إنَّ المبالغة طيلة أيَّام بأهمية لقاء أوزيل وغوندوغان بإردوغان وتحويله في ألمانيا إلى ما يشبه قضية تخصُّ الدولة - حيث تحدَّثت أولًا المستشارة ميركل، ثم دعا الرئيس الاتِّحادي فالتر شتاينماير اللاعِبَيْن للقاء توضيحي - تمثِّل على الأقل مؤشرًا يشير إلى نقص الرزانة والثقة بالنفس في النقاش حول التغيير الاجتماعي للهويَّات الألمانية.
 
كما أنَّ صافرات المشجِّعين الألمان ضدَّ أوزيل وغوندوغان هي أيضًا مؤشِّر، وذلك لأنَّه من غير المحتمل كثيرًا أن تكون تلك المجموعة الصغيرة من المشجِّعين المصفِّرين بسخرية مهتمةً جدًا بحقوق الإنسان في تركيا.
 
التعليقات مثل مطالبة السيِّد كريستيان ليندنر لأوزيل بترديد النشيد الوطني تعتبر بمثابة صَبِّ الزيت على نار الاستياء، الذي يبدو أنَّه لا يزال موجودًا لدى بعض المشجِّعين. هذه الصافرات المستمرة ضدَّ لاعِبَيْن من أجدر لاعبي المنتخب الوطني الألماني لديهما أصول مهاجرة، تترك مذاقًا سيئًا للغاية، خاصة لدى المنتخب الوطني الألماني، الذي يعتبر نموذجًا مثاليًا لبلد الهجرة الجديد والمتنوِّع: ألمانيا.
 
كرة القدم الاحترافية: غير معنية بحقوق الإنسان
 
المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل. Foto: picture-alliance/dpa/NDR
دعوة من أجل الاعتدال والعقل: شدَّدت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قبل أيَّام قليلة من انطلاق بطولة كأس العالم 2018 على الأهمية الرياضية للاعبِيَن المعرَّضَيْن لحملة عدائية مسعود أوزيل وإيلكاي غوندوزان بالنسبة للمنتخب الوطني الألماني. وقالت المستشارة: "نحن بحاجة لهم جميعًا الآن، حتى نتمكن من تحقيق نتيجة جيِّدة. أعتقد أنَّ اللاعِبَيْن لم يفكِّرا في تأثير الصورة مع الرئيس إردوغان".
الانتقاد الموجه لأوزيل وغوندوغان يبدو نفاقاً لسبب آخر أيضًا. ففي حين يتم اتِّهامهما وعن حقِّ بالتعتيم على انتهاكات إردوغان لحقوق الإنسان، فإنَّ كلًا من الاتِّحاد الدولي لكرة القدم الفيفا والاتِّحادات الوطنية والأندية تعتبر مشاركة تمامًا في ذلك وبقدر أكبر بكثير. فعلى الرغم من التأكيد مرارًا وتكرارًا على أسطورة كرة القدم التي من المفترض أنَّها غير سياسية، إلَّا أنَّ بطولة كأس العالم وكذلك بطولات أندية كرة القدم، بالإضافة إلى غيرها من الأحداث الرياضية الكبرى لا تعتبر مهمة فقط من الناحية الاقتصادية، بل لها أيضًا تداعيات سياسية واسعة النطاق.
 
لقد شارك قبل أربعين عامًا لاعبو كرة القدم الألمان في بطولة أقيمت في الأرجنتين، في دولة دكتاتورية عسكرية، كانت مسؤولة عن قتل ثلاثين ألف شخص معارض. وحتى في نهائيات بطولة كأس العالم المنتظرة في روسيا توجد الكثير من المخاوف بشأن حقوق الإنسان. وفي هذا الصدد من المنتظر من اللاعبين ألَّا يتكلموا حول الأوضاع السياسية. ولكن فجأة بات يُزعم أنَّ كرة القدم بعيدة عن السياسة.
 
ومع كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر تقترب أيضًا بطولةٌ كروية، ترافقها انتهاكات لحقوق الإنسان، تعتبر أكثر شمولًا، قامت بتوثيقها مرارًا وتكرارًا منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية أو منظمة هيومن رايتس ووتش. ومن جانبها تصف منظمة العفو هذه البطولة بـ"بطولة كأس العالم المشينة في قطر". حيث يتم وبشكل منهجي استغلال مئات الآلاف من العمال الأجانب، الذين يعملون في مواقع بناء منشآت كأس العالم وفي غيرها من المواقع الخاصة بالاستعدادات لبطولة كأس العالم وإجرائها. ومن المعروف أنَّ مئات من العمال العاملين هناك قد لقوا مصرعهم بسبب ظروف العمل الكارثية.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة