ألف ليلة وليلة" أمام القضاء المصري

"ألف ليلة وليلة": عمل إباحي خليع أم تراث إنساني رفيع؟

ما زالت "ألف ليلة وليلة" تثير حفيظة كثيرين، وهكذا طالبت مجموعة من المحامين في مصر بسحبها من الأسواق وتنقيتها من الألفاظ "الخليعة". حول هذه القضية حاورت دويتشه فيله الروائي جمال الغيطاني وأحد المحامين الذين تقدموا بعريضة الدعوى.

​​ربما لم يتأثر القراء في أنحاء العالم بعمل من أدب الشرق مثلما تأثروا بحكايات "ألف ليلة وليلة". فهناك عدد لا يحصى من كتاب العالم يعتبر "ألف ليلة وليلة" من أهم الكتب التي قرأوها وتأثروا بها؛ ومن هؤلاء الشاعر الألماني غوته الذي استلهم حكايات شهرزاد في عمله الروائي "فيلهلم مايستر" وكذلك الكاتب الفرنسي فولتير والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس.

غير أن "ألف ليلة وليلة" أثارت وما زالت تثير جدلاً كبيراً في الشرق بسبب العبارات والإيحاءات الجنسية الواردة فيها، وقد وصلت هذه الانتقادات حداً جعل البعض يعلن عداءه لهذا الكتاب. مطالبة بـ"تنقية" الكتاب من الألفاظ الجنسية يدخل كتاب "ألف ليلة وليلة" ضمن قائمة الكتب المحظور تداولها وطبعها في المملكة العربية السعودية.

أما في مصر فإن النائب العام ينظر في الوقت الحالي في دعوى قدمتها مجموعة من المحامين المسلمين لمصادرة النسخ التي صدرت عن سلسلة "الذخائر"، وهي سلسلة تابعة لوزارة الثقافة المصرية وتُباع الأعمال المنشورة فيها بسعر زهيد. إثر صدور الكتاب في طبعته الشعبية الجديدة تقدمت مجموعة المحامين في السابع عشر من نيسان/ أبريل الجاري بعريضة دعوى للقضاء تحتوي على مقاطع من الكتاب. واعتبر المحامون تلك العبارات "ضارة بالأخلاق" لما تحتويه من "عبارات جنسية فاحشة"، وطالبوا – مثلما قال المحامي أيمن إمام في حديث لدويتشه فيله– "بتنقية الكتاب من هذه الألفاظ" قبل إصداره في طبعة جديدة.

"

الحضارة الإسلامية لم تزدهر إلا مع حرية التعبير"

الغيطانيـ دويشته فيله
جمال الغيطاني يرى أن الدعوى لا تستهدف "ألف ليلة وليلة" فحسب

​​ويشرف على سلسلة "الذخائر" الروائي المصري جمال الغيطاني الذي اعتبر الدعوى جزءاً من الحملة الدعائية التي تُشن على المثقفين، ومحاولةً لإجبار الحكومة على حظر نشر الكتاب.

وأضاف الغيطاني في حوار خص به دويتشه فيله: "البلاغ مقدم ضد "ألف ليلة وليلة"، ولكنه في الواقع جزء من حركة الأصوليين في المجتمع المصري التي تستهدف إقامة الدولة الدينية". وأعلن الغيطاني تحمله المسؤولية كاملة لأنه هو الذي اختار هذا النص لنشره في سلسلة "الذخائر"، مذكراً بأنه أسس هذه السلسلة في التسعينيات "لإتاحة النصوص التراثية النادرة التي لم تعد تطبع بسبب النفوذ الوهابي المتزايد في المنطقة".

ويضيف صاحب "الزيني بركات" قائلاً: "إن المتطرفين يرفضون التراث العربي نفسه، وأثمن ما في هذا التراث. مَن يرفض "ألف ليلة وليلة" أو أبو حيان التوحيدي أو الجاحظ وغيرهم، إنما يسيء إلى الحضارة العربية وإلى الإسلام نفسه. إنهم يتكلمون باسم الدين، ويصادرون باسمه، بينما لم تزدهر الحضارة الإسلامية إلا في الفترات التي ازدهرت فيها حرية التعبير".

