ملالي جويا، الصورة: أ.ب
حوار مع النائبة الأفغانية ملالي جويا:

"كرزاي رمز للفساد ويداه ملطختان بالدماء "

النائبة الأصغر سنا التي دخلت البرلمان الأفغاني والمدافعة عن حقوق الإنسان ملالي جويا تنتقد في هذا الحوار الذي أجرته معها أندين تيغين التدخّل العسكري من قبل الغرب في أفغانستان، بالإضافة إلى السياسة التي تتَّبعها حكومة حامد كرزاي، وكذلك موازين القوى في البرلمان الأفغاني.

ملالي جويا، الصورة: أ.ب
: تقول ملالي جويا:"الديمقراطية والحرية لا تعتبران باقة من الأزهار يمكن للمرء تقديمها بهذه البساطة للأمة. وذلك لأنَّ هناك قيمًا لا تمكن استعادتها إلاَّ من خلال جهود المواطنين بالذات".

​​ السيدة جويا، لقد وُلدت في أفغانستان وأمضيت ستة عشر عامًا في المنفى. ومنذ طفولتك لم تعرفين بلدك أفغانستان، إلاَّ وهي في حالة حرب، ومع ذلك قررتي العودة إلى أفغانستان. فلماذا؟

ملالي جويا: منذ ولادتي يعاني هذا البلد من استمرار الظلم والقمع. وتعرَّفت خير معرفة على معاناة رجال بلدي ونسائه، كما أنَّني وبصفتي امرأة متعلمة وواعية سياسيًا اعتبرت في وقت ما أنَّ من واجبي مساعدة أبناء بلدي وخاصة النساء المقموعات.

مِمَ يعاني المواطنون الأفغان في يومنا هذا أكثر معاناة؟

جويا: الوضع بمجمله يشكِّل كارثة. والناس لا يشعرون بالأمن والاستقرار، إذ إنَّهم لم يعودوا يرسلون أطفالهم إلى المدرسة، وذلك لأنَّهم يخافون من أن يتم خطفهم أو أن يتم اغتصاب البنات بشكل خاص. وحالات الاغتصاب ترتفع حاليًا بشكل هائل، وكذلك أيضًا حوادث الاختطاف والقتل. وكذلك ما يزال العنف الأسري يدفع الكثير من النساء إلى تفضيل قتل أنفسهن على تحمّل الذل والشقاء.

أمراء الحرب، الصورة: أ.ب
جويا التي يبلغ عمرها 32 عامًا تتَّهم حركة طالبان وزعماء الحرب ومهرِّبي المخدِّرات بأنَّهم أشعلوا بعد انسحاب السوفييت من أفغانستان حربًا على السلطة ودمَّروا البلاد من خلال ذلك عن بكرة أبيها.

​​ منذ أن بدأت الولايات المتَّحدة الأمريكية وحلفاؤها عملياتهم العسكرية في أفغانستان بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر التي أدت إلى سقوط حركة طالبان ازدادت في البلاد حقوق المرأة عما كانت عليه الحال من قبل. وأنت بالذات تمكَّنت من ترشيح نفسك للانتخابات وأصبحت نائبة في البرلمان في العام 2005...

جويا: أنا لم أصبح نائبة برلمانية من خلال الحرب. كما أنَّني أرى أنَّ مجيء الأمريكيين ليس في صالح رسالتي. فالولايات المتَّحدة الأمريكية احتلت أفغانستان باسم الحرب على الإرهاب. ولكن الأمريكيين أوصلوا في الحقيقة مع تحالف الشمال إرهابيين إلى الحكم، يعتبرون أسوأ بكثير من حركة طالبان. ووجودي في البرلمان لم يكن يستخدم إلاَّ كواجهة، وذلك من أجل ذرّ الرماد في عيون العالم وتضليله؛ ومن المفترض أن يعتقد الجميع أنَّ في هذا البلد ثمة سلام وديمقراطية.

ما هو رأيك في نشر المزيد من القوَّات الأمريكية وتوسيع نطاق عملها بقرار من الرئيس باراك أوباما؟

جويا: هذا الاحتلال المستمر منذ ثماني سنوات بيَّن للمواطنين الأفغان قبل كلِّ شيء أنَّ الولايات المتَّحدة لن تتخلَّص من حركة طالبان. والطالبان لم يصابوا تقريبًا بأي هزيمة حاسمة؛ بل على العكس من ذلك، فقوَّتهم تزداد باستمرار، وذلك لأنَّه يتم دعمهم أيضًا من باكستان.

