الاحتجاج ضد سلطة الأمن والجيش في عهد السيسي

خصوم العسكر في مصر يخرجون عن صمتهم

اقتصرت التظاهرات التي شهدتها مصر خلال الأربعة أشهر الأخيرة بشكل كبير على أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي الرافضين للإطاحة به من قبل الجيش وغير المعترفين بالحكومة الانتقالية التي تم تشكيلها بعد عزله. لكن ما لبث أن قرر نشطاء ثوريون وليبراليون الخروج عن صمتهم ودخول ساحة الاحتجاج ضد العسكر مع تزايد أخبار الاعتقالات القسرية والتعذيب. غير أن النظام المصري يبدو مستعدا استعدادا جيدا لمواجهة الاحتجاجات. كما يرينا ماركوس زومانك من القاهرة.

محاطاً بمجموعة من كبار رجال الدولة وعلى أنغام أغنية وطنية، افتتح رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي يوم الاثنين (18 نوفمبر/  تشرين الثاني 2013) النصب التذكاري لضحايا الثورة بميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية القاهرة. ولم تكد تمر 24 ساعة على هذا الحدث حتى تحطم الجزء الرخامي من النصب كما امتلأت الساحة برسوم الجرافيتي على يد نشطاء مرددين عبارات تنادي بسقوط "خونة" الثورة بين صفوف الإسلاميين وأنصار مبارك والجيش.

ووسط الجموع نال أحد النشطاء استحسان الحضور بعد أن صاح في مكبر الصوت: "لا نريد قتل أحد، لسنا مع سفك الدم. كل ما نريده هو العدالة بحق الشهداء وعقاب من أضر بالبلد وبالثورة فهدفنا في النهاية هو الخير لبلدنا". وأوضح الناشط موقفه بقوله إن قتلة الشهداء مازالوا أحرارا رغم مرور ما يقرب من ثلاثة أعوام على ثورة الخامس والعشرين من يناير مشيرا إلى أن النظام الجديد يحمي المسؤولين عن دم الشهداء تماما كما فعل سابقه. ويرى النشطاء أن قيام القاتل بعمل نصب تذكاري لضحاياه مسألة مثيرة للسخرية.

نقد مباشر للسيسي

اقتصرت التظاهرات التي شهدتها مصر خلال الأربعة أشهر الأخيرة بشكل كبير على أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي الرافضين لعزله من قبل الجيش وغير المعترفين بالحكومة الانتقالية التي تم تشكيلها بعد عزل مرسي لكن لاعبا جديدا يدخل الآن ساحة الاحتجاج لاسيما من التيار الليبرالي. فالنشطاء الشباب توقفوا خلال الأشهر الماضية عن التظاهر حتى لا يتم وضعهم في بوتقة واحدة مع أنصار مرسي والإخوان لكن مع تزايد الأخبار عن عمليات اعتقال قسري وتعذيب والتي تشير أيضا إلى أن قيادات الجيش لا تعتزم التخلي على الامتيازات التي يقرها الدستور، قرر النشطاء الخروج عن صمتهم.

النصب التذكاري لضحايا الثورة الاحتجاجية بميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية القاهرة. Foto: picture-alliance/dpa
النصب التذكاري لضحايا الثورة في ميدان التحرير قبل أن يمسه الضرر: لم تمضِ 24 ساعة بعد افتتاح النصب التذكاري لضحايا ثورة عام 2011 المصرية حتى نشبت مواجهات بين الجيش والمحتجين.

بدأ كسر حاجز الصمت الأسبوع الماضي على يد الناشط أحمد حرارة الذي هاجم وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في مقابلة تليفزيونية ليكون بذلك أول من يهاجم وزير الدفاع الفريق السيسي من خارج صفوف الإسلاميين. وقال حرارة إن جميع أفراد المجلس العسكري السابق بمن فيهم الفريق السيسي يجب أن يحاسبوا على قتلى أحداث محمد محمود التي وقعت قبل عامين وأودت بحياة 47 شخصا على الأقل من المحتجين على إدارة المجلس العسكري آنذاك للبلاد، على يد قوات الأمن.

وفقد حرارة خلال هذه الأحداث عينه اليسرى التي أصابتها رصاصة مطاطية وذلك بعد عشرة أشهر من فقدان عينه اليمنى خلال الثورة ضد نظام مبارك. وذكر حرارة خلال المقابلة التليفزيونية، الشعب المصري بأن السيسي كان أحد أعضاء المجلس العسكري الذي وقعت في عهده أحداث محمد محمود.

