الحجاب ومعاني القوة والإغراء في السياق التاريخي وعبر العصور

"العالم الذي تحكمه النساء سيرتدي فيه الرجال الحجاب"

ارتدى الكاتب عبد الله حميد الدين حجاب ابنته للتذكير بأن الحجاب كان في الأصل تعبيراً عن القوة، مشيراً إلى أهمية عبور الحدود المتجذرة بين الرجال والنساء في المجتمعات الغربية والشرقية. ويرى أن النساء لو كُنّ هن الممسكات بزمام الحكم والسلطة لاختلفت الأوضاع اختلافاً تاماً في وقتنا الراهن. ويؤكد المعلِّق على الشؤون الدينية في تحليله التالي أن ارتداء النساء لغطاء الرأس جاء لأسباب مختلفة في العديد من الثقافات والمجتمعات عبر القرون.

الحجاب قطعة معقدة للغاية من الملابس. فمنذ اختراعها قبل آلاف السنين، حملت معانيَ كثيرة. من ناحية، كان الحجاب تعبيراً عن الهيمنة الذكورية، ومن ناحية أخرى إشارة دينية، أو حتى أحد مظاهر قمع النساء وأحياناً تقييداً لقوة الإغراء الأنثوية. كما كان أيقونة للفخر الثقافي وشعاراً لمقاومة الاستعمار والإمبريالية والعولمة، إلى جانب كونه مؤشراً على الزوجة الصالحة أو وسيلة للتهرب من المنافسة النسائية أو حتى طريقة للتميّز ومثبطاً للمتحرشين – معان كثيرة نُسبت في حقب مختلفة لأسباب اجتماعية وسياسية مختلفة من قبل أشخاص مختلفين باختلاف دوافعهم.

لذلك، يصعب الحديث عن "حجاب" واحد، وبدلاً من ذلك ينبغي الحديث عن "حُجُب" مختلفة، ذلك أنها جميعاً تستخدم قطعة من القماش أو النسيج، إلا أنها تربط بها معان عديدة لدرجة يستحيل معها إجراء أي تعميم، مهما كانت درجة اعتداله. أود أن أشير هنا إلى أن أي تعميم أقوم به هنا لديه عدة استثناءات.

لكن رغم هذه الاختلافات الكبيرة، يبدو أن هناك ثابتاً واحداً حول الحجاب، ألا وهو أنه يتعلق بالمرأة وللمرأة. فالرجال لا يرتدون الحجاب. ورغم أن الرجال يغطون رؤوسهم ووجوههم أحياناً، إلا أن ذلك أمر مختلف. فالحجاب ليس قطعة قماش تغطي الرأس أو الشعر أو حتى الوجه وحسب، بل إنه شيء مختلف تماماً.

 رجل يرتدي الحجاب

نساء ألمانيات مرتديات للحجاب في مدينة برلين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. photo: picture-alliance/dpa
رغم أن غطاء الرأس مرتبط حالياً بالمسلمات، إلا أن النساء في العديد من الثقافات والمجتمعات كن يرتدين غطاء الرأس لأسباب مختلفة عبر القرون. في الصورة: "نساء الأنقاض" في مدينة برلين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

قبل أكثر من أسبوع، خضت نقاشاً حول التحرش الجنسي بالنساء. حجتي كانت أن التحرش – مثله مثل العديد من الجرائم الجنسية – ليس نتاجاً طبيعياً لعملية الإغراء، بل تعبيراً مرَضياً عن القوة (وبشكل ما أو بآخر، فإن كل تعبير عن القوة مرضيّ). لذلك، فإن الحجاب لا يمكنه حماية النساء من العنف الجنسي للرجال، وعلى الأرجح أنه استُحدث للتعبير عن سطوة الرجل على المرأة.

 وفي تلخيص لحجتي هذه، كتبت تغريدة تقول: "إن عالماً تحكمه النساء سيرتدي فيه الرجال الحجاب". ومن أجل تأكيد هذه النقطة، ارتديت حجاب ابنتي والتقطت صورة لنفسي ومن ثم استخدمتها كصورة لحسابي على موقعي "فيسبوك" و"تويتر". هدفي كان تذكير الناس بأن الحجاب كان في الأصل تعبيراً عن القوة، وأنه لو كانت النساء تحكم العالم، لكانت الأمور مختلفة تماماً.

 التعليقات التي تلقيتها كشفت عن مواقف عديدة. فبعض الرجال والنساء اعتبروا ما كتبته تضامناً مع النساء، بينما ظنّ البعض الآخر أنني أعارض فكرة الحجاب. بل إن البعض غازلوني. كانت هناك تعليقات غاضبة، وكأنني وضعت صورة لنفسي عارياً في ميدان تايمز (نيويور).

 أعتقد أن ما أغضب هؤلاء هو حقيقة أنني، ولو لجزء من الثانية، ربما أبهمت الفروقات بين الجنسين وربما ذكّرت الرجال والنساء بهيمنة أحدهم على الآخر، وكلاهما مزعج. ربما يكون ذلك السبب في أن بعض التقاليد الدينية تعتبر ارتداء الرجل لملابس المرأة والمرأة لملابس الرجل خطيئة، أي بمعنى آخر إبهام الفروقات المتجذرة بين الجنسين.

تاريخ مختصر للحجاب

 ارتداء الحجاب عادة قديمة للغاية، فالآشوريون والبابليون والفرس والإغريق والرومان عرفوا نوعاً من تغطية الرأس في تقاليدهم، إضافة إلى اليهود والمسيحيين. ورغم أن الناس اليوم يربطون الحجاب بالمسلمين، إلا أن المسلمين في حقيقة الأمر ورثوا هذه الممارسة ومعانيها من ثقافات أخرى.

 في البداية، كان الحجاب مرتبطاً بالطبقة الاجتماعية، إذ كانت نساء الطبقات العليا مجبرات على ارتدائه لتمييزهن عن نساء الطبقات الدنيا. هؤلاء النساء كنّ ينتمين – بكل معنى الكلمة – إلى طبقة النبلاء والحجاب كان دليلاً على ذلك. ومن خلال هذا الوسم، تمتعت تلك النساء بالحماية، إذ كان الرجال يأخذون حذرهم قبل التحرش بامرأة تنتمي إلى طبقة النبلاء. ومن أجل الحفاظ على وظيفة الفصل الطبقي للحجاب، فُرضت قوانين تحظر على نساء الطبقات الدنيا ارتداء الحجاب وتعاقبهن إذا ارتدينه.

نساء في طهران عام 1979 في احتجاجات ضد قانون يفرض ارتداء الحجاب.  photo: no copyright
بعد الإطاحة بشاه إيران وقيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، فُرض على النساء مرة أخرى ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، وهو أمر كان شبه مهجور في عهد الشاه. أثار هذا القرار سخط الكثير من النساء، اللواتي نظمن احتجاجات عامة ضده.

أما في بعض التقاليد الأخرى، فقد كان ارتداء الحجاب مقصوراً على النساء المتزوجات، بينما رمز في ثقافات أخرى إلى سلطة الذكر. كان هناك من لام حواء على التسبب في طرد الرجال من الجنة، وبالتالي طالبها بارتداء الحجاب لإخفاء مفاتنها. لذلك، عندما ظهر المسلمون على الساحة، كانت لديهم مجموعة من المعاني المرتبطة بالحجاب، التي تبنوها بعد إجراء بعض التعديلات عليها.

 فقد ارتدت المسلمات الحجاب للتدليل على أنهن ينتمين إلى طبقة جديدة من المؤمنين، إذ كان ذلك يحميهن أثناء السنوات الأولى من ظهور الإسلام. كما ارتدت المرأة الحجاب كي لا تبرز جمالها إلا لزوجها، الذي كان يمتلكها ويمتلك قوة إغرائها. إضافة إلى ذلك، لم يكن الحجاب ممارساً بشكل عام ولم يكن هدفه الحدّ من الإغراء في الأماكن العامة، ذلك أن الإماء (أو الجواري) – اللواتي كنّ كثيرات – لم يكنّ ملزمات بارتداء الحجاب، وكان بإمكانهن الخروج إلى الشوارع بنهود مكشوفة. لقد كان الحجاب قضية طبقية في صفوف المسلمين، كما كان في المجتمعات التي سبقتهم.

 الحجاب السياسي والبراغماتي

 المعاني التاريخية المرتبطة بالحجاب هيمنت عليه حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما قرر بعض المستعمرين أن واجبهم هو تحرير النساء في مستعمراتهم. أحد هؤلاء كان اللورد كرومر، الذي اعتبر الحجاب تجسيداً لقمع المرأة في مصر. ومن المثير للاهتمام أن كرومر كان في إنكلترا عضواً بالاتحاد النسائي الوطني ضد الانتخاب، الذي عمل على منع النساء من الحصول على حقوقهن الانتخابية الكاملة.

 لقد حكم كرومر مصر فعلياً بين عامي 1878 و1907، وبالتالي فإن النقاش الذي تولّد بسبب آرائه ومواقفه تجاه الحجاب أثر على رؤية الكثير من الغربيين والعرب/ المسلمين للحجاب. كما ساهم اللورد كرومر في ولادة وجهة النظر القائلة بأن الحجاب رمز للقمع الاجتماعي والرجعية. في المقابل، فإن المصريين – ومسلمين آخرين فيما بعد – أعادوا تأسيس الحجاب كرمز للهوية وعلامة على المقاومة.

