نجاح الثورة السورية مرهون بقدرة المعارضة على التوصل إلى صيغة وطنية توافقية تضم كل القوى السياسية في سورية
حركة الاحتجاجات في سوريا ضد نظام الأسد

''وقف الثورة ضد نظام الأسد يعني أن الشعب السوري يحفر قبره بيده''

بعد مرور أكثر من سبعة أشهر من قمع الديكتاتور بشار الأسد للاحتجاجات الشجاعة في سوريا، ما زالت التظاهرات مستمرة حتى الآن. وعلى ما يبدو فإن النظام لم يضعف حتى الآن وبالمقابل لم تتهاون المعارضة. حول خلفيات ما يحدث في سوريا حاور هانس ديمبوسكي ليلى الزبيدي، مديرة مؤسسة هينريش بول الألمانية في بيروت.

من أين تستمد المعارضة السورية نفسها الطويل؟

ليلى الزبيدي: القمع هو في الواقع وحشي حيث تشير التكهنات إلى ما يقارب الثلاثة آلاف والأربعة آلاف من المتظاهرين قد قتلوا بالإضافة إلى عشرة آلاف من المفقودين. ويرجّح أن حوالي العشرين ألفاً قد تم اعتقالهم. هذه القسوة المفرطة تزيد بدورها من حدة الاحتجاجات والسبب في ذلك يعود إلى تزايد عدد العائلات والعشائر المعنية بما يحدث والمفعمة بحالة السخط والغضب على النظام.
وتشير تصرفات الميليشيات التي تخدم الأسد، على أنها تقوم على بنية مافياوية بحتة مهمتها إبقاء السلطة بيديه وحماية نظامه، على الرغم من أن الأسد يتظاهر بتطبيق القانون والحفاظ على النظام. برامجه الإصلاحية فقدت مصداقيتها ودائماً ما طرحت .بعد فوات الأوان

ولكن هذا لا يفسر لماذا يستمر المتظاهرون بالمخاطرة بحياتهم لشهور طويلة....

ليلى الزبيدي: يقول السوريون :"نصف ثورة ضد نظام الأسد تعني أننا نحفر قبورنا بأيدينا". المتظاهرون في سوريا يعرفون أن انتقام النظام سيصبح مأساويا إذا ما استمر الأخير في الحكم. في عام 1982 قام حافظ الأسد، والد الديكتاتور الحالي بشار الأسد، بقمع عسكري لحركة الإخوان المسلمين في مدينة حماه كانت حصيلته ما يفوق العشرين ألف قتيلا، ولاحقاً تعرض كل الناجين لملاحقات ولحملات اضطهاد.

تبعاً لذلك فانه من الواضح لمنظمي لحركة الاحتجاجات الشعبية انه لا طريق للتراجع، خاصة أن موقفها يزداد قوة في ظل ارتفاع حدة الضغط الدولي على الأسد، بالإضافة إلى تزايد حالات الفرار المستمرة بين صفوف الجيش السوري.
الشارع السوري على قناعة بأن التخلص من النظام الحالي يجب أن يتحقق الآن أو أنه لن يحصل أبدا. كما أن سقوط أنظمة بن علي ومبارك والقذافي يؤكد أن الأنظمة الديكتاتورية لا تستطيع الصمود للأبد.

إذا كانت المعارضة على هذا القدر من التصميم، لماذا إذا لا يزال النظام السوري قويا؟

ليلى الزبيدي: قوة النظام السوري تعود إلى كثير من الأسباب:
- على النقيض من أنظمة بن علي ومبارك لم يخسر الأسد كامل شعبيته بسبب الاحتجاجات الحالية. كما أن معارضته للتحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل منح سياسته الخارجية تأييدا شعبيا.
- قطاعات كبيرة من الشعب السوري لم تنضم إلى الاحتجاجات حتى الآن، لكنها تأمل أن تنتهي بسرعة، على غرار الكنائس المسيحية، التي تخشى من أسلمة المجتمع، وطبقة رجال الأعمال التي استفادت في السنوات العشر الماضيات من السياسة الاقتصادية الليبرالية للنظام.
- نظام الأسد يرتكز على ولاء المؤسسة العسكرية، بينما يلعب الجيش في تونس ومصر، وهما دولتان بوليسيتان، دورا محايدا يمكنه من تبني دور الوسيط بين الشعب والنظام الحاكم، وهو ما لا يتوفر في الحالة السورية كون قيادة الجيش مرتبطة بشكل وثيق بالنظام.

ما هو تأثير انتماء الأسد والكثير من جنرالات جيشه للطائفة العلوية على ما يحدث في سوريا؟

ليلى الزبيدي: نعم، ولكن من غير الصواب تسمية النظام السوري بالعلوي، فالأسد الأب ينحدر من طبقة ريفية مهمشة اجتماعيا كأغلبية العلويين. وبالتأكيد تلاحمت هذه المجموعات مع بعضها أثناء صعودها سلم الحكم.
ومن ناحية أخرى حاول النظام السوري دمج فئات أخرى في منظومة حكمه، كما تظاهر مرارا وتكرار بأنه حامي الأقليات الدينية، وعلاوة على ذلك نجح الأسد في كسب دعم غالبية رجال الأعمال السنة المتمركزة في دمشق وحلب، لأنه تماشى مع مصالحهم الاقتصادية.