بصمة النظام على تاريخ الثورة

بالرغم من أن شعبية الجيش صارت في تزايد واضح بعد عزل مرسي وبالرغم من الدعاية الواضحة للإعلام الرسمي إلا أن كل هذا لم ينجح في حذف صور وفيديوهات التعامل الوحشي للسلطات الأمنية مع المحتجين في محمد محمود قبل عامين، من أذهان المصريين. لهذا السبب تحاول قوات الأمن الاستفادة من ذكرى التاسع عشر من نوفمبر إذ دعت وزارة الداخلية مؤخرا لتخليد ذكرى الضحايا المدنيين وأيضا ضحايا الشرطة والجيش خلال هذا اليوم حتى لا يبدو وكأنه يوم موجه في الأساس ضد قوات الأمن. وانضم الإخوان أيضا لركب المتظاهرين إذ أعلنوا تنظيم مظاهرات في ذكرى محمد محمود متجاهلين حقيقة صمتهم وقتها على العنف الذي استخدمته سلطات الأمن ضد المحتجين.

أقارب ضحايا الثورة يرفعون صور ذويهم القتلى.  Foto: picture-alliance/dpa
حزن عميق على ضحايا الثورة: أقارب ضحايا الثورة يرفعون صور ذويهم القتلى.

وتنتقد الناشطة إيمان مثل الكثير من النشطاء، حالة التزوير التي يقوم بها النظام والإسلاميون على حد سواء وتقول:" تريد الحكومة ووزارة الداخلية إقناعنا بأن الإخوان هم من يتحملون مسؤولية القتل الذي حدث آنذاك، ومن ناحية أخرى يريد الإخوان استغلال هذا اليوم للعودة للسلطة مع العلم بأن هناك ضحايا سقطوا خلال إحياء الذكرى الأولى للأحداث والتي كانت تحت حكمهم".

البحث عن الحل الثالث

يعتزم النشطاء ومعظمهم من الليبراليين واليساريين عدم ترك كتابة حقائق الثورة في يد الجيش أو الإسلاميين بالرغم من أن أعداد منتقدي الجيش مازالت محدودة. وتوافد نحو ألف شخص على ميدان التحرير مساء الاثنين لينضم إليهم بضع مئات يوم الثلاثاء (19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013) وسط مشاحنات مع أنصار السيسي وفي ظل تحليق مروحيات تابعة للجيش فوق المتظاهرين. ويتحدث الناشط مصطفى عن صعوبة ما يعانيه من يفكر في النزول للشارع حاليا في ظل حملة الدعاية التي يقوم بها النظام والتي تجعل الناس يعتقدون أن من ينزل الشارع الآن إما إرهابي أو مؤيد للإخوان. ويرى الناشط ضرورة العثور على طريق بديل ويقول: "لا بد أن نتوصل لحل ثالث من خلال حكومة بعيدة عن الفاشية الدينية والفاشية العسكرية".

رسوم جدارية لوجوه ضحايا احتجاجات شارع محمد محمود التي حدثت في نوفمبر 2011. Foto: picture-alliance/dpa
قال الناشط أحمد حرارة إن جميع أفراد المجلس العسكري السابق بمن فيهم الفريق السيسي يجب أن يحاسبوا على قتلى أحداث محمد محمود التي وقعت قبل عامين في (19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011) وأودت بحياة 47 شخصا على الأقل من المحتجين ضد إدارة المجلس العسكري آنذاك للبلاد.

من ناحيتها تستعد الحكومة بإجراءات من شأنها السيطرة على الموقف حال نشوب مظاهرات مشابهة في المستقبل، فقد تسلم الرئيس المؤقت عدلي منصور مشروع قانون التظاهر محل الجدل. كما تجري حاليا مناقشات بشأن قانون لتجريم الجرافيتي بسجن من يقوم به لمدة تصل إلى أربعة أعوام مع العلم أن رجل الشرطة الوحيد المدان حتى الآن في أحداث محمد محمود حكم عليه بالسجن ثلاثة أعوام.

 

ماركوس زومانك

ترجمة: ابتسام فوزي

تحرير: هبة الله إسماعيل

حقوق النشر: دويتشه فيله 2013

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة