الروائية اللبنانية إيمان حميدان يونس، الصورة: د.ب.ا

حوار مع الروائية اللبنانية إيمان حميدان يونس:
الطائفية عائق في وجه التطوّر الوطني

أثارت أعمال الكاتبة اللبنانية، إيمان حميدان يونس، الكثير من الاهتمام على مستوى عالمي، وذلك من خلال لغتها الشعرية الواضحة ونظرتها الدقيقة على حياة أبطالها الداخلية. أريانا ميرزا في حوار مع هذه الكاتبة حول الحرب والفن والمجتمع.
الروائية اللبنانية إيمان حميدان يونس، الصورة: د.ب.ا
"نحن بحاجة إلى دولة لبنانية نشعر فيها جميعًا بأنَّنا مواطنون، ولا نشعر فيها بأنَّنا أتباع طوائف ومذاهب، وأعضاء جماعة ما"

​​ السيِّدة حميدان يونس، لقد عايشت الحرب وكتبت حولها. كما تمثل الهجرة أحد الموضوعات الرئيسية في روايتك التي تتحدَّث حول الحرب الأهلية، "باء مثل بيت .. مثل بيروت". وبالإضافة إلى ذلك أنت من أسرة كانت تعيش قبل جيلين في الريف وتعمل تقليديًا في تربية دودة القز. وخلفيتك هذه كانت نقطة الانطلاق في روايتك الثانية، "توت بري". فكم يوجد في رواياتك من الخيال ومن سيرتك الذاتية؟

إيمان حميدان يونس: رواياتي تعتبر خيالية. وبالنسبة لرواية "توت بري" على الرغم من أنَّني قد حوَّلت بعض المعلومات التي أعطاني إياها والدي، إلاَّ أنَّ هذه الرواية لا تحكي سيرة ذاتية؛ وبطلتها، سارة شخصية خيالية. ولكن مع ذلك توجد فيها قصة أصلها من تاريخ أسرتي، وهذه القصة ألهمتني. وفيها هربت زوجة جدي الثانية منه، لقد فرَّت من بطش هذا الرجل ومن جنون السلطة لديه، ومصيرها يبقى مجهولاً. وأنا فرحت لهذه السيدة عندما سمعت القصة؛ ومثلما قلت فقد ألهمتني.

إبَّان الحرب الأهلية اللبنانية تم إنتاج الكثير من الأعمال الأدبية، كما دخلت المرأة اللبنانية بصورة متزايدة ساحة الأدب. فكيف تفسرِّين ذلك، لاسيما وأنَّ كتابك الأوّل صدر بعد فترة قصيرة من نهاية الحرب الأهلية في عام 1991!

حميدان يونس: لقد كسرت الحرب التقاليد الأدبية. والرواية اللبنانية الحديثة من إنتاج الحرب.

كيف يمكن تقييم ذلك؟

صورة أرشيفية للحرب الاهلية في لبنان
حميدان يونس: لقد كسرت الحرب التقاليد الأدبية. والرواية اللبنانية الحديثة من إنتاج الحرب

​​ حميدان يونس: الحرب لا تعتبر إيجابية قطّ. وفي البدء أريد التشديد على ذلك. ولكن عندما أحاول التعرّف على جانب إيجابي واحد في هذه الحرب، فهو أنَّها كسرت التقاليد، التقاليد الاجتماعية وحتى التقاليد الاجتماعية التي كانت حتى ذلك الحين قوية للغاية، والأحكام الصارمة للغاية التي كانت تحدِّد كيف كان الرجال ينظرون إلى المرأة. ومنذ ذلك الحين لم تعد المرأة مجرَّد أمّ وزوجة؛ فقد أصبحت كذلك منذ ذلك الحين مختلفة يجب النظر إليها باعتبارها كائنًا مستقلاً.

والحرب لم تدمِّر فقط أجهزة الأمن عند الناس، بل دمرَّت أيضًا المعايير الاجتماعية. ومن خلال ذلك نشأ شيء جديد. والكتاب والفنانون صاروا يرفعون أصواتهم وصار يتم سماعهم؛ أصوات مختلفة تمام الاختلاف تبادر بالكلام. والآن كسرت الحرب هذه الأصوات الرسمية القوية، ونحَّتها جانبًا.

