الصورة: لاريسا بندر
الحجاب من وجهة النظر التربيوية:

إمكانيات التربية المناهضة للعنصرية

ما زالت صورة نمطية عن الحجاب سائدة لدى مختلف شرائح المجتمع الألماني. أستاذة التربية الإعلامية في جامعة إرلانغن سابينة شيفر ترى أنه من الممكن التعامل مع الحجاب كجزء من التربية المناهضة للعنصرية.
الصورة: لاريسا بندر
الحجاب، رمز الاضطهاد أم التنوع الثقافي والخصوصية؟

​​الحجاب هو رمز الاضطهاد الذي يمارسه الإسلام ضد المرأة، ما زالت هذه الصورة النمطية سائدة لدى مختلف شرائح المجتمع الألماني. أستاذة التربية الإعلامية في جامعة إرلانغن سابينة شيفر ترى أنه من الممكن التعامل مع الحجاب كجزء من التربية المناهضة للعنصرية.

إنه لمن التناقض بمكان أن نسعى لتحرر المسلمات، وهن لا يرغبن في ذلك. إذا بإحداهن تذهب وتطالب المحكمة بالسماح لها بلبس الحجاب. أليس هذا الحجاب هو رمز اضطهاد المرأة على وجه الإطلاق؟ والآن أضفيت مبالغات على أهمية هذه القطعة من القماش، حتى أن الأحكام القضائية لا تكاد تستطيع اتخاذ موقفا محايدا بشأنها.

فمع الوقت اكتسب الحجاب معان كثيرة، لدرجة أن قضاة المحكمة العليا في كارلسروه كانوا متخوفين من اصدار حكم مبدئي بخصوص الدعوى المقدمة من السيدة فرشته لودين، مع علمهم أنه لزاما عليهم إصدار حكم بهذا الشأن في وقت ما.

علمانية تركيا المسلمة

غير أنه كان من الصعب عليهم بناء الحكم حسب معاييرهم الخاصة. ولكن نظرة إلى تركيا المنتظر انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي سهلت الحكم لأن الحجاب يكاد يكون ممنوعا هناك في المصالح والمباني الحكومية. وهنا قد يتغافل المرء عن أن الوضع يتعلق هنا بدولة علمانية، وهذا ما لا ينطبق على ألمانيا الإتحادية. وهي مقارنة ضعيفة من الممكن أن تؤدي إلى استبعاد الرموز الدينية - وهذا ينطبق على الحجاب أيضا- من المؤسسات الحكومية.

الحجاب كرمز لرفض الغرب

وكان من الواجب أن يسبق مثل هذا الحكم مناقشة موضوعية تشمل كل الرموز الدينية، ولكن ذلك ليس من المتوقع هنا، إذ أن الحجاب له قصة طويلة. فقد صار الحجاب - بعد تولي الإمام الخميني الحكم في إيران عام 1979 – قضية الساعة أكثر من كونه غطاء على الرأس.

ولن نربط طبيعة الحجاب بدرجة الحرية التي تتمتع بها المرتديات له. فالحجاب لا يعتبر فقط رمزا لاضطهاد الإسلام للمرأة المسلمة بل أيضا مثالا على الكبت الذي يمارسه الإسلام بشكل عام.

ففي مقابل ازدياد الرموز الدينية مثل الحجاب واللحية ازداد الإحساس النمطي بهذه الرموز والذي خيل للكثيرين أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول قد أكدته، وهو أن سمات الاسلام الظاهرة هي ظواهر يقينية لرفض المفاهيم الغربية للثقافة والديمقراطية.

حياء شخصي أم إعلان هوية

وهذ الرفض موجود بالفعل ولكن لا يمكن أن يعرف ظاهريا. ولكن أنى للمرء أن يتفادى مصايد التعميم؟ فمن المعروف أن علم النفس يقول بأن الرفض يقوي القدرات الراديكالية. وإن مساعي الذين يجتهدون في تقييم الإسلام في أوروبا بشكل عقلاني سوف تبوء بالفشل جراء هذا الرفض.

هذا وقد بدأت المبالغة في رمزية الحجاب في بيئته، وبعض المجموعات يعلقون - على تلك الرمزية - قدرة المجتمع غير المسلم المتعدد الطبقات على اندماج الآخرين فيه. والسيدة لودين تريد التأكيد على هويتها الدينية، ومن ثم فهي تؤكد على تلك الرمزية بارتدائها للحجاب.

وقد تكون الإشارة إلى الخصائص الثقافية المميزة كافية بالنسبة لعدم تجاوز حدود الحياء الشخصي. وهل يستطيع الفرد أن يعيش ويعمل في مجتمع يحيى أهله بدون لباس أو بقليل من اللباس بغرض التكيف مع المحيط؟ ولو كان الحياء الشخصي هو بؤرة الجدل لكان الموضوع شيئا آخر. أما الآن فعلينا أن نتجادل حول التسامح الديني بنظرتنا الكلية المميزة التي تؤدي في الغالب إلى التعميم.

العمل وحرية المرأة

وكان من نتائج الثورة الصناعية وما ينوط بها من الفصل بين مجالات الحياة (دنيا العمل والحياة الخاص وما شابه ذلك) أن أصبحت – فيما يسمى بالغرب – الحياة العامة مما يراه الجمهور أمر من الأمور المهمة، وإمكانية الحركة في هذا المجال غالبا ما تكون مصحوبة بالسلطة.

ولهذا كانت حركة تحرير المرأة مصحوبة بغزو الحياة العامة، وأصبح النساء تظهر في الحياة العامة وأصبحت لهن سلطة بالمقارنة بغيرهن اللائي يعملن في المنزل أو يقمن بأعمال خفيفة لا ترعى الانتباه.

وهكذا أصبح "البقاء في المنزل أمام الفرن" هو شعار التخلف، كما أصبح المقصود الآن بفعل "يعمل" هو فقط "العمل خارج المنزل" (في أي وظيفة ولا يهم السمعة فهذا أفضل من العمل المنزلي). وهذا يفسر لنا قبول دعاة المساواة بين الجنسين عمل المرأة كدليل على تحررها. وبهذه الطريقة يصبح الرجل هو المقياس.

الحجاب باعتباره تغييب للمرأة

وقد تم نقل الاعتراف بالحياة العامة كمجال ذي نفوذ على حضارة أخرى، وعليه فإن المرأة المحجبة - لأن الناس لا "تراها" من حيث نهوضها بالأعمال المنزلية، أي أنها لا تعمل في أحد المجالات العامة – تخالف التصورات المحلية لتحرر المرأة، مما يجعل ارتداء المرأة للحجاب استمرارا "لعدم ظهورها" في الحياة العامة.

إلا أن الأمر أبسط بكثير، ذلك إذا ما ساوى المرء بين الحرية العامة والحرية في الملبس. فالموضوع لا يتعلق بحرية الملبس الحقيقية عندما يطلب ارتداء قطعة ملابس معينة. والحجاب نفسه – كشئ ظاهر مرئي - يمكن أن يغني عن البحث عن الأدلة.

فعندما يرى المرء امرأة محجبة عبر شاشة التلفاز تجول بخاطره أفكار مختلفة كانت متواجدة على مدى سنين عدة، وتلك الأفكار تأتي بطريقة تلقائية، ومن ثم لا يسأل عن مدى صحتها. وتلك الأفكار والتصورات - مثل الجبر على ارتداء الحجاب وكثير من ذلك – تبدوا وكأنها "حقيقية".

الإسلام والحجاب

وعندما يتحدث المرء عن الإسلام يفرض موضوع الحجاب على الساحة، في حين أن المتفوقات من النساء غالبا ما تظهرن بدونه، مثل شيرين عبادي الإيرانية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام.

وعلاوة على ذلك نجد أن كل موضوع يتعلق بـ"الأجانب" مصحوب بصور لنساء يرتدين الحجاب منذ سنوات في النشرات الإخبارية والجرائد، لدرجة أنها رسخت فكرة "غرابة الإسلام". وكل هذا يقف عائقا أمام اندماج النساء المسلمات في المجتمع، لأنهن غالبا ما يشعرن بسوء فهمهن بدلا من "مساندتهن".

كل هذه الأفكار لا تأخذ بعين الاعتبار عندما ينظر المرء إلى الحجاب على أنه عامل يثير التهديد لا يجب أن يراه الأطفال. ولكن ماذا يمكن أن تسبب هذه القطعة من القماش من أضرار؟ لماذا لا نكون بمثل هذه الحساسية عند عرض صور العنف في الإعلام وأثناء المناقشات الأخرى؟

فالحجج التي تقول بأن المعلمة التي ترتدي الحجاب ليست متحررة هي حجج غير مقنعة، وعلاوة على هذا فإن الحجاب قد يكون محاولة لممارسة التربية المناهضة للعنصرية.

دور الإعلام الإيجابي

وهذه التربية سوف تكون أكثر نجاحا عندما تتواجد كل صور الحياة – بدون تعليقات - في المحيط الذي يعيش فيه الأطفال، أي ببساطة وبصورة عادية. وهذا ينطبق أيضا على لون البشرة والأوصاف الأخرى التي تعلمناها نحن الكبار والتي نلمسها على أنها "شىء مختلف (تماما)"، مثل الإعاقة الجسدية والسمات الدينية المميزة والثياب وشكل العينين والقامة وخلافه.

والبيئة ليست مثالية كما يتمناها التربويون، ومن الممكن أن يكون الإعلام الذي تظهر فيه تلك المجموعات البشرية، مثل كتب الأطفال والبرامج المرئية وخلافه، عاملا تكميليا وأن يلعب دورا إيجابيا كبيرا.

البيئة والتطبع

ومن المهم هنا أن يظهر كل شيء على حالته العادية وبدون إبراز لصفات خاصة، مثل المريض على الكرسي المتحرك والشخص البدين في حديقة الحيوان. وأيضا الزنوج والآسيويين ومن لهم علامات مميزة لتبعيتهم الدينية المختلفة والشباب والبنات في كل مواقف الحياة، دون أن يكون في سياق نمطي.

ومن الأفضل أن تظهر البيئة التي يعيش فيها الطفل هذه الحقائق الواقعية في وقت مبكر بقدر الإمكان حتى يتقبل الطفل هذه الفوارق بسهولة وبساطة، وحتى لا نجعل منه موضوعا للمناقشة أو نعتبره غريبا.

وهنا يمكننا أن نتصور وجود معلمة أو بعض المعلمات المرتديات الحجاب في المدرسة، أو بالأحرى في روضة الأطفال. فطالما لا نجعل من ذلك موضوعا للمناقشة، فسوف تكون الصورة معتادة عند الأطفال ولا تثير انتباههم. والخطر بالنسبة لأطفالنا يكمن في التعامل الهجومي مع هذه القطعة من القماش أو مع المرتديات لها، والتعليقات الشائعة حاليا تثير انتباه الأطفال بسرعة إلى مرتديات الحجاب. واحسرتاه!

بقلم سابينة شيفر
حقوق الطبع قنطرة 2005
ترجمة عبد اللطيف شعيب

سابينة شيفر أستاذة التربية الإعلامية في جامعة نورنبرغ/إرلانغن

قنطرة
الجدل حول الحجاب
مناقشات حامية تدور حول اللباس الإسلامي للمرأة، ليس في المانيا فقط بل في أوربا والعالم الإسلامي أيضا. نقدم في الملف التالي خلفيات ومواقف مختلفة وأمثلة من دول شتى

حقائق مختلقة وصور مشوهة
أصبح الإسلام منذ مقتل المخرج الهولندي فان كوخ محورا لاهتمام أجهزة الإعلام من جديد. ولكن من الملاحظ أن الكثير من التقارير عن المسلمين والإسلام تفتقد إلى الدقة في البحث وتتسم بعرض أنصاف الحقائق. تحليل سابينه شيفر.

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.