الصورة: برنارد شميد

فرنسا:
قانون الحجاب في المدارس الحكومية

ابتداء من السنة الدراسية الجديدة في بداية شهر سبتمبر/أيلول يتعين على التلميذات المسلمات خلع الحجاب داخل المدرسة.ولاحظ مراسلنا في باريس بيرنارد شميد بأن اختطاف الصحافيين الفرنسيين في العراق لم يسبب توترات تذكر.
الصورة: برنارد شميد
مشهد من مظاهرة في باريس

​​

لم تندلع "حرب الحجاب". هذا هو الاستنتاج الإجماعي لكافة أجهزة الإعلام الفرنسية، وذلك بعد أن بدأت السنة الدراسية الجديدة في كل أنحاء البلاد بعد انتهاء العطلة المدرسية التي استغرقت شهرين.

هذه هي السنة الدراسية الأولى التي يبدأ فيها مفعول القانون الخاص بمنع التلميذات المسلمات من ارتداء الحجاب. صدر القانون المذكور في 15 مارس /آذار 2004 بعد مصادقة البرلمان الفرنسي عليه في القراءة الثالثة والأخيرة. لهذا فقد روقب بدء السنة الدراسية الجديدة بأحاسيس من التوتر والقلق.

ومما زاد من درجة التوتر هو اختطاف صحافيين فرنسيين هما كريستيا شيزنو وجورج مالبرونو في العراق في آخر آب/أغسطس، علما بأنهما ما زالا قيد الاختطاف. وكانت مجموعة الخاطفين التي ظهرت تحت اسم "الجيش الإسلامي في العراق" قد طالبت الحكومة الفرنسية منذ 28 أغسطس الماضي بسحب القانون المذكور.

بناء على رؤية هذه المجموعة التي يعتقد بأنها تضم بالإضافة إلى عراقيين عرب آخرين ذوي قناعة بكون العراق هو إحدى ساحات الحرب الدولية في هذا الصدد، فإن القانون المشار إليه لا يتعدى كونه حلقة من مسلسل المواجهة الدولية بين الحضارات والمدنيات المختلفة.

المسلمون يقيّمون القانون على أنه مسألة محض فرنسية

هذا المزعم ترفضه كافة الدوائر التي تمثّل مسلمي فرنسا البالغ عددهم أربعة ملايين. فهي تصر على كون القانون المتنازع بشأنه وبغض النظر عن كونه يعكس وجهات نظر متعددة ومختلفة إلا أنه أوجد جدلا اجتماعيا له طابع فرنسي داخلي بحت.

وحتى "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" الذي يندرج تحت التنظيمات الدولية للإخوان المسلمين والذي تطلق عليه أجهزة الإعلام والخبراء صفة "التحيز الأصولي" فقد تبنى هو أيضا هذا الموقف. فلا أحد داخل تلك التنظيمات يعتبر توجهاته متطابقة مع المجموعات المسلحة المتفرقة في العراق والتي تتعامل مع أرواح البشر على نحو عشوائي وتعسفي، لاسيما وأن الوقوف بجانب تلك المجموعات من شأنه الانعكاس سلبيا على المنظمات الإسلامية في فرنسا.

قال رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، لاج تامي بريزا في حديث له مع الصحيفة الشعبية الفرنسية "لي باريسيان": "نحن أيضا إلى حد ما(فيما يختص بهذه المسألة) بمثابة الرهائن"، معلقا على محاولة المختطفين في العراق إظهار أنفسهم كما لو كانوا ممثلين للمسلمين الفرنسيين.

مساعي الإفراج عن الرهينتين

وقد أرسل المجلس التمثيلي للمسلمين الفرنسيين الذي أسس عام 2003 بالتنسيق مع الحكومة الفرنسية وفدا عنه إلى العراق قام بإجراء اتصالات مع كافة التيارات السياسية والدينية المختلفة هناك وحثها على العمل من أجل تحرير الرهينتين الفرنسيين.

وقد نسق الوفد المذكور خطة عمله مع وزير الخارجية الفرنسي ميشيل بارنيير الذي توجه مساء 29 أغسطس (آب) إلى منطقة الشرق الأوسط في جولة تضمنت القاهرة وعمان والعاصمة القطرية الدوحة.

وقد جرى لقاء بين وزير الخارجية الفرنسي ووفد المجلس التمثيلي للمسلمين الفرنسيين المؤلف من ثلاثة أشخاص في العاصمة الأردنية عمان قبل أن يتوجهوا إلى بغداد. صدرت عن الوفد الثلاثي بعد عودته إلى فرنسا إشارات تنم عن التفاؤل. على الرغم من ذلك فقد تأخر موعد تحرير الرهينتين من قبضة مختطفيهما رغم وجود توقعات إيجابية حتى ذلك الحين. والمعروف أن الوفد اتصل بالمختطفين بطريقة غير مباشرة وعبر قنوات متعددة.