 لقد غدا الحجاب جزءاً من الهوية الثقافية لمجتمعات غاب عنها إحساسها بذاتها بسبب الإرباك العنيف الذي سببه لها الاستعمار. كما أصبح الحجاب أيضاً طريقة للتأكيد على رفض المستعمر. كما طوّر الحجاب معانيَ مماثلة لذلك عندما اعتبره بعض أفراد الطبقة الحاكمة والنخبة المسلمة دليلاً على الرجعية وحاربوه في دولهم. وبالإضافة إلى المعنى الجديد المتمثل في الهوية والمقاومة، انفصل الحجاب عن أصوله الطبقية. فبدل أن يكون لباساً للطبقات العليا ومفروضاً عليها، أصبح الحجاب اليوم شائعاً بين العامة ورمزاً للحشمة الاجتماعية.

نساء إندونيسيات مسلمات في احتجاجات على قرار فرنسا عام 2004 حظر حجاب المسلمات والرموز الدينية في المدارس الفرنسية العامة. photo: AP
طبقاً لعبد الله حميد الدين، فإن أهم تطور للحجاب في التاريخ المعاصر كان الحظر الذي فرضته فرنسا عام 2004 على ارتداء المسلمات للحجاب وأزياء دينية أخرى في المدارس العامة، وهو ما أدى إلى احتجاجات للمسلمات حول العالم ضد هذا القرار.

علاوة على ذلك، فقد تم التأسيس لمعنى جديد له مرتبط بالأحزاب الإسلامية. والآن، أصبح الحجاب رمزاً على الانتماء للحزب، والانتشار الواسع لارتداء الحجاب بات مؤشراً على قوة القاعدة الشعبية للحزب. وقد كان التطور الأكثر أهمية في تاريخ الحجاب المعاصر عندما قررت فرنسا منع ارتدائه في الأماكن العامة. ورغم أن هذا الحظر لم يضف أية معانٍ جديدة لتلك التي كانت موجودة خلال السنوات المئة الأخيرة، إلا أنه عمّق معانيَ قديمة.

 كما طوّر الحجاب أيضاً معانيَ براغماتية دنيوية، لأن السياسة والسلطة ليست أهم ما في عقول النساء اللواتي يرتدين الحجاب، ذلك أن أغلبهن لا يدركن أصل الحجاب ومعانيه الاجتماعية والسياسية الحديثة. كما أن بعض النساء يرتدين الحجاب لأنه، بحسب قولهن، يحميهن من التحرش، في الوقت الذي تقول فيه أخريات إنهن يرتدينه لأنه يقلل الحاجة لشراء العديد من الملابس والتنافس مع النساء الأخريات حول الموضة. وهناك من يقلن أن ارتداءه يحسّن من فرص إيجاد زوج. فالرجال، بحسب ما تقول تلك النساء، ربما يحبون مغازلة نساء جميلات غير متحجبات، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بتأسيس عائلة، فإنهم يفضلون النساء المتواضعات المطيعات. وأخيراً، هناك النساء اللواتي يقلن إنهن يرتدين الحجاب لأن الله يأمرهن بذلك.

 التحرك باتجاه الماضي

 في البداية كان هناك بشر وكانت ملامحهم الجسدية مختلفة. هذا الاختلاف ولّد توقعات مختلفة. فبعض البشر لم يكونوا قادرين على إنجاب أطفال، الأمر الذي كان ضرورياً من أجل استمرار الحياة، بينما كان آخرون أقوى جسدياً وأفضل في جمع الطعام.

وكنتيجة لعملية اجتماعية لا يعرف عنها أي شخص شيئاً، قرر البشر أن يصبحوا ذكراً وأنثى. الذكور وفروا الطعام والحماية، بينما وفرت الإناث الأطفال. وبعد أن تطور المجتمع وأصبح أكثر تعقيداً، خُلقت اختلافات أخرى، إذ بات على الإناث أن ينتمين إلى الذكور وأن يتصرفن بطريقة معينة. كما كان على الذكور الانتماء لذكور آخرين والتصرف بطريقة مختلفة عن الإناث وعن الذكور الآخرين أيضاً.

 والآن، لدينا الرجل والمرأة. أصبح لدينا جنسان. لقد تم رصد التوقعات وتجسيد الأدوار وتقسيم الخصائص وفقاً للذكر والأنثى. كما تم رسم الحدود بينهما. وأي فرد يسعى لكسر هذه الحواجز، كالمثليين جنسياً مثلاً، يصبح منبوذاً.

 ربما لن يكون ممكناً في المستقبل العودة إلى ذلك الوضع الفطري القديم عندما لم يكن هناك جنسان. لكن على الرغم من ذلك، من المهم بين الفينة والأخرى التذكير بأن وضعنا الحالي ليس عادياً على الإطلاق أو صحياً. من الضروري أن نعبر الحدود المتجذرة بين الرجال والنساء، وهناك العديد من الطرق للقيام بذلك في المجتمعات الغربية والشرقية، إحداها أن يرتدي الرجل الحجاب.

 

عبد الله حميد الدين

ترجمة: ياسر أبو معيلق

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: بابل ميد/ قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.