والولايات المتَّحدة الأمريكية لا تريد ببساطة إلاَّ إظهار قوَّتها السياسية، وإظهار وجودها لأسباب استراتيجية إقليمية واقتصادية. وحتى الآن تم قتل أكثر من ثمانية آلاف شخص مدني على يدِّ القوَّات الأجنبية. وهذا الحشد العسكري المتنامي باستمرار يعني دائمًا المزيد من الحرب وحوادث القتل والمآسي.

ماذا يمكن أن يكون البديل لعمليات القوَّات الأجنبية؟


تعتبر أفغانستان طبقًا لمعلومات الأمم المتَّحدة أكبر منتج في العالم للأفيون المستخرج من الخشخاش والذي صار حجم تداوله وريعه يشكِّل الآن تقريبًا نصف الناتج المحلي الإجمالي في أفغانستان

​​ جويا: هناك بدائل يمكن أن تكون أقلَّ دموية. والخطوة الأولى هي نزع أسلحة زعماء الحرب السابقين وتجريدهم من سلطتهم السياسية. وينبغي أن يتم إبعاد ميليشياتهم الخاصة بشكل تام، وكذلك ينبغي أن تتم معاقبتهم على كلِّ جرائم الحرب التي اقترفوها في الماضي.

وينبغي كذلك تأسيس حكومة علمانية وديمقراطية ومستقلة. ولن يكون هناك سلام، طالما ظلَّت الجماعات الأصولية المتطرِّفة تملك السلطة في البرلمان، باعتبارها قوى سياسية وعسكرية، يتم أيضًا وعلاوة على ذلك دعمها من قبل الغرب.

والعدالة الاقتصادية تشكِّل قضية أخرى؛ إذ تم إغراق أفغانستان بمليارات من الدولارات، بيد أنَّ المواطنين الأفغان ما زالوا يعانون من الجوع مثل ذي قبل. وهنا ينبغي أن يتم إنشاء صناعات محلية، وخلق فرص عمل، بالإضافة إلى إيجاد بدائل عن إنتاج الأفيون. ولكن تحقيق هذا يعدّ في يدِّ الشعب؛ فالديمقراطية والحرية لا تعتبران باقة من الأزهار يمكن للمرء تقديمها بهذه البساطة للأمة. وذلك لأنَّ هناك قيمًا لا تمكن استعادتها، إلاَّ من خلال جهود المواطنين بالذات.

كيف يمكن أن يبدو حسب رأيك انسحاب القوَّات الأجنبية من أفغانستان على أرض الواقع؟ وهل تعتقدين أنَّ زعماء الحرب وحركة طالبان لن يشعروا من جديد بأنَّهم في منأى عن الرقابة ويقوموا مرة أخرى بترويع المواطنين؟

جويا: من الصعب القول ما الذي سيحدث بالتفصيل. ولكنَّنى مقتنعة بأنَّ الأوضاع سوف تتحسَّن. وحاليًا تفرض قوَّات الاحتلال سيطرتها على كلِّ السماء، وتقوم بإلقاء قنابل عنقودية وقذائف يورانيوم. وفي المقابل يفرض زعماء الحرب والطالبان الأصوليون المتطرِّفون سيطرتهم على الأرض. وفي حال الانسحاب سيكون المواطنون بشكل رئيسي أمام عدوَّين متحاربين كبيرين ومحليين - أي تحالف الشمال وحركة طالبان.

قوات طالبان
تقول ملالي جويا: "في حال انسحاب القوَّات الدولية سيكون المواطنون بشكل رئيسي أمام عدوَّين متحاربين كبيرين ومحليين - أي تحالف الشمال وحركة طالبان".

​​ وهاتان الجماعتان لا تكادان تتمتَّعان بفرص من أجل الاستيلاء مرة أخرى على السلطة. والمواطنون يكرهون حركة طالبان حتى النخاع. وأمَّا بخصوص تحالف الشمال، فهو بحسب رأيي معزول تمامًا، بحيث أنَّه لم يعد من الممكن أن ينضم إليه أي شخص. فهذا التحالف عامل أبناء شعبنا معاملة سيئة ووحشية للغاية، حتى إنَّه لم يعد لديه أي أتباع. وأنا لا أثق كثيرًا بتقديرات بعض الأشخاص ممن يقولون إنَّ تحالف الشمال سيقوم بتمرّد أو إنَّ حركة طالبان سوف تنظِّم صفوفها من جديد ويمكن أن تعود إلى قوَّتها السابقة.