عقد الغرب آمالاً طويلة على وعود الأسد بالإصلاح، هل كان ذلك في نهاية المطاف مجرد وهم؟

ليلى الزبيدي: بدون تطبيق إصلاحات ديمقراطية وتقديم مساعدات اجتماعية حكومية لا يمكن النجاح في الانتقال من اقتصاد موجه إلى اقتصاد السوق بطريقة مقبولة اجتماعيا. الأسد يقدم نفسه كمصلح وحداثي، ولكنه لم يعر الديمقراطية اهتماما قط. فالفساد إزداد في أعقاب التحرير الاقتصادي واتسعت الفجوة في الداخل السوري بين الأغنياء والفقراء. الذين نزلوا إلى الشارع هم في المقام الأول من الطبقات الفقيرة والشباب العاطلين عن العمل من المحافظات المهمشة.

يقدم الأسد نفسه كمصلح وحداثي، وبالمقابل فان حليفه الإيراني يعتنق المذهب الشيعي. كيف يتوافق هذان التوجهان سويا؟

ليلى الزبيدي: ليس هناك من توافق ولكن إيران وسوريا يعتبران نفسيهما حصناً ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وهذا ما يعتبر لدى العديد من أهل السنة أهم من الاختلافات الإيديولوجية أو العداوات السنية-الشيعية.
وفي الوقت عينه فان نظام الأسد لم يصعّد الصراع مع إسرائيل حتى الآن إلى درجة تؤدي إلى مواجهة عسكرية. ومن المفارقات أن حزب الله أو إسرائيل يخشيان حاليا سقوط نظام الأسد.
ومنذ انطلاق الثورة السورية تعد سوريا بمثابة "دولة منبوذة" بعكس ما مثلته في السنوات الماضية من دور الضامن للاستقرار في المنطقة.

هل هناك تأثيرا فعليا للعقوبات المطروحة في مجلس الأمن على مسار الأحداث في سوريا؟

ليلى الزبيدي: بالطبع، من الواضح للسوريين انه ليس للأسد الكثير من الحلفاء، ولكن زمرته لم تنعزل إذ إن حلفاءه الإيرانيين والروس والصينيين يقدمون الدعم له.
وبعد أن صوتت الصين في مجلس الأمن ضد العقوبات المطروحة، نزل بعض المتظاهرين إلى الشارع لتأييد استقلال التيبت وهذا ما مثّل حادثة طريفة لانتقاد الحكام.

هل لتركيا تأثيرا على الأسد؟

ليلى الزبيدي: لتركيا تأثير أقل مما يعتقد رئيس وزراءها رجب طيب اردوغان. فنبرته الصوتية باتت أكثر حدة ولكن ممارساته العملية لا تتسم بهذا الوضوح. ولكن بالطبع ما زال فريقه الدبلوماسي يضغط على النظام السوري وراء الكواليس بهدف دفعه نحو الإصلاح. ولتركيا أيضا مصلحة مباشرة تتمثل في تجنب تصعيد الوضع في كردستان على صعيد المثال.

هذا ما كان عليه الوضع حتى الآن، ولكن كما يبدو أن الأكراد السوريين انضموا إلى صفوف المتمردين...

ليلى الزبيدي: منذ وقت طويل تحدث احتجاجات شعبية في المناطق الكردية، التي تعاني بشدة من التمييز. ولكن الجيش السوري لم يقم بقمع حركة الاحتجاجات بطريقة وحشية كعادته.
من ناحية أخرى، وعلى سبيل المثال، تحاول منظمة حزب العمال الكردستاني التقليل من حدة الاحتجاجات، لأنها تخشى خسارتها لهيمنتها في نظام ديمقراطي في سوريا ما بعد الأسد. ولكنها حالة الاحتقان عمت المناطق الكردية بعد اغتيال المعارض مشعل التمو.

بغاية تمثيل المعارضة تأسس المجلس الوطني السوري في نهاية سبتمبر/أيلول ويبدو لي أن هذا المجلس تشكّل متأخراً جداً وان موقفه ضعيفا أيضا...

ليلى الزبيدي: لم يكن من السهل تأسيس المجلس الوطني ولهذا تم العمل على ردم الفجوة بين المعارضة في الداخل من جهة والأخرى في الشتات. عملياً عانت المعارضة السورية ومنذ فترة طويلة من انقسامات عميقة في صفوفها. إنها تستوعب الليبراليين واليساريين والإسلاميين، وحتى داخل هذه الصفوف غالباً ما ينعدم التوافق. ولكنه من الجيد أنه يوجد الآن مجلس وطني يقدم الفرصة لتنظيم عملية سياسية تحظى بقبول كل القوى السياسية.

يتوقف النجاح في الوقت الحالي على تأجيل النقاش حول قضايا الهوية والانتماء الوطني على غرار: هل سورية أمة إسلامية؟ أو عربية؟ ولا بد من توفير الحماية للأقليات خلال مرحلة لانتقال إلى الديمقراطية. فقط على هذا الأساس يتم التوصل إلى حل سلمي وطويل الأمد. وعلى المجتمع الدولي تقديم الدعم لهذه الجهود بقدر المستطاع.

 

أجرى المقابلة: هانس ديمبوسكي
ترجمة: بلال السوسي
مراجعة: لؤي المدهون
حقوق النشر: مجلة التعاون والتنمية / قنطرة 2011

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.