ساسون سوميخ
كتاب ساسون سوميخ بغداد، أمس:

ذكريات شاب عربي يهودي

شكَّل اليهود في العراق سابقًا الشتات اليهودي الأقدم؛ إذ يعود تاريخ وجودهم هناك إلى أكثر من ألفي وخمسمائة عام. في العام 1951-1952 هاجر معظمهم - مائة وعشرون ألفا من مائة وأربعين ألفا - إلى إسرائيل. يصف ساسون سوميخ ما سبق ذلك، أي فترة الثلاثينيات والأربعينيات، في كتابه "بغداد، أمس - ذكريات شاب عربي يهودي". بيآته هينريشس راجعت الكتاب.
ساسون سوميخ
ساسون سوميخ: ولد في عام 1933 في بغداد، وفي عام 1951 هاجر إلى إسرائيل - حيث أسس قسم اللغة والأدب العربي في جامعة تل أبيب.

​​

إنَّه عالم الماضي، هذا العالم الذي يتحدَّث عنه ساسون - لكنَّه كذلك عالم كانت تهفو النفوس إلى المحافظة عليه! ومع ذلك لا يعتبر كلّ ما يصفه المؤلف سعادة وهناء؛ كما أنَّه ليس بالعاطفي ولا بالتوّاق إلى الماضي. فهو يصف فقط الأحداث والتجارب التي عاشها في فترة صباه، بعيني صبي ناشئ ومن منظور من تقدم في السنّ.

جزء فعال في الحياة الثقافية

ولد ساسون سوميخ في عام 1933 في بغداد، وسط ثلاثة أطفال لأسرة يهودية عراقية من الطبقة الوسطى. وفي عام 1951 هاجر إلى إسرائيل.

كان في بداية العشرينيات من القرن العشرين حوالي ثلث سكان بغداد من اليهود. شهد قبل كلّ شيء أبناء الطبقة الوسطى في هذه الفترة تغييرات جذرية: أنشأ الجيل الشاب من يهود العراق بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وزوال الدولة العثمانية هوية يهودية عراقية علمانية. كان التلاميذ (اليهود) يواظبون في المدارس ذات التوجهات الوجودية على تعلّم اللغة الإنكليزية والفرنسية.

كان الكثير من اليهود يعملون لدى شركات بريطانية أو أنَّهم أصبحوا ينعمون بالرفاه والجاه من خلال مشاريعهم وشركاتهم الخاصة. لم يكن يتعاطف منهم إلاَّ قلة قليلة مع الصهيونية؛ كما أنَّ الكثيرين منهم كانوا يعملون في الحزب الشيوعي. كذلك كان اليهود المثقفون جزءا فعّالاً من الحياة الثقافية في العراق؛ كان بعضهم يكتب النثر والشعر العربيين - كذلك أيضًا ساسون سوميخ الذي قُدِّر له فيما بعد أن يؤسّس في إسرائيل قسم اللغة والأدب العربي في جامعة تل أبيب.

العصر الذهبي

كان يهود بغداد يستخدمون فيما بينهم لهجة عربية تختلف عن لهجة المسلمين أو المسيحيين العراقيين، ذلك لأنهم كانوا يضيفون إلى لهجتهم مصطلحات وتعابير عبرية وآرامية. كانت اللهجة العربية اليهودية تعتبر واحدة من اللهجات العربية الصحيحة، لكنَّها كانت تُكتب من قبل الجيل القديم بحروف عبرية.

على الرغم من أنَّ اليهود البغدايين كابدوا في شهر حزيران/يونيو 1941 حملة اضطهاد وحشية (يطلق عليها باللهجة العراقية اسم الفرهود) وتحتّم عليهم فيها سقوط مئات القتلى، إلاَّ أنَّهم كانوا جميعًا يشعرون حتى نهاية الأربعينيات بأنَّهم محترمون ومندمجون إلى أبعد حدّ، حسبما يكتب ساسون سوميخ: "فترة تشبه عصرا ذهبيا، فيما يتعلَّق بالاقتصاد والتعليم"، ص 95.