ما هو أكثر شيء تنتقدينه في سياسة الرئيس حامد كرزاي؟

جويا: إنَّ يديّ حامد كرزاي ملطختان بالدماء. وهو دعم كذلك مجرمين مشبوهين - أشخاصًا كانوا قبل الغزو العسكري الأمريكي يقمعون المواطنين، وأصبحوا يجلسون الآن في البرلمان. وكرزاي وضعهم في مناصب رفيعة المستوى؛ كما أنَّه اختار قبل فترة قصيرة كلاً من قاسم فهيم وكريم خليلي لمنصبي نائبي الرئيس. وكلاهما كانا متورِّطين في عدد كبير جدًا من الجرائم وعمليَّات القتل في الفترة من العام 1992 وحتى العام 1996.

وكرزاي يعتبر في أعين الناس خائنًا، وذلك لأنَّه خيَّب آمالهم، بعد أن حصل على أصواتهم. وهو يذرف بشكل مؤثِّر في وسائل الإعلام دموع التماسيح ويلقي خطابات كبيرة، ولكن كلماته الفارغة لا تخدم إلاَّ في تضليل العالم وخداعه. وهو ليس إلاَّ مجرَّد دمية تحرِّكها الولايات المتَّحدة الأمريكية، ويمتثل لأوامرهم.

لِمَ تم إيقافك عن العمل بعد عامين من توليك منصبك كنائبة في البرلمان؟

جويا: ما يزال الرجال يشكِّلون حتى يومنا هذا الأغلبية في البرلمان. وعلى الرغم من ذلك فقد تم تأييد طردي من البرلمان أيضًا من قبل العديد من النساء المتطرِّفات. وعلاوة على ذلك فإنَّ زعماء الحرب السابقين يفرضون سيطرتهم في البرلمان على كلِّ شكل من أشكال السلطة. وهم كذلك يفرضون سيطرتهم على وسائل الإعلام، تمامًا مثلما يسيطرون على كلِّ صحفي.

وعلى سبيل المثال عندما يتحدَّث أحد ما عن بعض جرائمهم، فعندئذ يتم إمَّا تهديده أو قتله على الفور. وهناك الكثير جدًا من المخالفات القانونية والخروقات. ومثال ذلك هو قضية الفتاة بشيرة التي تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا؛ وقد تم اغتصبها من قبل ابن حاجي پاينده Haji Payinda. وحاجي پاينده هذا هو مجرم حرب سابق من تحالف الشمال، وعضو في البرلمان؛ رشا رجال الشرطة الذين أطلقوا بعد ذلك سراح ابنه.

نسوة أفغانيات
ملالي جويا تعارض أيضًا قانون شؤون الأسرة الجديد الذي صدر في شهر آذار/مارس الماضي ومن المفترض أنَّه يفرض المزيد من القيود على حقوق النساء الشيعيات في أفغانستان

​​ هل تم تهديدك بشكل مباشر من قبل مسؤولين في الحكومة؟

جويا: بكلِّ تأكيد، وفي مرَّات كثيرة جدًا. وعبد الرب سياف الذي يعدّ من زعماء الحرب الأصوليين المتطرِّفين في البرلمان، قام بتهديدي. وكذلك تم تهديدي من قبل قادته الذين شتموني مرَّات لا تحصى، وهاجموني في البرلمان. ولكن كذلك كان هناك نساء هدَّدوني بالقتل. والنائبة نورضيا أتمر قالت لي ذات مرة: "سوف أفعل بك أشياء لن يجرؤ حتى الرجل على فعلها". وكان هناك أوقات كانت فيها بعض النساء بالنسبة لي أشدّ خطورة من الرجال في البرلمان.

أنت تصفين نفسك بأنَّك إنسانة يغلب عليها الخجل، تحتَّم عليها حتى فترة متأخِّرة من سن البلوغ العمل من أجل اكتساب احترامها. فكيف تحوَّلتي إلى مناضلة من أجل الحرية واثقة بنفسها؟

جويا: في الحقيقة لم أصبح أكثر ثقة بنفسي إلاَّ في فترة شبابي، ومنذ أن قمت في المنفى بتدريس أطفال ومراهقين وأشخاص مسنِّين. وهنا أدركت بسرعة أنَّه من الممكن لي أن أحقِّق بوسائل قليلة شيئًا حسنًا. وأنا واثقة بأنَّ قيمًا مثل السلام والديمقراطية والعدالة سوف تنتصر مرة أخرى. ومعاناة أبناء شعبي وصرخاتهم منحتني الشجاعة للنهوض ولرفع صوتي.

