عمليات التطبيع مع النظام السوري

روسيا وإيران تدفعان اليوم باتجاه إعادة الإعمار من أجل تخفيف العبء المالي لتدخلهما العسكري والسياسي ومن أجل زيادة قدرتهما على تحويل نجاحاتهما العسكرية إلى إنجازات اقتصادية مستدامة وهيمنة سياسية مجدية. ولكنهما لا يملكان القدرة المالية لإطلاق هذا المشروع.

إيران تعمل على اعداد وتمويل مشروع لبناء ضاحية جنوبية في دمشق تكون مركزا لعناصر ميلشياتها، الذين حصلوا على الجنسية السورية، حيث يندرج هذا المشروع ضمن مصاريف مغامراتها السياسية في المنطقة، إلا أنها لا تملك القدرة على إطلاق مشاريع إعادة إعمار حقيقة للمدن والضواحي المدمرة، وخاصة بعد تشديد العقوبات الامريكية على صادراتها النفطية.

 

 

أما روسيا فهي تعمل بشكل حثيث مع بعض الدول العربية الراغبة في إطلاق عمليات إعادة الاعمار على إعادة تطبيع العلاقات مع نظام الأسد. بعض هذه الدول يرى في هذا التعاون إمكانية خلق جبهة مضادة للثورات ويأمل في بناء قدرات وبنى هيمنة متقدمة وامتلاك أوراق سياسية رابحة في سوريا.

بلغت هذه الجهود ذروتها بإعادة افتتاح دولة الامارات العربية سفارتها في دمشق وزيارة الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير لنظيره السوري بشار الاسد، ثم محاولة إعادة الاسد إلى الجامعة العربية كخطوة أولى على طريق إعادة تأهيله على المستوى الدولي.

وقد نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، مُفسِّراً أسباب قرار بلاده بإعادة العلاقات الدبلوماسية خلال مقابلةٍ أجراها:

"لا يمتلك العرب أي نفوذٍ داخل دمشق، على الإطلاق. لأننا هدمنا كل جسور التواصل عام 2011، مما سمح للأطراف الإقليمية مثل تركيا وإيران أن تُصبح الدول صاحبة القرار. مما قتل النفوذ العربي داخل سوريا".

كذلك زادت عدة دول أوروبية على رأسها إيطاليا، بلغاريا، النمسا والنرويج من نشاط القنوات الخلفية وسعت لإيجاد مخرج أوروبي يتيح التعامل مع نظام الأسد ولكن يحفظ ماء وجه الأوروبيين ويخرجهم من حرج التعامل مع مجرم حرب.

ولعل تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه "لا يرى خلفا مشروعاً لبشار الاسد في سوريا" كان الأبرز والأكثر صراحة في هذا السياق، إلا أن جميع جهود التطبيع هذه اصطدمت برفض أمريكي صارم بلغ درجة التحذير عندما سعت بعض الدول العربية لإعادة الاسد إلى الجامعة العربية.

 

 

صحيفة "واشنطن بوست" سربت أيضا أن إدارة ترامب ضغطت على حلفائها العرب ليعدلوا عن تطبيع العلاقات مع نظام الاسد مُحذرةً من أن أي خطوةٍ للمشاركة في إعادة إعمار سوريا سينطوي عليها فرض عقوباتٍ أمريكيةٍ، حيث ترغب واشنطن بالضغط على الأسد لإجباره بالشروع في إصلاحات سياسية، كما نقلت الصحيفة ذاتها.

وعلى الرغم من غياب استراتيجية واضحة ومعلنة للإدارة الامريكية في التعامل مع الملف السوري، إلا أنه من الواضح أنها تسعى إلى تعطيل أي حل أو انفراج في القضية السورية ما لم تكن هي عرابته. بل بات من المؤكد اليوم جدية الادارة الامريكية في حصار النظام السوري بعد أن حذرت قوات قسد من بيع النفط الخام أو نقل النفط الايراني الى النظام السوري عبر الفرات. كما أصدر مكتب الشؤون العامة لوزارة الخزانة الامريكية بيانًا يحذر فيه من مغبة تزويد النظام بالمحروقات، ويبين المخاطر المرتبطة بتسهيل شحنات النفط المتجهة إلى الموانئ التي يملكها ويديرها النظام السوري، الامر الذي عجل صفقة تأجير ميناء طرطوس لروسيا للالتفاف على هذه العقوبات.

