سياستها في الأساس على معارضة مبدأ العراق الفيدرالي، إلا انها مع مرور الزمن بدأت بقبول ذلك على مضض. يبقى ثمة سؤال ملح :

هل ستقبل تركيا بهذا المبدأ عندما تقوم دولة كردية على مقربة من حدودها؟ لا يزال الجواب على هذا السؤال غير واضح.

مثلما يؤثر الموضوع الكردي على علاقات تركيا بالشرق الأوسط ، فأنه يؤثر في الوقت ذاته على علاقاتها مع أمريكا أيضا.

ان اتخاذ البرلمان التركي قرارا بعدم االتعاون العسكري في العراق بين تركيا وأمريكا بموجب القرار الذي اتخذته في 1 آذار / مارس 2003، أدى إلى أن تمر العلاقات بين البلدين بفترات حرج. والمشكلة نابعة كذلك من الموقف التركي من الموضوع الكردي. كما أن الموجة المضادة والمعادية لأمريكا تتعاظم يوما بعد يوم في تركيا، بسبب احتضانها ودعمها للأكراد في العراق.

النموذج التركي

في القرن العشرين لم يسمح النظام الدولي لتركيا بلعب دور "الجسر" بين الغرب والشرق الأوسط، حيث حال جو العلاقات السائدة بين نظام القطبين القائمين آنذاك دون قيامها بمثل هذا الدور. لكن مع زوال تلك الشروط عند بداية القرن الحادي والعشرين، يبدو أن لا مناص لتركيا من عبء القيام بدور تقليدي في الشرق الأوسط حسب الظروف الدولية السائدة حاليا.

ولعله من المهم ذكر خاصية أخرى وهي الإحساس بوزن ايجابي لتركيا في المنطقة، ولعل مرد ذلك أن الممثلين في المنطقة باتوا يشعرون بأن تركيا يمكن ان تشكل نموذجا في هذا المجال. ومن هذا المنطلق، فان ثقل تركيا وقيامها بدور "الجسر" في المنطقة مرتبطان بدرجة كبيرة بمصيرها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.


جنكيز جاندار
ترجمة: نصرت مردان
حقوق الطبع قنطرة 2007

جنكيز جاندار كاتب وصحفي تركي

قنطرة

قوس العلاقات المتعرج
ماذا يعني التوجه التركي الجديد نحو العالمين العربي والإسلامي في نفس الوقت الذي تسعى فيه للحصول على عضوية الإتحاد الأوروبي؟ في هذه المقالة يوضح محمد نورالدين كيف يمكن لتركيا أن تكون أداة ايجابية في تظوير علاقة العالم الإسلامي بأوروبا والولايات المتحدة

تركيا والاتحاد الأوربي
ملف شامل يناقش العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوربي من جهة والعلاقة بين تركيا والعالم الإسلامي من جهة أخرى

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.