فرنسا مستهدفة

هذه ليست المرة الأولى التي تصبح فيها فرنسا في السنوات الأخيرة مستهدفة لأعمال عنف بخلفيتين شرق أوسطية وإسلامية متشددة. فقد فُجرت 1985 و1986 عدة قنابل في باريس كما تم اختطاف مواطنين فرنسيين كرهائن إبان الحرب الأهلية اللبنانية. وبقي بعضهم طيلة سنوات ثلاث رهائن في قبضة جماعات مقربة من تنظيم حزب الله الشيعي.

في تلك الحقبة اتسمت الأعمال الإرهابية إلى حد كبير بطابع التسيير من قبل أجهزة حكومية وبالتحديد من قبل إيران التي أرادت الانتقام من فرنسا لكونها كانت في السبعينات والثمانينات أحد المصادر الرئيسية لتسليح نظام صدام حسين في العراق.

وقعت في فرنسا أعمال عنف من قبل جماعات فلسطينية ولبنانية متفرقة مسيّرة من قبل إيران. في النهاية قدمت باريس تنازلات. فقد أفرج عن الرهائن في لبنان قبل أربعة أيام من انتخابات الرئاسة، ويومها لم يحرز رئيس الوزراء في ذلك الحين، جاك شيراك، الفوز في انتخابات الرئاسة.

في حينها دفعت باريس الملايين وقدمت وعودا بعدم تصدير الأسلحة للعراق، وكانت الحرب الدائرة بين العراق وإيران قد دخلت في مرحلتها النهائية.

قوة مضادة للولايات المتحدة

كانت نتيجة ذلك على الصعيد الداخلي في فرنسا وتحديدا في الفترة بين 1985 و1988 حملة منتشرة في الأوساط السياسية للجناح اليميني قوامها المطالبة ب "إجراءات قوية حاسمة" و"طرد العرب" من البلاد.

لكن حادث اختطاف الرهينتين الفرنسيين لم يرافقه مناخ شبيه بذلك، ومما ساهم في ذلك على وجه أكيد الموقف الذي اتخذه المسلمون الفرنسيون والمهاجرون المنحدرون من أصل عربي، فقد شكلت هذه الشريحة الاجتماعية جانبا هاما من المشاركين في المظاهرات الداعية إلى الإفراج عن الصحافيين الفرنسيين المخطوفين في العراق.

ومن العوامل الأخرى التي لعبت دورا هاما هو أفول نجم اليمين المتطرف بقيادة جان ماري لوبين الذي بدأ يمهد لاعتزال منصب القيادة في الجبهة الوطنية ذات النزعة الفاشية الجديدة بسبب كبر سنه.

من العوامل الهامة في هذا المضمار أيضا وجود مصلحة سياسية خارجية لفرنسا التي تود تكريس موقعها كدولة عظمى حيال التطورات الواقعة في الشرق الأوسط وبأن يكون لها دور بارز في عملية الحوار الجاري حاليا في هذه المنطقة.

ولا شك أن فرنسا نجحت في تحقيق مكاسب فيما يختص بمطامحها على صعيد السياسة الخارجية حيث أن عدة قوى سياسية في منطقة الشرق الأوسط ابتداء بمنظمة حماس الفلسطينية وانتهاء بالحكومة الإيرانية نفسها أشادت في معرض تبنيها لمطلب الإفراج عن الرهينتين الفرنسيين علنا وبشكل واضح بدور فرنسا الدولي الرامي إلى خلق " قوة مضادة للولايات المتحدة في المنطقة".

أخيرا فإن التصرف المعتدل الذي ينتهجه كلا الطرفين في هذه المسألة قد أدى إلى احتواء التصعيد في المرحلة التي رافقت بدء السنة الدراسية الجديدة. هذا لا سيما وأن وزير الثقافة الفرنسي فرانسوا فيلو قد أكد قبل بدء العام الدراسي الجديد بأن هناك توجها بعدم حرمان التلميذات المعنيات من دخول المدارس في الأسبوعين الأولين بل سيتم في تلك المرحلة اللجوء إلى الحد الأقصى من "إجراءات الحوار" قبل اتخاذ خطوات أخرى.

وقد وافقت أغلبية كبيرة من التلميذات اللواتي دخلن عتبات المدارس مرتديات الحجاب على خلعه أثناء الدرس.

بيرنارد شميد
حقوق النشر محفوظة : Qantara.de.2004

ترجمة عارف حجاج

ملفات خاصة من موقع قنطرة