اهتمام عالمي بحكايات شهر زاد

المستشرقة كلاوديا أوت
المستشرقة كلاوديا أوت قامت بترجمة "الليالي" إلى الألمانية عام 2004

​​ويشدد الغيطاني في حواره مع موقعنا على أن "ألف ليلة وليلة" جزء من الأدب الإنساني العالمي، مثلها مثل "الإلياذة" و"الأوديسه"، وأن لا أحد ينكر هذا العمل "إلا جاهل أو مغرض".

ويضيف الروائي المصري: "هناك اهتمام عالمي بهذا العمل، فمثلاً تنظم جامعة إرلانغن الألمانية في يوم 25 أيار/ مايو المقبل مؤتمراً عالمياً عن "ألف ليلة وليلة"، وهو مؤتمر يجري الإعداد له منذ عام. كما أقامت جامعة نيويورك، فرع أبو ظبي، في كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي مؤتمراً عالميا كبيراً، شاركتُ فيه وفوجئتُ بمدى التأثير الذي حققته "ألف ليلة وليلة" في اليابان والهند وجنوب شرق آسيا. نحن إذاً أمام عمل عالمي".

كما أكد الغيطاني على ضرورة أن يكون الدفاع عن هذا الكتاب "واجب المثقفين في جميع أنحاء العالم". وتشارك الغيطاني في الرأي المترجمة الألمانية كلاوديا أوت، المتخصصة في اللغة العربية وآدابها والأستاذة بجامعة إرلانغن، والتي أعادت ترجمة كتاب "ألف ليلة وليلة" في عام 2004. وقالت المستشرقة في حديث لوكالة الأنباء الألمانية إنه من الضروري احترام الأصل عند إعادة طبعه، رافضةً حذف بعض المقاطع أو إلغاء أجزاء من الكتاب بدعوى خدشها للحياء.

وكانت مجموعة الإسلاميين في مصر نجحت في الحصول على حكم بمصادرة الكتاب عام 1985 ولكن حكم المصادرة ألغي أوائل عام 1986 بحكم تاريخي، اعتبر الكتاب أشهر تعبير عن الأدب الشعبي والعربي والإسلامي. وقال القاضي في حيثيات حكم إلغاء المصادرة إنه من الممكن شطب العبارات الجنسية الصادرة في الكتاب، ولكنه وجه لأصحاب دعوى المصادرة كلمات واضحة جاء فيها: "من يشتري الكتاب من أجل قراءة هذه العبارات الجنسية، فهو إما مريض أو يتسم بالغباء".

 

سمير جريس

مراجعة: عماد مبارك غانم

حقوق النشر: دويتشه فيله 2010

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "ألف ليلة وليلة": عمل إباحي خليع أم تراث إنساني رفيع؟

عند قراءة كتاب (ألف ليلة وليلة) يتبادر إلى ذهن القارئ أنه قد اشترك في تأليف الكتاب أكثر من شخص ، وتعاقب عليه أكثر من عصر ؛ فإن صح أن بداية تدوين الحكايات بدأ في القرن الثالث الهجري ، فإن القارئ يجد حكايات لا يمكن تصنيفها زمنياً إلا في أواخر العصر المملوكي . وما يهمنا هو أن تعاقب المؤلفين والأزمان كان له دور وتأثير في صياغة الحكايات (بالحذف والإضافة والتعديل) . وبمجرد الوثوق بفكرة التعاقب تتوالد لدينا أسئلة عدة ، وبما أننا خصصنا المقال للحكاية الإطار فإن أسئلتنا ستنصب في هذا الجانب ؛ فهل تم إعادة صياغة الحكاية الإطار ؟ وهذه الحكاية التي يكاد يختفي تأثيرها أثناء توالد الحكايات الأخرى وتكتفي بدور الفاصل بين الليلة والليلة التي تليها ، هل كان مخططاً لها (أقصد الحكاية الإطار) أن تلعب دوراً أكبر في الحكاية ؟ وباستثناء الشخصيتين الرئيسيتين (شهريار وشهرزاد) في الحكاية الإطار هل هناك شخصيات كان يمكن أن تسند لها أدوار البطولة ؟ وهل كان مفترضاً لها أن تتبادل الأدوار كل دور حسب وظيفته : دور الكلام بدلاً من شهرزاد ، ودور الاستماع بدلاً من شهريار ؟ .

قاسم حسن القفة08.10.2014 | 08:56 Uhr