يتحدّث ساسون سوميخ بتقدير واحترام عن فترة صباه. يصف في كثير من القصص والتفاصيل وبدفء وحنين وبشيء من الظرافة حياته اليومية ويصوّر طرق ومسارات حياة الأقرباء والأصدقاء والمعارف.

هؤلاء هم على سبيل المثال زملاؤه وأصدقاؤه في اللعب الذين كان يقضي معهم في فترة صباه أيّامًا سعيدة صافية في الجزر الموجودة في دجلة، مثل الأخوة ساتش. بعدما هاجرت أسرتهم إلى لندن قام هؤلاء الأبناء بتأسيس شركة "ساتشي وساتشي"، التي صارت شركة منافسة على مستوى العالم.

تعايش الأديان والأعراق

إنَّ ما يستميل القارئ في كتاب "بغداد، أمس" هو تعايش الثقافات والأعراق المتعددة. هنا الشيعي اللبناني الذي يدرِّس في المدرسة الثانوية اليهودية في بغداد مادة الأدب العربي ويلقِّن الطلاب الفكر الماركسي. تحوّل هذا الأستاذ إلى مرشد أدبي شجّع المؤلِّف. وهنا اليهود البغداديون الذين هاجر أسلافهم في وسط القرن التاسع عشر من فيينا - أي أبناء روزنفيلد البغداديون الذين لم يكن أحد يلاحظ أصلهم النمساوي.

أو أولئك الذين هاجروا في القرن الثامن عشر إلى الهند وسنغافورا وأسّسوا هناك "الجماعات البغدادية" Baghdadi communities وإمبراطوريات تجارية صغيرة - أفراد عائلة "روتشيلد المشرق" Rothschilds of the East. في نهاية القرن التاسع عشر أرسلوا بعض أبنائهم إلى مدن بريطانية مثل لندن أو مانشستر، حيث حصل العديد من أفراد عائلة ساسون على مناصب ورتب.

الهجرة والمنفى

ساسون سوميخ يكتب عن الهجرة - ولكن أيضًا عن المنفى. يتقصّى مرارًا وتكرارًا طرق ومسارات حياة الأصدقاء والمعارف، الذين لم يعد يراهم، ويحاول حبك خيوط نهايات غير مترابطة. بيد أنَّ الكثير من القصص تنتهي - هذه النهاية الإجبارية من خلال المنفى والهجرة إلى الوطن الجديد إسرائيل. في نهاية الأربعينيات بعد تقسيم فلسطين وبعد الحرب العربية الإسرائيلية في عامي 1948 و1949 وبعد العديد من الاعتداءات بالقنابل على منشآت ومبانٍ يهودية في بغداد - بدا للكثيرين أنَّ الهجرة أمر ضروري.

عالج مؤلفون يهود عراقيون آخرون من أبناء جيل ساسون سوميخ أعوامهم البغدادية في مجموعات قصصية، مثل إيلي عمير أو سامي ميخائيل. يعدّ الكثير مما كتبوه أقل تناسقًا، لكنَّهم يصفون كذلك مجتمعًا يعتبر فيه تعايش الثقافات المتعدِّدة أمرًا طبيعًا. ولا شكّ في أنَّهم يتبنّون هذه الحصيلة، التي دوّن بسببها ساسون سوميخ ذكرياته:

"أنا أنتمي إلى الجيل الأخير من اليهود العراقيين الذين كانوا يعيشون جنبًا إلى جنب مع العراقيين من أبناء الديانات الأخرى، وكانوا يتحدّثون بلغة مشتركة جعلتهم يسهمون إسهامًا فعّالاً في الثقافة العراقية"، ص 7.

بقلم بيآته هينريشس
ترجمة رائد الباش
حقوق الطبع قنطرة 2007

ساسون سوميخ: "Baghdad, Yesterday - The Making of an Arab Jew"، عن دار نشر Ibis Editions، الكتاب يقع في 189 صفحة بسعر 16 دولار و95 سنتًا.

الطبعة العربية "بغداد، أمس - ذكريات شاب عربي يهودي" ستصدر عن منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا في مايو/آيار 2008

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.