الديانة السامرية في نابلس الفلسطينية

السامريون...أتباع النبي موسى

السامريون ينتمون كاليهود إلى بني إسرائيل بالمعنى الديني وتكيفوا من عدة جوانب مع بيئتهم التي تعتبر في الدرجة الأولى بيئة عربية إسلامية. يرون أن توراتهم هي "الأصح" وأن ديانتهم هي "ديانة بني إسرائيل الحقيقية". يحملون الجنسية الفلسطينية والإسرائيلية ويتحدثون اللغتين العربية والعبرية بطلاقة. تبدو ملابسهم التقليدية كملابس المسلمين، ولا يتجاوز عددهم حاليا بضع مئات. يؤيدون حل الدولتين وجعل القدس عاصمة مشتركة ولكنهم ينأون بأنفسهم عن صراع الشرق الأوسط. الصحفية الألمانية لاورا أوفرماير قامت بزيارة للسامريين في مدينة نابلس لموقع قنطرة.

ينعطف الشارع صعودًا بشكل حاد إلى جبل جرزيم. تقع نابلس أسفل هذا الجبل وتحيطها هضاب وتلال ترابية. وهي مدينة فلسطينية، تعتبر بؤرة توترات سياسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكذلك مركزًا عمره آلاف السنين للثقافة الإنسانية. يرد ذكرها في الكتاب المقدّس باسم "شَكِيْم" وباعتبارها موطن النبي يعقوب، أبي أسباط إسرائيل الاثني عشر، الذين انحدر منهم شعب إسرائيل. وحتى الآن لا يزال يعيش قسم منهم في جبل جرزيم.

يعتبر حسني كوهين كاهنًا من كهنة السامريين الاثني عشر، وهو مدير المتحف الصغير في قرية السامريين كريات لوزا. وهنا يستقبل الكاهن حسني كوهين زوّاره بالزيّ السامري التقليدي الأبيض والطربوش الأحمر.

محافظون على ديانة بني إسرائيل

يرد في أسفار العهد القديم أنَّ شعب إسرائيل قد أتى موحَّدًا من مصر إلى الأرض المقدّسة، ولكن في نحو عام 1000 قبل الميلاد انهار هذا التحالف. وفي الجنوب اتّحدت أسباط يهودا وبنيامين في مملكة يهودا الجنوبية وكانت عاصمتها القدس. وشكّلت الأسباط المتبقية المملكة الشمالية وكان اسمها السامرة وعاصمتها شَكِيْم.

يعتقد السامريون - بحسب مفهومهم الذاتي - أنَّهم آخر أبناء هذه المملكة الشمالية. وهم يعيشون منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام بالقرب من جبل جرزيم، الذي يقدّسونه ويعتبرونه جبلاً مقدّسًا ومكان الله.

حسني كوهين.Foto: samaritans-museum.com
يعتبر السامريون أنفسهم المحافظين على ديانة بني إسرائيل، ويوجد لديهم اثني عشر كاهنًا ورئيس للكهنة الذين ينحدرون جميعهم من عائلة كوهين، المنحدرة من سبط لاوي. يرجع السامريون نسبهم إلى سبطي لاوي ويوسف، علمًا أنَّ الكهنة من سبط لاوي. ورئيس الكهنة على التوالي هو أكبر فرد في عائلة كوهين. يمارس في البداية كلّ رجل من عائلة كوهين مهنة ما ومن ثم يتفرّغ بعد تقاعده فقط وبشكل متزايد لدراسة الدين.

يقول الكاهن حسني كوهين: "نحن لا نسمي أنفسنا سامريين، بل "شومرونيم"، أي محافظين. ذلك لأنَّنا نحافظ على وصايا سيّدنا موسى الأصلية".

وبحسب رأي السامريين فقد تم تحريف ديانة بني إسرائيل من قبل اليهود بعد السبي البابلي. إذ تحتوي التوراة السامرية على أسفار موسى الخمسة فقط وهي مكتوب باللغة العبرية القديمة التي يتعلمها جميع أفراد الطائفة السامرية منذ نعومة أظافرهم. وعلى الرغم من وجود العديد من القواسم المشتركة وأوجه التشابه بينهم وبين اليهود، مثل الالتزام بيوم السبت أو ختان الذكور، لكنهم مع ذلك يؤكّدون على فرادة وصاياهم وأصالتها، وينتظرون من جميع أفراد طائفتهم الالتزام بها بشكل صارم.

ويعود سبب ذلك أيضًا إلى قلقهم المستمر على بقاء طائفتهم: فقد أدَّت مئات السنين التي عانوا فيها من الحروب الدينية والإجبار على تغيير دينهم إلى اختفاء هذه الطائفة تقريبًا. وفي عام 1918 بلغ عدد السامريين مائة وستة وأربعين شخصًا فقط. أمَّا اليوم فيبلغ عددهم نحو ثمانمائة شخص تقريبًا، ليس فقط بسبب زيادة زواج أبناء هذه الطائفة من نساء غير سامريات.

حياة بين عالمين

ونصف السامريين تقريبًا يعيشون في مدينة نابلس، بينما يعيش نصفهم الآخر في مدينة حولون قرب تل أبيب. حيث كوّنوا هناك منذ السبعينيات مجموعة ثانية، فقد جذبتهم فرص العمل الأفضل ومستوى المعيشة الأعلى في إسرائيل. تشهد حركة التبادل بين المجموعتين نشاطًا مستمرًا: إذ إنَّهم يتنقّلون ذهابًا وإيّابًا بين كلا الجانبين، ومن الممكن القول إنَّهم يتنقّلون بين عالمين تقريبًا، يشترون خضرواتهم في السوق في مدينة نابلس ويسافرون في أيَّام العطل إلى الشاطئ في تل أبيب.

لا تعترض طريق السامريين في نابلس أية حواجز أو نقاط تفتيش أو جدار الفصل، وذلك لأنَّهم يتمتّعون بميّزة فريدة غير موجودة لدى غيرهم، فهم يحملون كلاً من الجنسية الإسرائيلية والجنسية الفلسطينية. أطلق هذه المبادرة ياسر عرفات الذي يتم تقديره حتى يومنا هذا في جبل جرزيم. يتحدّث السامريون اللغة العربية في حياتهم اليومية كما أنَّهم تكيّفوا من عدة جوانب مع بيئتهم التي تعتبر في الدرجة الأولى بيئة عربية إسلامية.

كنيس سامري. Foto: samaritans-museum.com
يمثّل الالتزام بيوم السبت وتقديسه واحدة من أهم الوصايا العشر عند السامريين. يقضي الرجال يوم السبت في الصلاة داخل الكنيس، في حين تصلي النساء في بيوتهن. ومن الملفت للنظر منظر المصلين السامريين الذين يشبهون كثيرًا المصلين المسلمين.

ولكن في المقابل فإنَّ السامريين في حولون يبتعدون دائمًا وباستمرار عن هذا الجزء من ماضيهم، ويتحدّثون اللغة العبرية وأسلوب حياتهم غير محافظ كثيرًا مثلما هي الحال في جبل جرزيم، حيث لا يسمح للفتيات والفتيان على سبيل المثال بالخروج سوية قبل الزواج.

معضلة الهوية

ولذلك فإنَّ السامريين يعانون من معضلة الهوية، لأنَّهم يقفون في الواقع بين طرفي الصراع الذي لا يعتبر صراعًا سياسيًا فقط، بل هو صراع ذو طبيعة ثقافية أيضًا. كما أنَّهم يفضّلون عدم التدخّل مبدئيًا في الشؤون السياسية، لكي لا يزعجون أي طرف من الطرفين. وحول ذلك يقول يعقوب السامري الذي يعيش في مدينة نابلس: "نحن نشعر بأنَّنا مرتبطون مع اليهود، وذلك لأنَّ ديانتينا متشابهتان. وفي الوقت نفسه نشعر بأنَّنا مرتبطون مع الفلسطينيين، لأنَّنا نعيش معهم ونعمل معهم وأطفالنا يذهبون إلى مدارسهم".

لكن هذا لا يسير دائمًا من دون خلافات: "بعض اليهود يعتبروننا عربًا، لأنَّنا نعيش في نابلس ونتحدّث اللغة العربية. وهم يعاملوننا أيضًا على هذا النحو"، مثلما يقول يعقوب ويضيف: "في مطار بن غوريون، على سبيل المثال، يتم تفتيشي في كلّ مرة من الرأس إلى القدم - تمامًا مثلما يتم تفتيش الفلسطينيين". وكذلك ينظر الفلسطينيون إلى السامريين أحيانًا بعين الريبة والشك أو حتى بعين العداء.

وسطاء يمدّون جسرًا بين الإسرائيليين والفلسطينيين

تعتبر كريات لوزا منطقة التقاء محايدة بين كلا الطرفين، ومركزها مقهى الفردوس The Paradise الذي يعتبر في الوقت نفسه محل سوبر ماركت: يشتري الجنود الإسرائيليون هنا حاجاتهم من الكولا والسجائر، في حين أنَّ الفلسطينيين يزورون هذا المتجر لأنَّه يعتبر المحل الوحيد الذي يبيع مشروبات كحولية في مدينة نابلس المحافظة. وفي هذا المقهى يشرب السيّاح الإسرائيليون والأجانب الكابتشينو ويفرحون عندما يدخل المحل رجل سامري يرتدي طربوشًا أحمر ويكمل هذه الصورة الملوّنة.

ينظر السامريون إلى أنفسهم عن طيب خاطر باعتبارهم وسطاء، يمدون جسرًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما أنَّهم يؤيّدون رسميًا حلّ الدولتين، وجعل القدس عاصمة مشتركة. ولكنهم لا يعملون ولا يمارسون أي نشاط من أجل ذلك. وقد كيّفوا أنفسهم مع ذلك.

يُعبّر السامري واصف الذي يعمل في مقهى الفردوس عن هذا الموقف بدقة: "يعدّ الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين جزءًا من حياتنا. نحن لا نحب هذا الصراع، ولكننا اعتدنا عليه الآن. وهو لا يؤثّر علينا بصورة مباشرة أيضًا. فنحن السامريون نعيش في أمان في إسرائيل تمامًا مثلما نعيش في فلسطين وهكذا يجب أن نبقى أيضًا".

 

 

لاورا أوفرماير

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : السامريون...أتباع النبي موسى

في كثير من القراءات لفصص وحكايات من التاريخ وجدت انة حيث مايذكر السامري يوصف دوما بالانسان المفعم بالطيبة والايثار والجاهزية لمد يد العون واغاثة المحتاج حتى غدى وصف شخص ما بالسامري تعني انة انسان ورع طيب ..هل يعتنق افراد هذة الطائفة مبدأ اللاعنف منذ امد سحيق كعقيدة دنيوية؟

محسن محمد اسماعيل11.02.2017 | 18:43 Uhr