المساواة في المعاملة للجميع

تعتبر إصابات المصابين في مستشفى "المواساة" فردية مثل قصصهم أيضًا. مثلًا: محمد شاب من بغداد موجود في المستشفى منذ ثلاثة أشهر، وهو هنا للمرة الثالثة. أطلق مجهولون النار على بيت عائلته في بغداد (عام 2006)، مما أسفر عن قتل والده واثنين من أعمامه. أمَّا هو فقد أصيب بجروح خطيرة في بطنه وساقه اليسرى.

لقد كانت الكسور المتعدِّد في ساقه معقَّدةً للغاية، بحيث كان لا بدّ من أن يُجرى له علاجٌ فيزيائي مكثَّف، وهكذا جاء إلى عمَّان. يقول محمد: "أتمنى من كلّ قلبي أن أبقى هنا. فنحن ما زلنا نعيش في نفس البيت، وثقوب الرصاص في الجدران ما زالت موجودة، وقد تعرَّضنا للتهديد مرة أخرى. أنا لم أتمكَّن بتاتًا من إنهاء دراستي بسبب هذا الحادث، ولا يوجد لديّ مال ولا عمل ولا حتى أمل عندما أعود إلى وطني. الله وحده يعلم ماذا سيحدث".

من بين المعالِجين في المستشفى شابٌ أردني من مدينة مادبا اسمه زيد. يشعر زيد بالالتزام نحو مرضاه القادمين من دول مختلفة ونحو عقيدة ربّ عمله، ويقول: "أعامل الجميع هنا معاملة متساوية، بصرف النظر عن دينهم أو جنسيتهم. وأنا قريب جدًا من العديد من مرضاي، حيث أقضي معهم هنا وقتًا أطول مما أقضيه في البيت مع عائلتي".

في يوم الأحد هذا يُعالج حميد، وهو جندي متقاعد عمره خمسة وستون عامًا، جاء من مدينة تعز اليمنية إلى الأردن منذ نهاية شهر تموز/يوليو عام 2018، وقد سُمح لأحد أبنائه بالسفر معه لأنَّه يعتمد على كرسي متحرِّك. مع بداية الحرب الأهلية في اليمن عام 2015 ودخول المملكة العربية السعودية، أُصيب في مدينته بسبب انفجار وكان لا بد من إجراء ست عمليات له في اليمن وحدها.

 

جريح عراقي في مستشفى "المواساة" في العاصمة الأردنية عمان. Foto: Philipp Breu
"أتمنى من كلّ قلبي أن أبقى هنا [في الأردن]": أصيب الشاب العراقي محمد بجروح خطيرة في ساقه عندما أطلق مجهولون النار على منزل أسرته في بغداد.

 

{لا يسأل الأطباء والممرضون في منظمة "أطباء بلا حدود" أبدا عن الظروف السياسية التي ارتكبت فيها أعمال العنف ضد الضحايا. ليس مهمًا بالنسبة للمنظمة مَنْ الذي أطلق الرصاص أو ألقى القنابل ولماذا. "... لا مكان في المستشفى لشعارات سياسية ودينية. نحن نريد ببساطة تقديم المساعدة". تقول المتحدثة باسم أطباء بلا حدود ماريا الفاضل}

 

ثقة كبيرة في الأطباء

وبفضل علاجه هنا في المستشفى منذ نهاية شهر تموز/يوليو 2018، بات بإمكانه الآن أن يمشي على عكازين عبر الصالة، وأن يزيد في كلّ مرة الحمل قليلًا على ساقه المكسورة عدة كسور، إلى أن يتمكَّن في يوم ما من العودة إلى المشي من دون أية مساعدة. يقول حميد: "لديَّ ثقة كبيرة في الأطباء وفي نفسي. يجب علينا دائمًا أن نبقى متفائلين. فقط عائلتي أفتقدها كثيرًا. وأنا أتوق شوقًا إلى رؤيتهم مرة أخرى عن قريب والتمكّن من تقديم المساعدة في إعادة الإعمار. أكثر ما يسعدني هو التمكّن من إعادة الكهرباء والماء إلى مدينتنا".

قد تحتوي ملفات المرضى الطبية على الكثير من التفاصيل، ولكن هناك تفاصيل لا يمكن العثور عليها بتاتًا في هذه المفات. فعلى سبيل المثال، لا يسأل الأطباء والممرِّضون أبدًا عن الظروف السياسية التي ارتكبت فيها أعمال العنف ضدّ الضحايا.

ليس مهمًا بالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود مَنْ الذي أطلق الرصاص أو ألقى القنابل ولماذا. تشرح ذلك المتحدِّثة باسم أطباء بلا حدود، ماريا الفاضل بقولها: "لا يمكننا بطبيعة الحال أن نستبعد معالجتنا مجرمي حرب، ولكن هذا ليس مهمًا هنا، لأننا ألزمنا أنفسنا بالعمل لصالح الإنسانية، وهنا لا مكان لشعارات سياسية ودينية. نحن نريد ببساطة تقديم المساعدة".

 

 

فيليب بروي

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.