من المرجح أن تستمر حالة المراوحة في المكان للأزمة السورية لفترات طويلة تحرم النظام وحلفاءه من تحويل انتصاراتهم العسكرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية مستدامة، وهو ما سيؤثر حتما على تماسك النظام السوري في ظل أزمة الموارد التي يعيشها اليوم، ويثير قلق الروس ويدفعهم للاستحواذ على ادارة ما تبقى من هياكل الدولة ومنشآتها الحيوية بشكل مباشر.

الازمة السورية... إلى أين؟

لا يبدو أن المناخ السياسي الاقليمي والدولي سيسمح ببدء عمليات إعادة الاعمار في سوريا في القريب العاجل، خاصة بعد أن وضعت الولايات المتحدة مكافحة نفوذ إيران في المنطقة على رأس أولوياتها. كما أن العقوبات السياسية والاقتصادية التي تحاصر النظام السوري تحرمه من أي فرصة لاستقطاب الاستثمارات الاولغارشية، التي قد ترغب بالاستثمار مع الاسد نفسه، في حين أن رؤوس الاموال التي تبحث عن استثمارات طويلة الامد لا ترى في سوريا أي فرصة استثمارية في ظل استمرار نظام الاسد ببنيته المافيوية المعتمدة على شبكات الفساد المستشرية وفي ظل غياب أي افق حقيقي لتحقيق استقرار سياسي أو اقتصادي في المدى المنظور، وغياب أي خطة دولية تسعى إلى تحسين الاوضاع المعيشية في الداخل السوري أو أي توافق دولي يمكن أن يشكل أساسا لحل سياسي مقبول.

بل على العكس من ذلك، هناك مؤشرات عديدة لازدياد مستويات العنف في مناطق ادلب وريف حلب، وكذلك في مناطق قسد والحدود مع تركيا. كما يتوقع أن تؤدي استمرار حالة الاستعصاء السياسي الراهنة إلى تفاقم حدة الازمات بين أجنحة النظام المتصارعة بسبب نقص الموارد الشديد وانعدام مصادر الدخل التي وفرتها لهم الحرب على مدار السنوات الماضية كتحويلات الاغاثة للداخل السوري أو امدادات تمويل الحرب أو التعفيش.

لكن إذا استطاعت إيران التوصل إلى تفاهم جديد مع إدارة ترامب قد يتغير المشهد كليا، ولكن لا يبدو هذا الاحتمال ممكنا في الوقت الراهن. كما أن روسيا استطاعت السيطرة على أغلب ما تبقى من هياكل ومؤسسات الدولة السورية ومواردها، الأمر الذي قد يمكنها من الاستغناء عن رأس النظام أو استبداله في المستقبل المنظور، وهو ما قد يخلق ديناميكيات جديدة تفتح الباب لتفاهمات دولية جديدة تنهي حالة انسداد الافق في الشأن السورية. 

 

 

غياث بلال

حقوق النشر: غياث بلال/ موقع قنطرة 2019

الكاتب والباحث غياث بلال يعمل مع العديد من مراكز الدراسات والأبحاث المهتمة بمراقبة الظواهر الاجتماعية والسياسية التي ترافق إندلاع الثورات، ويسعى لتحليلها وفهمها بشكل أعمق.

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : البدء بإعادة الاعمار في سوريا...بين الوهم والحقيقة

الحجر من الممكن ترميمه قريبا أم بعيدا، ولكن نصف مليون بشر الذين تقتلهم مجرمي حرب بشار الأسد وروسيا بأبشع أنواع القتل البراميل المتفجرة واسلحة كيميائية وأحدث ما نتجت معامل روسيا من الأسلحة الفتاكاة من الذي يعيدهم؟ حسبنا الله ونعم الوكيل.

عبدو خليفة 27.05.2019 | 12:40 Uhr