كيف ظهر ذلك بالتحديد؟

حميدان يونس: توجد الآن على سبيل المثال روايات وقصص تدور في محيط البلد، خارج المدن. وهذا لم يكن موجودًا من قبل على الإطلاق، حيث كان كلّ نتاج ثقافي يقتصر على المدينة. وقبل الحرب لم يكن هناك أي منظور آخر وأي اهتمام آخر. والآن يتم سرد قصص من لبنان المجهول، قصص من تحت الأرض، إذا جاز التعبير.

هل هذا مناخ تنشأ فيه الفتيات والشابات بحرية أكثر من ذي قبل؟

صورة للمرأة اللبنانية المعاصرة، الصورة: أ.[
"منذ الحرب الأهلية لم تعد المرأة مجرَّد أمّ وزوجة؛ فقد أصبحت كذلك منذ ذلك الحين مختلفة يجب النظر إليها باعتبارها كائنًا مستقلاً"

​​ حميدان يونس: نعم، وبكلِّ تأكيد. فكلّ شيء في لبنان يعتبر من الضواحي والريف، ما عدا المركز الذي يقع في بيروت. ومنذ الاستقلال وقيام الدولة الحديثة في عام 1943 انتقلت عائلات لبنانية كثيرة من المناطق الريفية إلى بيروت. وهذه العائلات أصيبت بصدمة ثقافية من حياة المدينة. وأطفالهم تغلَّبوا على هذه الصدمة، وأصبحوا من أبناء المدينة. وأبناء هذا الجيل يعيدون الآن كتابة قصص أسرهم.

هل ثمة أمل في أنَّ أبناء هذا الجيل وكذلك الفنانين والمثقفين الذين ذكرتهم يمكن أن يكون لهم تأثير إيجابي على مصير البلاد؟ أم أنَّ هذه القضية تعتبر أكثر قضية خاصة وثقافية في أحسن الأحوال؟

حميدان يونس: لقد حدث لسوء الحظ ما يلي؛ فمنذ الحرب لم يعد الناس في لبنان يشعرون بأنَّ الدولة معنية بهم. ولهذا السبب يلجأ أيضًا الكثير من اللبنانيين إلى الدين أو الجماعات الدينية أو العرقية، ولا يعودون يعتبرون أنفسهم مواطنين.

هل يوجد أيضًا اتِّصال يتجاوز الحواجز الدينية ويتجاوز - كما تقولين - حدود المجتمع؟

حميدان يونس: بكلّ تأكيد، هناك اتِّصالات. وهؤلاء الناس يقدمون في الحقيقة على فعل شيء. وهم لا يخلعون فقط أقنعتهم الخاصة؛ بل هم ينظرون أيضًا بدقة وينيرون أيضًا الجوانب المظلمة. وهم يقولون للناس: "أنظروا إلى هنا، هكذا يبدو شكل مجتمعنا. أنظروا إلى هنا، هذا يحدث في لبنان. أنظروا إلى أين أوصلتنا طائفيتنا. وأنظروا، كم أعاقت هذه الطائفية من تطوّرنا.

هل يهتم في لبنان الأشخاص العاملون في الثقافة بهذه القضايا أكثر من السياسيين؟

مقتل الحريري، الصورة: ا.ب
"أعتقد أنَّ كلَّ لبناني تعلَّم أنَّ الحرب الأهلية هي الحلّ الأسوأ من أجل البلد. ولهذا السبب تحاول الجماعات إيجاد حلّ سلمي"

​​ حميدان يونس: هكذا تمامًا - سنة 1990. ولأنَّ الحديث عن أسباب الحرب كان من الموضوعات المحرَّمة رسميًا، ولم يكن أي شخص يريد إلقاء الضوء على ذلك الموضوع. ولكنه يخرج على الرغم من ذلك إلى السطح وتحديدًا عن طريق الفن والأدب.

