حوار مع الخبير الألماني في شؤون أفغانستان توماس روتيغ

أحلام أفغانية..تأسيس أحزاب فوق عرقية بتوجهات ديمقراطية

لم يعد بوسع الرئيس الأفغاني حامد كرزاي الترشّح لانتخابات نيسان/ أبريل 2014 الرئاسية الأفغانية بعد أن شغل هذا المنصب لولايتين متتاليتين. ونهاية فترة حكمه التي استمرت 12 عامًا تمثِّل نهاية حقبة للبلاد. أولريش فون شفيرين تحدَّث مع الخبير في الشؤون الأفغانية، توماس روتيغ من "شبكة محللي شؤون أفغانستان" ، لموقع قنطرة، حول الآفاق المستقبلية السياسية في أفغانستان والوضع السياسي هناك.

جرت السخرية من حامد كرزاي بالقول إنه رئيس لبلدية كابول كما تم التشهير به بالقول إنه دمية في يد الأمريكيين. فما مدى أهمية الرئيس الأفغاني على أرض الواقع وتأثيره في النظام السياسي في أفغانستان؟

توماس روتيغ: على الرغم من أنَّ وصفه كرئيس لبلدية كابول كان وصفًا جذابًا، بيد أنَّه ومنذ البداية لم يكن صحيحًا - سواء فيما يتعلّق بحقوقه الدستورية أو فيما يتعلّق بعمله. والصحيح هو أنَّ كرزاي تم اختياره من قبل الأمريكيين، الذين كانوا يريدون خلق نظام سياسي وفقًا لتصوراتهم: نظام رئاسي من دون رئيس للوزراء. لقد كانوا يريدون العمل في أفغانستان مع رجل قادر على فرض أمور معيَّنة.

في البداية قام الأمريكيون بحشد حلفائهم القدامى من فترة الحرب الباردة، أي المجاهدين، من أجل إلحاق الهزيمة بطالبان. وقد سمح ذلك لأمراء الحرب بإعادة احتلالهم لمراكز سلطتهم القديمة من جديد - مثلما كانت الحال مثلاً مع إسماعيل خان في هرات وكذلك رشيد دوستم وعطا محمد نور في الشمال. ولهذا السبب فقد كانت سلطة كرزاي محدودة في البداية، ولكنه مع مرور السنين قام بتعيين رجاله المقرّبين في المحافظات وبتوسيع نفوذه السياسي بشكل ملحوظ.

هل يعني هذا أنَّه قام بتعزيز السلطة المركزية في المناطق الهامشية؟

توماس روتيغ: صحيح أنَّ كرزاي قد تمكَّن من توطيد حكمه، بيد أنَّ إدارته ظلت إشكالية. ومع أنَّه قد وصل إلى السلطة، وكان صاحب القرار، لكنه لم يستخدم منصبه بما فيه الكفاية من أجل تحسين الظروف المعيشية للمواطنين الأفغان، أي أنَّه لم يؤدِّ المهام الأساسية في الدولة. ويعود سبب ذلك إلى الفساد، وكذلك أيضًا إلى كونه كان يدافع على نحو متزايد عن المصالح الفئوية، خاصة مصالح البشتون في الجنوب.

ما هو دور البرلمان في السياسة الأفغانية؟

توماس روتيغ: نظام الحكم في أفغانستان نظام رئاسي قوي، يتم فيه حصر سلطة الرئيس بقيود جزئية فقط من قبل البرلمان. ولكن على الصعيد العملي كثيرًا ما كان كرزاي يتجاهل البرلمان أيضًا. ومشكلات النظام الأفغاني الأساسية تكمن في اختلال التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وكذلك في غياب "الضوابط والتوازنات". وأخيرًا لا يملك البرلمان الأفغاني إلاَّ سلاحًا واحدًا فعَّالاً: أي إمكانية مساءلة الوزراء. وقد حدث هذا أيضًا عدة مرات.

هناك مشكلة أخرى تكمن في معاناة البرلمان من الانقسامات. وعلى الرغم من السماح بترخيص الأحزاب، ولكن لا يُسمح للأحزاب بإعداد قوائم تضم مرشّحين لخوض الانتخابات ولا بتشكل كتل برلمانية. وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الكثيرين من النوَّاب ينظرون إلى أنفسهم كممثِّلين لدوائرهم ويحاولون الحصول على أي شيء لصالح هذه الدوائر. وهذا يأتي على حساب وجودهم في البرلمان ومهمتهم التشريعية. ويضاف إلى ذلك أنَّ عملية خوض الانتخابات تمثِّل دائمًا عملاً استثماريًا يجب تسديد تكاليفه. وهذا يفتح بطبيعة الحال أبواب الفساد.

الرئيس الأفغاني حامد كرزاي. Foto: picture-alliance/dpa
في شهر نيسان/ أبريل 2014 تنتخب أفغانستان رئيسًا جديدًا: لم يعد بإمكان الرئيس الحالي، حامد كرزاي الترشّح للانتخابات الرئاسة من جديد بعدما شغل منصب الرئاسة لولايتين متتاليتين. والآن يجب علينا الانتظار لمعرفة كيف سيكون شكل مستقبل أفغانستان السياسي.

ما هو تأثير أمراء الحرب حتى الآن في الحياة السياسية؟

توماس روتيغ: بالنسبة لي لا يزال من غير المعروف إن كانت الكأس نصف ممتلئة أو نصف فارغة. وعلى الرغم من الحد من سلطة العديد من أمراء الحرب، ولكن في الوقت نفسه لقد اضطر كرزاي إلى الرضوخ لهم أيضًا. وهذا يرتبط  بالقرارات والإجراءات التي تم اتخاذها في البداية، حينما أجبره الأمريكيون على التحالف مع أمراء الحرب. في حين أنَّه لم يكن يريد ذلك على الإطلاق. بل لقد اتّبع في البداية نهجًا يسير مع الإصلاح ومع الديمقراطية، حتى لاحظ في آخر المطاف أنَّ الخطاب الديمقراطي في الغرب بعيد كلَّ البعد عن الواقع العملي في أفغانستان.

أمَّا اليوم فإنَّ قوة العديد من أمراء الحرب باتت محدودة من خلال استيعابهم ودمجهم في الوظائف الحكومية. ولكن صارت لديهم اليوم وسائل أخرى تختلف عن ممارسة العنف السافر. وهذا تطوّر يسير في اتِّجاه لا رجعة فيه. بعد انسحاب القوَّات الأجنبية، سيزول قسم من السيطرة وكذلك سيصغر حجم الكعكة التي يتم تقاسمها. بالإضافة إلى ذلك، فقد انخفضت عتبة العنف بسبب زيادة التسليح والعسكرة في البلاد - بقوَّات أمن كبيرة ومقسَّمة إلى أقسام، بالإضافة إلى العديد من الميليشيات التي لا تمكن السيطرة عليها تقريبًا. هؤلاء المسلحون يمثِّلون جبلاً من المواد المتفجرة.

هل يعني هذا برأيك عدم حدوث تغييرات كثيرة مع رحيل الجيل القديم؟

توماس روتيغ: لقد رحل حتى الآن قسم من أقدم أمراء الحرب، ولكن يجب أن نُدخل في حسابنا أنَّ الذين لا يزالوا على قيد الحياة ربما سيرحلون بعد عقد أو عقدين من الزمن. وفي الوقت نفسه هناك نوع من الميل إلى أفراد الأسرة يكمن في توريث أمراء الحرب وقادة الأحزاب مناصبهم لأبنائهم. ويُلاحَط في ذلك أن التنشئة الاجتماعية الأفغانية تفرض نفسها من جديد، على الرغم من أنَّ معظم هؤلاء الأبناء قد درسوا في الغرب.

كذلك لا تزال البنى الاجتماعية القديمة قائمة. ومع أنَّها قد تقوَّضت جزئيًا بسبب الحرب والعنف، ولكن التفكير الهرمي القديم لا يزال موجودًا: فطالما كان ربُّ الأسرة موجودًا، فهو الذي يحدِّد كلَّ شيء. ولهذا السبب فإنَّ الكثيرين من جيل الشباب يتَّبعون المسارات نفسها مثل القدماء. وعندما يجد أحدهم نفسه في منصب رسمي، فعندها ينسى بسرعة انتقاداته السابقة ويبقى طول الوقت يجمع ما يمكنه جمعه من المال.

ما مدى العلاقة بين السياسات وبين الانتماءات العرقية؟

توماس روتيغ: على الرغم من أنَّ العنصر العرقي يلعب دورًا مهمًا، ولكن كثيرًا ما تتم المبالغة في هذا العنصر. فالجماعات العرقية لا تشكِّل مجموعات متجانسة، بل مجموعات منقسمة داخليًا. وفي داخل كلِّ مجموعة يوجد زعماء متنافسون. زد على ذلك أنَّ كل طرف من الأطراف السياسية يحاول إظهار نفسه على أنَّه ليس مجرَّد ممثّل لجماعة عرقية ما. ومن قِبَل جيل الشباب بالذات تم بذل محاولات بعد نهاية نظام طالبان من أجل تأسيس أحزاب فوق عرقية وذات توجهات ديمقراطية، إلاَّ أنَّ هؤلاء الشباب لم يحصلوا من الغرب على الدعم الذي يستحقونه، وهم اليوم مع الأسف مهمشون.

صحيح أنَّ جميع المرشحين للرئاسة لديهم فرق عمل مختلطة الأعراق، لكن يعود سبب ذلك أيضًا إلى وجود قاعدة عُرفية غير مكتوبة تحدِّد أن رئيس الدولة يجب أن يكون من البشتون، وأنَّ نائبيه كليهما ينتسبان إلى جماعات عرقية أصغر. ففي نهاية المطاف أفغانستان لم تقلع قطّ عن التفكير العرقي. وهذا يزيد من صعوبة تكوين هويات جديدة ومعسكرات سياسية جديدة نظرًا إلى القضايا الجوهرية. وحتى الآن لا يزال الأمر يتعلَّق بالسلطة، أي بمسألة: هل السلطة لديك أنت أم لدي أنا؟ ونتيجة لذلك، فإنَّ جميع البرامج الانتخابية تبدو متشابهة.

توماس روتيغ. Foto: picture-alliance/dpa
توماس روتيغ مؤسِّس ومدير مشارك في "شبكة محللي شؤون أفغانستان"، التي تتكوَّن من مجموعة من الخبراء المستقلين. يرى الخبير توماس روتيغ أنَّ الرئيس كرزاي قد "تمكَّن من توطيد حكمه، بيد أنَّ إدارته ظلت إشكالية".

ماذا عن دور القضاء؟ هل هو اليوم أكثر استقلالاً؟

توماس روتيغ : السلطة القضائية بالذات بعيدة كلَّ البعد عن الاستقلال، لأنَّها تخضع وبقوة إلى السلطة التنفيذية، بالإضافة إلى خضوعها إلى سيطرة حليف كرزاي، عبد الرسول سياف. والقضاء واحد من المجالات الأكثر تعقيدًا في أفغانستان. ويعود ذلك أيضًا إلى وجود ثلاثة أنظمة من القوانين: الشريعة الإسلامية والقانون القبلي والقانون الحديث، وكثيرًا ما تحدث صدامات بين هذه الأنطمة الثلاث. خاصة لأنَّ بعض النسبيين الموجودين في القمة يقولون: ليست جميع حقوق الإنسان متوافقة مع فهمنا لهذه الحقوق في الإسلام، وفي حالة الشكّ تكون الأولوية للشريعة الإسلامية.

أَلا يعكس هذا أيضًا التصورات القانونية المنتشرة لدى الأهالي في أفغانستان؟

توماس روتيغ: أعتقد أنَّ هذه مقاربة لها إشكاليتها. بطبيعة الحال إنَّ للدين والقانون القبلي جذورًا عميقة لدى الأفغان. ولكن يجب علينا ألاَّ ننسى أنَّ القانون القبلي يستثني نصف المواطنين، أي النساء، بالإضافة إلى أنَّ المرأة تخضع في إسلام الحياة اليومية للرجل. زد على ذلك أنَّ معظم ما يروَّج له على أنَّه تقليدي، لم يعد تقليديًا منذ عهد طويل. فالهياكل الاجتماعية أصيبت بأضرار كبيرة بعد ثلاثين عامًا من الحرب. وكثيرًا ما يتم تحديد الاتِّجاه من قبل الجماعات المسلحة، التي تمنح نفسها الشرعية دينياً ولا تسمح بأي اعتراض.

هل توجد بوادر لوضع تفسير منفتح للإسلام؟

توماس روتيغ: أرى أنَّ المجال في أفغانستان أقل بكثير مما هو عليه في بعض الدول العربية أو في تركيا. وذلك لأنَّ الاتِّجاه الاجتماعي العام في أفغانستان محافظ - ويعود ذلك أيضًا إلى العنف المنظم. لقد خرجت بواعث الفكر الوحيدة في أفغانستان من صفوف الشيعة. ولكن غالبًا ما كان يتم رفضها من قبل المتشدًّدين السنة وتفسيرها بأنَّها كفر. وفي ظل هذه الظروف لا يمكن خوض نقاش عام حول نظريات تقدمية. إذ لا توجد لمثل هذا النقاش أية مساحة من الحرية؛ ولكن هذا لا يعني بطبيعة الحال عدم وجود مثل هذه الأفكار.

هل يمكن التوصّل بعد انسحاب القوَّات الدولية إلى تسوية مع حركة طالبان؟

توماس روتيغ: تتم مناقشة هذا الموضوع بصورة مكثفة. ومع انسحاب القوَّات الأجنبية من الممكن أن يزول الدافع للقتال لدى قسم من حركة طالبان. ولكن حتى إذا كان من الممكن إشراكهم في الحكم، فإنَّ النظام السياسي لن يتغيَّر، بل وعلى أكثر تقدير سوف يدعم ذلك الميول الإسلامية القائمة. وهذا لن يكون حلاً. وبدورهم يريد الأمريكيون إبقاء قسم من قوَّاتهم في البلاد وسيكون معظم أفراد هذه القوَّات من أفراد "القوَّات الخاصة" - الذين يعتبرون الأقسى على الإطلاق، والذين يخلقون الآن نزاعات كثيرة. وقد يكون ذلك كافيًا لدفع المتمردين إلى مواصلة القتال.

 

حاوره: أولريش فون شفيرين

ترجمة: رائد الباش

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

 

توماس روتيغ مؤسِّس ومدير مشارك في "شبكة محللي شؤون أفغانستان" التي تتكوَّن من مجموعة من الخبراء المستقلين. عاش أكثر من عشرة أعوام كدبلوماسي وصحفي ومستشار في أفغانستان وعمل هناك لصالح الأمم المتَّحدة والاتِّحاد الأوروبي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.