حرب غزة 2014 - الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

رائحة الموت والجثث المتفسخة تملأ هواء غزة

يستغل كثير من سكان قطاع غزة الهدنة من أجل العودة إلى ديارهم السابقة. وفي الغالب يجدونها قد تحولت إلى أنقاض. بيتينا ماركس زارت غزة وتطلعنا على ما شاهدته هناك من كوارث إنسانية.

خطوات حذرة فوق الحصى الذي يصدر خشخشة، هي الصوت الذي يميز غزة اليوم. ويبدو أن هناك التزاما بالهدنة، لهذا تشجع الناس على العودة إلى بيوتهم. يعتلون أكوام الأنقاض بحثا عن آخر بقايا حياتهم السابقة. لم يعد هناك شيء يمكن إنقاذه سوى بضعة أدوات منزلية، وفراش، وبطانية ولعبة من لعب الأطفال. وعلى كل حال فقد تمكنت عائشة من الحفاظ على بضعة أوان وحوض من البلاستيك صمدت أمام القنابل وقذائف المدافع فيما يشبه المعجزة. وفي المقابل فإن مطبخ عائشة انتهى تماما، ويخترق جداره صاروخ إسرائيلي لم ينفجر طوله حوالي متر وعشرين سنتيمترا.

"كان صباح يوم أحد، عندما تم قصف المنطقة وترجرج البيت كله"، تقول عائشة. هربت الأسرة، في البداية إلى مستشفى الشفاء ومنها إلى مدرسة تابعة للأونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين). "لقد نجت أسرتي والحمد لله، لكن عمي واثنين من أبناء عمومتي لا يزالون مدفونين تحت الأنقاض".

بعدما سقطت عليه قنابل الإسرائيليين لم يبق الكثير من حي الشجاعية في غزة. فقد تحولت شوارع بأكملها إلى تراب ورماد. وعلت المنزل أنقاض الخرسانة مختلطة بقضبان الحديد الملتوية والحجارة. رائحة الموت والجثث المتفسخة منتشرة في كل مكان، فما زال كثير من القتلى مدفونين تحت المنازل التي دمرتها القنابل. ولم يعد أحد قادرا على الحياة هنا، ومعظم سكان الحي لجأوا إلى مدارس الأمم المتحدة في غرب غزة.

قذيفة اخترقت جدار منزل في حي الشجاعية. Foto: Bettina Marx
جدار مطبخ إحدى الشقق في غزة اخنرقه صاروخ إسرائيلي لم ينفجر طوله حوالي متر وعشرين سنتيمترا.

النوم بنظام النوبات

منذ ثلاثة أسابيع يعيشون هنا وسط ازدحام كامل وليست هناك نهاية في الأفق، لأنه لم يعد لديهم منازل أو بيوت. يستخدمون أغطية وبطاطين كجدران على مساحات صغيرة من الأرض لتفصلهم عن غيرهم ليناموا ويجدوا شيئا من الخصوصية. ولكن لا توجد هناك مساحة كافية بالنسبة للعائلات الكبيرة التي لديها أطفال كثيرون، تقول رائدة. "هنا يعيش15 شخصا في هذه الزاوية الصغيرة. ننام في نوبات، نصف أفراد الأسرة ينامون بالليل والنصف الآخر بالنهار".

يقضون وقتهم في الانتظار،"نحن نستمع إلى الأخبار وننتظر ماذا سيحدث بعد ذلك."، تقول رائدة وأختها وابنة عمها: ثلاث شابات جميلات، يعتنين بأطفالهن وبشقيقاتهن الأصغر سنا. "تأتي الأونروا بالماء في الصباح فنغسل ملابسنا، وفيما عدا ذلك لا يوجد كثيرا ما نفعله." في فناء المدرسة يركض الأطفال. إنهم ودودون ومبتهجون بشكل مثير للدهشة. وعلى عربة متحركة يبيع أحد التجار شراب الليمون الحلو في أكواب صغيرة. في إحدى زوايا فناء المدرسة توجد ثلاثة خزانات معدنية للمياه بها عدة صنابير. هنا يمكن لللاجئين الحصول على المياه. وإلى جوارها يوجد عدد قليل من المراحيض تقف أمامها طوابير طويلة، فما يقرب من ثلاثة آلاف شخص يسكنون المدرسة، التي غادرها بالفعل ألف شخص، وهم يبحثون عن منازل في أماكن أخرى أو يحاولون إعادة ترتيب وتجهيز منازلهم القديمة.

قطاع الصحة أعباؤه ثقيلة

بعد انتهاء المعارك أصبحت الأوضاع أكثر هدوءا في مستشفى الشفاء. معظم المرضى الذين تم قبولهم هنا في الأسابيع القليلة الماضية، إما ماتوا أو نقلوا إلى وحدات علاج أخرى. في وحدة العناية المركزة لا يزال هناك ثلاثة إصاباتهم خطيرة، فتاة صغيرة وشابان بهم كسور عديدة وإصابات داخلية نتجت عن انفجارات. الفتاة البالغة من العمر خمس سنوات لديها إصابة شديدة في المخ. كل أفراد عائلتها قضوا نحبهم، وهي الناجية الوحيدة. وبقلق تحرك ساقيها، وتفتح عينيها وتغمضهما مرة أخرى، ولا يدري الأطباء حتى الآن هل ستسبب الإصابات أضرارا دائمة لها أم لا.

أطفال في أحدى مدارس الأنوروا  في غزة. Foto: DW/Bettina Marx
إحدى مدارس الأنوروا في غزة سكن فيها حوالي ثلاثة آلاف شخص وهم يبحثون عن منازل في أماكن أخرى أو يحاولون إعادة ترتيب وتجهيز منازلهم القديمة، وفق ما رأت بيتينا ماركس.

في مستشفى الشفاء يعمل حاليا أيضا الدكتور غسان أبو ستة، الذي جاء من بيروت لدعم الأطباء في غزة ومساعدة المصابين. إنه جراح تجميل ومتخصص في جراح الحرب. وحتى في حرب غزة في نهاية 2008 وبداية 2009 كان هنا وساعد ضحايا قذائف الفسفور التي استخدمتها إسرائيل في ذلك الوقت. أما في هذه الحرب، فقد جرى على ما يبدو استخدام الكثير من القذائف التي تحتوي على معادن كثيرة ومعادن في شكل غازات تسبب إصابات مروعة تستدعي القيام بعمليات بتر.

"منذ مجيئي إلى هنا قبل نحو عشرة أيام، وأنا أقوم بإجراء خمس إلى ست عمليات يوميا" ، يقول أبو ستة. 80 بالمائة من المرضى الذين يعالجهم أبو ستة إما سيعانون من إعاقة جسدية أو من تشوهات بقية عمرهم. "إنهم أطفال ونساء وشباب، مبتوري الأطراف، أو بهم حروق شديدة في الوجه، كما أن هناك طفلا عمره ثماني سنوات فقد كلتا عينيه ونصف وجهه".

في هذه الحرب، قتل وأصيب الكثير من الأطفال، يقول أبو ستة. إنه نفسه فلسطيني وأب لثلاثة أطفال. لهذا فهو مهتم خصوصا بحالة الأطفال، الذين نجوا وحدهم وماتت أسرهم. "طفل عمره ثماني سنوات فقد بصره وتيتم بسبب الحرب، ماذا سيصبح ؟ لا أدري، من سيعتني بهؤلاء الأطفال، لا أعرف؟." يتساءل أبو ستة.

 

بيتينا ماركس

ترجمة: صلاح شرارة

تحرير: عارف جابو

حقوق النشر: دويتشه فيله 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : رائحة الموت والجثث المتفسخة تملأ هواء غزة

رفع الحصار المصري اولا

اذا لم ترفع مصر حصارها في رفح فعليها الا تعارض مطالب الفلسطينيين في الميناء والمطار وذلك اضعف الايمان.

خالد فقي08.08.2014 | 21:34 Uhr

توهم البعض أن من انحرف وباع وفرّط بالأرض ولاحق وجرّم المقاومة قد تاب فجأة وتغيّر...

توهم البعض أن السياسة التي بدأها عرفات مع أوسلو في قمع اي حراك جماهيري أو عمل مقاوم واعتباره ارهاباً يستوجب الملاحقة والسجن والتعذيب والقتل تحت التعذيب – قتل أكثر من 20 شخص تحت التعذيب في مسالخ فتح ابان حقبة عرفات...

ورغم الوضوح الكبير في نهج وممارسة عباس وفتح بالنسبة لمنع انتفاضة فلسطينية أو حماية المحتل أو الاستمرار في التنسيق الأمني الخياني ورفض اي تحرك يدين الاحتلال من غولدستون إلى محمة الجنايات...

إلا أن هذا البعض تأثر ببضع تصريحت نارية هنا وهناك وظن أنهم وبسبب الدماء التي تسيل في غزة قد نفضوا غبار الخيانة والعمالة وعادوا لصفوف الشعب الذي يحتضن المقاومة...

عفواً يا سادة، أنتم مخطئون!

لم يتغير شيء سوى ركوب الموجة والتظاهر بدعم المقاومة، لكن على الأرض لم يتغير أي شيئ...

لن نتحدث اليوم عن المواقف القديمة المعروفة التي تعتبر المقاومة، عبثية حقيرة سخيفة كارثية كرتونية، ولا عن ملاحقة المقاومين وقتلهم أو تعذيبهم حتى الموت، نتحدث فقط منذ بداية العدوان ومحاولات الظهور بالمظهر الوطني البطولي وركوب موجة المقاومة!

فقي فقي24.08.2014 | 11:32 Uhr