كيف ترين مستقبل لبنان؟ وفي أي اتِّجاه يتطوّر المجتمع؟ في الغرب يراقب المرء الوضع باهتمام وبخوف باطن.

حميدان يونس: هل تقصدين المخاوف من إثارة الجماعات الإسلامية للاضطرابات أو من نشوب حرب أهلية؟ بإمكاني في هذا الصدد أن أؤكِّد لك أنَّه حتى الجماعات الأكثر تطرفًا في لبنان تعرف أنَّها لا تستطيع الانتصار في حرب أهلية. وحتى الجماعات التي تعتقد أنَّها هي الأقوى، لا تقع في خطأ الاعتقاد بأنَّها يمكن أن تنتصر في حرب أهلية.

وأعتقد أنَّ كلَّ لبناني تعلَّم أنَّ الحرب الأهلية هي الحلّ الأسوأ من أجل البلد. ولهذا السبب تحاول الجماعات إيجاد حلّ سلمي. وأحيانًا عندما أستمع إلى الراديو أو أشاهد برامج تلفزيونية، يبدو لي وكأنَّ الجماعات المختلفة تخوض حربها الافتراضية في وسائل الإعلام، وذلك لأنَّها لا تريد خوض ذلك في الشوارع. وهنا تكثر الشتائم وأسوأ الاتِّهامات، ولكن - وباستثناء بعض الحالات الاستثنائية القليلة التي ينتقل فيها هذا الحقد والعداء إلى الشارع، فإنَّ هناك قانونًا غير مكتوب ينص على أنَّ كلَّ مجموعة حريصة على عدم الذهاب مرة أخرى إلى النهاية؛ إذ توجد هنا دروس من العام 1975.

هذا ينقلني إلى سؤالي الأخير. فماذا تأملين للمستقبل؟

حميدان يونس: آمل أن ينجح هذا الجيل الجديد في ألاَّ نبقى نواصل ما نحن فيه. وألاَّ نبقى فترة طويلة نعرِّف أنفسنا بانتمائنا لجماعة عرقية أو دينية. وينبغي لنا في الواقع أن نحاول بكلِّ قوة العمل من أجل دولة حقيقية غير موجود حتى الآن - دولة نشعر فيها جميعًا بأنَّنا مواطنون، ولا نشعر فيها بأنَّنا أتباع طوائف ومذاهب، وأعضاء جماعة ما، بل بأنَّنا لبنانيون.

أجرت الحوار: أريانا ميرزا
ترجمة: رائد الباش
حقوق الطبع: قنطرة 2010

قنطرة

رواية "باء مثل بيت ... مثل بيروت"
إبحار في غياهب الحرب الأهلية اللبنانية... اللبنانية...
في روايتها تصور الكاتبة اللبنانية إيمان حميدان يونس سنوات الحرب الأهلية وتصور الواقع بكل تفصيلاته ودقائقه. شخصيات وأجواء هذه الرواية مطبوعة بتلك القدرة المريعة والمؤثرة في النفس: قدرة التعايش مع واقع الحرب. أنغيلا شادر تعرفنا بهذه الرواية بمناسبة صدور الترجمة الألمانية لها.

في "ظلال الماضي":
معرض الذاكرة- مفقودو الحرب الأهلية اللبنانية في صور
ما تزال تبعات الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة التي عصفت بلبنان بين عامي 1975 و 1990 تثقل بشدة على دولة الأرز. لذا ينظم عدد من المنظمات المختلفة معرضا للصور الفوتوغرافية في بيروت يسعون من خلاله لإعادة لفت الأنظار إلى عدد كبير من الذين كانوا قد فُقدوا في تلك الفترة، وكذلك لحث المجتمع اللبناني على معالجة هذه الحقبة من ماضيه.

فن
التجربة المشتركة لجدار برلين والحرب الأهلية
عرض عشرة فنانين ألمان أعمالهم في بيروت تمحورت حول تجربة مدينتين عاش سكانها انقساما سياسيا ولّى ظاهريا. حسين بن حمزة زار المعرض وكتب لنا التقرير التالي.

ملفات خاصة من موقع قنطرة