غلاف الألبوم
ألبوم "سيوان" ليون بالكه وأمينه علوي:

روح الأندلس الحرة ورائحة الموسيقى العذبة

مقارنة مع أوروبا في العصور الوسطى كانت الفنون الإسلامية في إسبانيا تتمتع بقدر أكبر من الحرية. الألبوم الموسيقي "سيوان" يحتفي بموسيقى الأندلس وروحها ويؤكد أن الحضارة الإسلامية هي أحد أسس الثقافة الغربية، مثلما يبين ريتشارد ماركوس في هذه القراءة.

غلاف الألبوم
شبكة من العلاقات الفلسفية والتاريخية والأدبية المتبادلة: يون بالكه وأمينة علوي قاما بمزج النصوص الصوفية من الأندلس بتراث الموسيقى الروحية المسيحية وأغاني التروبادور

​​ ترتبط الحقبة الممتدة منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية حتى القرن الخامس عشر في أذهاننا بتعبير رسخ طويلاً كمرادف لا مثيل له لتلك الفترة: "عصر الظلمات". وفق تصوراتنا فإن ذلك العصر اتسم بانتشار "الموت الأسود"، أي الطاعون، وانتشار الجهل والخرافات. ولم يبدأ الأوروبيون في النهوض من القاذورات والأوساخ – هكذا نقرأ في كتب التاريخ – إلا مع بداية حقبة "النهضة"، أي "الرينسانس" التي تعني حرفياً الميلاد من جديد. عندئذ بدأ الناس في أوروبا ينتجون فناً عظيماً ويعيدون اكتشاف تعاليم الفلاسفة القدماء.

وحسب ذلك التصور التاريخي قد يتولد لدى المرء انطباع بأن فترة التحول جاءت مباشرة ودون مقدمات أو تمهيد. ذات صباح استيقظ الناس من سُبات الجهل وبدأوا يراقبون العالم فجأة بعيون مختلفة.

إسبانيا الإسلامية – بذرة الحضارة العظيمة

غير أن الواقع يقول إن العلم بأفكار الفلاسفة القدماء لم يدخل قط في غياهب النسيان، كما أن ظلمات الجهل لم تكن مطلقاً مسيطرة على كل أنحاء أوروبا في العصور الوسطى بنفس القدر. ففي الأندلس – أي في المنطقة الإسبانية التي حكمها المسلمون حتى عام 1492 – كانت الفنون وما أُطلق عليه "المعارف الضائعة" مزدهرة ازدهاراً عظيماً.

يون بالكه وأمينة علوي، الصورة: إي إس إم
موسيقى تتخطى الحدود الثقافية: يون بالكه وأمينة علوي يستكشفان روح التسامح والإبداع في الأندلس خلال العصور الوسطى

​​ كل ما يمكن التفكير فيه، بدءاً بمفهوم "الصفر" في الرياضيات مروراً بالرؤية الفلسفية للذات الإنسانية – وهي التي كانت تتعرض في بقية أنحاء أوروبا المسيحية إلى الحرق علناً - وصولاً إلى الفنون التشكيلية والموسيقى، كل هذا عايش فترة ازدهار مجيدة في "الإمارات المدن"، مثل قرطبة والمدن الأخرى في المنطقة.

هناك عاش المسلمون والمسيحيون واليهود السفرديم حياة مشتركة في انسجام نسبي، حيث ساد التبادل الحر للأفكار والتعاليم متخطياً الحدود بين العقائد الدينية الثلاث. من هناك انتشرت فيما بعد العلوم التي كانت رافداً من روافد ما سُمي بعصر "النهضة"، حتى وصلت إلى إيطاليا وفرنسا وبقية أنحاء أوروبا. جزء كبير من تلك العلوم كان قد ضاع بعد أن سيطرت محاكم التفتيش الإسبانية بقبضة من حديد على البلاد، فتمت ملاحقة الزنادقة والكفار، كما أُجبر المسلمون واليهود على اعتناق الديانة المسيحية أو الخروج من البلاد.

أما أولئك الذين امتنعوا عن ذلك فقد تم حرقهم في الساحات علناً. وبذلك فقدنا جزءاً كبيراً من شِعر تلك الحقبة الرائع وكذلك إرثها الموسيقي. تلك الموسيقى تمثل الأساس الذي قام عليه "السي دي" الذي ظهر حديثاً لدى شركة ECM الألمانية، وذلك تحت الإشراف الفني لعازف البيانو النرويجي يون بالكه.

مجموعة متوازنة من الكنوز الموسيقية

"سيوان" هو عنوان السي دي، وتعني الكلمة "التوازن" في لغة الخاميادو، وهي لغة خليط من اللغات الرومانية والعربية وكانت هي لغة الحديث في الأندلس خلال العصور الوسطى. والألبوم عبارة عن مجموعة من احدى عشرة مقطوعة، تسع مقطوعات منها هي تلحين لأعمال كبار شعراء الأندلس، ما يعد استيحاءً موسيقياً لروح العصر آنذاك.

وينتمي نص أقدم المقطوعات، مقطوعة "ثلاثيات"، للشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاج الذي عاش في الفترة من 857 حتى 922؛ أما مقطوعة A la dina dana التي كتبها الأديب المشهور بمسرحياته الدرامية ونثره لوبه دو فيغا (1562 - 1635) فإنها تُظهر كيف استمرت تأثيرات الحقبة الإسلامية بعد فترة محاكم التفتيش وكيف وصلت إلى ما سُمي بـ Siglo de Oro، أي "العصر الذهبي" في إسبانيا. في الكتيب المرفق بالسي دي يجد المستمع معلومات عن تاريخ كل مقطوعة تاريخ مؤلف النص المُغنّى، ليس هذا فحسب بل يجد أيضاً نصوص الأشعار نفسها، سواء باللغة الأصلية وبترجمتها الانكليزية.

موسيقى "العالم الرابع"

جامع قرطبة  الصورة: ويكيبيديا
شيد جامع قرطبة بين عام 784 و987، ويعتبر رمزاً للأندلس المتعددة الثقافات

​​

تمتد الجذور الموسيقية للعازف دون بالكه لتصل إلى موسيقى الجاز والموسيقى العالمية، وهو وضع ألحاناً عديدة للمسرح والمسرح الراقص، كما أننا نجد في أعماله الكاملة مقطوعات لموسيقى الحجرة أيضاً. ومن الموسيقيين الآخرين الذين شاركوا في السي دي المغنية أمينة علوي وعازف البوق دون هاسل وعازف الكمان خير الدين مكاشيش؛ والفنانون المخضرمون الثلاثة لهم من الخبرة والموهبة ما يؤهلهم إلى المشاركة في مشروع مثل كهذا.

نشأت أمينة علوي في المغرب، أما خير الدين مكاشيش فقد ترعرع في الجزائر، وكلاهما من الخبراء بموسيقى الأندلس. ومن جانبه فإن يون هاسل قد انشغل بالتراث الموسيقي الأوروبي إلى جانب التراث الموسيقي في الهند. وهكذا أبدع تلك الموسيقى التي أطلق هو عليها "موسيقى العالم الرابع": وهي موسيقى لا تعرف الحدود، لذلك تنصهر فيها الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية وموسيقى البوب وكذلك الموسيقى الدينية والدنيوية من العالم كله.

وإذا كان الموسيقيون الأربعة هم نواة هذه الفرقة فإن الخبرات الموسيقية التي يتمتع بها الفنانون الآخرون المشاركون تمتد من الموسيقى الفارسية التقليدية وتصل إلى موسيقى العصور الماضية في أوروبا، مثل الباروك والرينسانس.غير أنهم جميعاً يشتركون في صفة واحدة، وهي أنهم تلامسوا في أعمالهم السابقة بالتراث الموسيقي في شبه الجزيرة العربية وتأثروا به.

إرث موسيقي متنوع

أما فيما يتعلق بالموسيقى نفسها فمن الصعب وصفها بكلمات. إذا كان المرء على معرفة جيدة بموسيقى شمال أفريقيا وإسبانيا وبلاد فارس، أو بالموسيقى الأوروبية في عصر الرينسانس، فإنه سيجد في كل مقطوعة عناصر من ذلك التراث الموسيقي بغض النظر تماماً عن اللغة التي تُغني بها الأشعار.

إن الإنسان يعتقد حقاً لدى سماع بعض المقطوعات الموسيقية أنه قد استمع إليها من قبل، كما أن نماذج طويلة معروفة من الموسيقى تظهر في سياق جديد ما يمثل تحدياً للذاكرة الموسيقية.

رغم ذلك فإن كل مقطوعات السي دي مقطوعات أصلية، تم تلحينها خصيصاً لهذه الأسطوانة. ويكمن إنجاز بالكه والموسيقيين المشاركين في الأسطوانة في إبداع موسيقى تجعل المرء يفهم ويشعر باستمرارية وعمق التأثير الذي مارسته إسبانيا المسلمة على أوروبا حتى اليوم.

عبر هذه الموسيقى نستشف – رغماً عن أنف كل أولئك الذين يريدون إقناعنا بشيء آخر – أن الحضارة الإسلامية هي أحد أركان الثقافة الغربية. كما أننا نتعرف على الفلسفة والفكر في ذلك العصر وكيف انساب في الإبداع الموسيقي تاركاً أثاره التي ما زال بإمكاننا سماعها اليوم وهنا.

شدو أمينة علوي الجميل

خارطة الاندلس، الصورة: جامعة تكساس
إسبانيا التابعة للخلافة الأموية في عام 1037: "الأندلس" هو الاسم العربي لتلك الأجزاء في شبه الجزيرة الإيبيرية (وهي منطقة توازي مساحتها مساحة منطقة لانغيدوق روسيون في فرنسا الآن) التي كانت خاضعة في الفترة بين 711 و1492 لحكم المسلمين من العرب وشمال أفريقيا. )

​​ ويعتبر غناء أمينة علوي إحدى الآيات البديعة في هذه الأسطوانة الموسيقية، بغض النظر عن الجمال الفتّان للموسيقى. ليس الموسيقيون الآخرون أقل روعة، غير أن صوتها وحده - وليست المقطوعات الموسيقية - هو الذي يبث الحياة في هذه الأسطوانة الجديدة. كلما استمعت إلى أصوات نسائية من كافة الثقافات التي لا تربطها علاقة بالتراث الموسيقي الغنائي في شمال أفريقيا، فإن اعتقاداً يترسخ داخلي يجعلني أعرف لماذا ينتابني دائماً الشعور بأن تلك الأصوات تفتقد شيئاً أساسياً.

إن صوت أمينة علوي يخلو بكل بساطة من ذلك التوتر أو الانضباط، يخلو تماماً من ذلك "الإكراه" الطموح الذي اعتدنا عليه في تراثنا الموسيقي. وبالرغم من أني ما زالت أُعجب بالمهارة التقنية للصوت الأوبرالي المتدرب جيداً، فإن افتقاده الدفء البشري كان يجعله في أغلب الأحيان بعيداً عن أن يمس بحق شغاف قلبي. على العكس من ذلك فإن صوت علوي صوت متألق من الناحية التقنية، غير أنه في الوقت ذاته مفعم بالدفء الذي ينقص الأصوات الأوبرالية في معظم الأحيان.
وبليونته المخملية يعبر هذا الصوت عن نقاء الأحاسيس البشرية التي تسمح لنا بالتوحد مع الأغاني، حتى وإن كنا لا نستطيع فهم لغة النصوص المُغناة.

موسيقى تثير ذكريات غامضة

تحدث كارل يونغ ذات مرة عن فكرة "اللاوعي الجمعي" الذي يمكننا من أن "نتذكر" أشياء ضاربة في القدم، أشياء حدثت قبل آلاف السنوات غير أنها تظهر في أحلامنا مرة أخرى. وإذا كانت بعض تلك الأشياء – وفق ما يقوله يونغ – خاضعة لعناصر تطبع حياتنا بطابعها، مثل الدين واللغة، فإن هناك أشياء أخرى يشترك فيها البشر جميعاً. ومن هذا المنظور تنتمي "سيوان" على نحو ما إلى ذلك "اللاوعي الجمعي"، إذ إننا نتعرف على الموسيقى المعزوفة دون أن نكون قد استمعنا من قبل إلى مقطوعة واحدة.

ولكن، يبقى الشيء الأهم، وهو أن السي دي يضم موسيقى رائعة لحناً وغناءً. وليس من المهم على الإطلاق أي خلفية تاريخية يعرفها السامع، بل ليس من المهم ما إذا كان مهتماً بالوشائج الثقافية أم لا. إن الإنصات إلى موسيقى هذا الألبوم يتعدى نطاق تلك الأسئلة ويبرهن من جديد على أن الفن العظيم هو نسيج مستقل تماماً عما يفكر فيه المرء أو يفعله.

ريتشارد ماركوس
ترجمة: صفية مسعود
حقوق الطبع: قنطرة 2010

يشرف ريتشارد ماركوس على إصدار مجلة Epic India Magazine، وهي مجلة إليكترونية تعني بشؤون الفن والثقافة، وتهتم خصوصاً بجنوب شرق آسيا والهند. وينشر ماركوس مقالاته في مطبوعات مختلفة، ومنها المجلة الألمانية "رولينغ ستون" وكذلك مجلة "بنغلاديش ستار".

قنطرة

رسالة شعرية عربية-يهودية من العصر الذهبي:
أنطولوجيا "أعجوبة الأندلس"
لقد نجح صاحب "أعجوبة الأندلس"، جورج بوسونغ، في الخروج بأنطولوجيا شعرية تميزت بالدقة اللغوية القصوى إلى جانب ما تمنحه من متعة في القراءة، وقد جمع مختارات شعرية تعكس الروح الأندلسية الثرية. تقرير كريستوف لايستن.

الناشرة الإسرائيلية ياعيل لرر:
حنين إلى الأندلس
محمود درويش، محمد شكري أو هدى بركات، هؤلاء بعض كتاب دار الأندلس، التي تعنى بترجمة الأدب العربي إلى العبرية. يوسف حجازي تحدث مع الناشرة الشابة ياعيل يرر عن سبب اهتمامها بالأدب العربي وصعوبات النشر في إسرائيل.

حول علاقة الشاعر الألماني هينريش هاينه بالثقافة العربية والشرق الإسلامي:
الأندلس والمعلقات
تحتفل ألمانيا هذه السنة بمرور مائة وخمسين سنة على وفاة هينريش هاينه. وتأثر هذا الشاعر الرومانطيقي في بعض أعماله المسرحية وقصائده بالثقافة العربية. مقال بقلم الباحث منير الفندري.

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.