هل لديك قدوة كبيرة تقتدين بها في نشاطك من أجل السلام واحترام حقوق الإنسان في أفغانستان؟

جويا: لقد كانت مُلهمتي الكبرى امرأة مدافعة عن حقوق المرأة، اسمها مينا، التقيتها ذات مرة عندما كنت طفلة، ولكن في الحقيقة هناك العديد من ناشطات السلام اللواتي احترمهن وأقدِّرهن. وكذلك لقد تعلمت الكثير من والدي. وقد كان والدي من "المجاهدين" الحقيقيين، أي المناضلين من أجل الحرية الذين بذلوا ما في وسعهم من أجل استقلال بلدهم. ولكن في فترة لاحقة انضم إليهم الكثيرون من زعماء الحرب ورؤساء العصابات، ممن أطلقوا على أنفسهم اسم مجاهدين، ومع ذلك ارتكبوا العديد من الجرائم باسم الإسلام. وهذا أساء إلى اسم المجاهدين وإلى سمعتهم.

كيف تتعاملين مع هذه التهديدات المستمرة ومخاطر التعرّض لهجوم؟

جويا: لقد أصبحت هذه التهديدات جزءًا من حياتي. ولكنَّها لا تخيفني، فأنا لا أقول سوى الحقيقة. ولكنَّني في الحقيقة لا أنام في الليل إلاَّ قليلاً، كما أنَّني أُغيِّر مكان إقامتي أحيانًا بصورة يومية، وأحيانًا في كلِّ ليلتين. وفي هذه الأثناء تعوَّدت على ذلك.

أجرت الحوار أندين تيغين
ترجمة: رائد الباش
حقوق الطبع: قنطرة 2009

ملالي جويا تم انتخابها في العام 2005 كأصغر نائبة في البرلمان الأفغاني. وكانت تعيش في السابق لاجئة في إيران وباكستان. وبعد أن عادت إلى أفغانستان، أنشأت مستوصفًا ودارًا للأيتام. وفي العام 2007 تم عزلها من منصبها كنائبة برلمانية، واستمرَّت في نضالها خارج البرلمان. وفي شهر آذار/مارس 2009 حصلت في مدينة روتردام الهولندية على الجائزة الدولية لمكافحة التمييز عن نشاطاتها. وصدرت الآن عن دار نشر Piper ترجمة كتابها إلى الألمانية تحت عنوان: "أنا أرفع صوتي. امرأة تناضل ضدّ الحرب في أفغانستان".

قنطرة

حوار مع وزير الخارجية الأفغاني رانجين دادفار سبانتا:
"لن ندع حركة طالبان والإرهابيين يخيفوننا"
يتحدث وزير الخارجية الأفغاني، رانجين دادفار سبانتا، في هذا الحوار الخاص مع لؤي المدهون عن عدة قضايا تتعلق بحاضر أفغانستان ومستقبلها، لاسيما الانتخابات الرئاسية المقبلة والاستراتيجية الأمريكية الجديدة في البلاد ومعضلة التعامل مع حركة طالبان، بالإضافة إلى المجتمع المدني في أفغانستان.

استراتيجية بديلة لأفغانستان:
العراق نموذجا لأفغانستان؟
يرى غيدو شتاينبرغ، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في أفغانستان تحتم على الأوروبيين اتخاذ قرارات مهمة تصب في دعم رؤية أوباما بشأن الصراع في هذا البلد، متسائلا في الوقت ذاته عمّا إذا كانت الاستراتيجية الأمريكية في العراق يصلح تطبيقها في أفغانستان.

مؤتمر باريس لمساعدة أفغانستان:
المساعدات الدولية ضحية لعنة الفساد وكابوس طالبان
في مؤتمر باريس لمساعدة أفغانستان وعد المجتمع الدولي كابول بمنحها مساعدات سخية يصل حجمها إلى نحو 21 مليار دولار. ومن المقرر أن يتم صرف هذه الأموال في الأعوام الخمسة القادمة بطريقة أكثر شفافية وأكثر توجهًا نحو الأهداف المرجوة مما كانت عليه الحال حتى الآن. الخبير بالشؤون الأفغانية مارتين غيرنر يستعرض هذه الوعود والآمال.

ملفات خاصة من موقع قنطرة