الصورة د ب ا
حسب قدور فإن 20 في المائة فقط من طالباتها يلبسن الحجاب

​​عندما أسأل نفسي اليوم بوصفي مسلمةً تعيش في ألمانية إنْ كان عليَّ ارتداء الحجاب أمْ لا، يطرح السؤال نفسه في ما إذا كان النص الوارد في القرآن في الآية 33:59 التي تطالب المرأة بأنْ تضع الحجاب على رأسها ما زال يحقق الهدف الذي كان منشودًا منه في السابق؟ أي حماية المرأة من شهوة الرجال. أما جوابي على ذلك فهو لا! لا يؤدي الحجاب الغاية الأصلية في حماية المرأة في ألمانية الحاضرة. لا بل بالأحرى يحصل عكس ما أراده الله، إذْ أنَّ المرأة المحجـَّبة تتعرض لمساوئ عدة، كالاضطهاد على سبيل المثال.

  وبدلاً من الحجاب الذي كان مطلوبًا في سياق القواعد الاجتماعية آنذاك، فإنَّ النظام القانوني الفعال يوفـِّر اليوم للمرأة الحماية المطلوبة من "التحرش"، فدولة الحرية والقانون تحمي المرأة من خلال المعاقبة على الاعتداء على شخصها مثلاً. وهذا الحماية تـُعنى في المقام الأول بعدم تعرضها للأذى الجسدي، ولكن بالنظر إلى الحريات المكفولة للفرد في دولة القانون الحديثة فإنَّ الفرد مسؤولٌ عن نفسه أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. والتحجُّب لا يمكنه أنْ يعفيني من هذه المسؤولية. لا أستطيع أنْ أتوارى خلف قطعة قماش. ودولة الحرية والديمقراطية - دولة القانون تكفل للفرد حقوقًا من جهة ولكنها تضع على كاهله واجباتٍ أيضًا. وفي ظل بيئةٍ كهذه يمكنني أنْ أتصرف بشكلٍ مشرفٍ أو غير مشرفٍ بغض النظر أكنتُ أعتمرُ الحجاب أم لا.

 "إكسسوار إضافي على الأزياء" من زمن نزول القرآن؟ 

 تبعًا لهذه الحجج يمكن للمرأة أنْ تتحرر من التستر الإضافي الذي طالب به القرآن في المجتمع العربي القبلي آنذاك. وبالتالي يبقى بدايةً الخمار أو غطاء الرأس جزءًا من ملبس المرأة الذي كان معتمدًا في ذلك الزمان.  والقرآن لا يؤكد على هذا النوع من الغطاء ولا يرفضه. ولم يذكر الله هذه الكلمة سوى مرة واحدة في القرآن في الآية (24:31). وذلك بمعية الحديث المطالب بالسلوك السوي. إذًا لا يوجد تأكيدٌ قرآنيٌ خاصٌ بخصوص هذا النوع من غطاء الرأس.  ولو أنَّ  الله أراد  نوعًا خاصًا من غطاء الرأس أما كان ليذكرَه بشكلٍ واضحٍ ومحدد؟ إذًا ليس الخمار سوى "إكسسوار إضافي على الملابس الدارجة" يعكس روح عصر ذلك الزمان.  إنَّ الوظائف التي ارتبط غطاء الرأس بها عبر التاريخ أكان عن وعيٍ أو بدون وعي، مثل الوقاية من الرمل المتطاير أو من التأثيرات المضرة، لم تعد اليوم من منظورٍ عقلانيٍ وظائف قائمة وفقدت ضرورتها. كما أنَّ تصورات الناس قد تبدلت أيضًا.  

 في ألمانيا القرن الواحد والعشرين - على أقصى حد - لا يؤثر منظر شعر النساء وحده بشكلٍ مثير جنسيًا. كما لا يستثير مجرد رؤية الشعر أية تخيلات جنسية لدى أيّ أحدٍ وبالتالي لا يستثير أيَّ تصرفٍ غير أخلاقي، وربما يكون مهووسو الشـَعر (فتيش) هم الاستثناء الوحيد. عندما تسير المرأة في منطقة المشاة في مدينة ما لا ينظر أحدٌ إليها بسبب شعرها. إنما إذا كانت المرأة ترتدي ملابسَ مغريةً أو مميزةً جدًا وتتصرف بشكلٍ لافت فإنها قد تلفت نظر البعض إليه.  ناهيك عن أننا لا نتعامل اليوم مع عالم الرجال الذي كان قائمًا قبل أكثر من ألف عام. وبفضل منجزات دولة الحرية والديمقراطية، دولة القانون، وبفضل المفهوم السائد اليوم في ألمانيا عن العلاقة بين الجنسين لا تحتاج المرأة بالضرورة إلى غطاء رأسٍ كي تكون رزينةً. إذن عفا الزمن على الحجاب.

 الربط بين الحجاب والحياء لم يعد واضحًا

  

الصورة د ب ا
"لا يوجد في تاريخ الإسلام ما يشير إلى أن الحجاب له دور عنصرٍ جامعٍ في الأمة الإسلامية "، حسبما ترى لمياء قدّور.

​​إنَّ الفكرة السلفية القائمة اليوم بخصوص الحجاب كواجبٍ ديني تقوم بالدرجة الأولى على تأويل بعض العلماء الذين عاشوا بعد النبي محمد بعدة أجيال. ويمكن للمرء أنْ يتبع أحكامهم لكن هذه الأحكام ليست مُنزَلة.  وبما أنَّ العلماء بشرٌ فهم ليسوا معصومين عن الخطأ. وفي الأوساط المحافظة والأصوليَّة يتم التركيز دائمًا على أنَّ المنشود هو تصرفاتنا التي يجب أنْ تكون حسبما جاء في القرآن والسُّنة النبوية. وتتظاهر قيادة هذه الأوساط بأنها تلتزم بما جاء في عهد النبي محمد وبصدر الإسلام.

 لكنَّ الحقيقة تـُبيِّن أنَّ الرأي الذي يُمثـِّلونه يعود بالدرجة الأولى إلى آراء فقهاء عاشوا بعد صدر الإسلام بنحو 600 عام. أي الفقيه ابن قدامة الذي توفي عام 1223 م أو ابن تيمية الذي توفي عام 1328 م أو تلميذه ابن قيّم الجوزية الذي توفي عام 1350 م على سبيل المثال. ونظرًا للبنية الاجتماعية الأبوية التي كانت سائدةً في ذلك الزمان فلا عجب في أنَّ تفسير المصادر الخاصة بالعلاقة بين الجنسين قد جاء عامةً في غير صالح المرأة، بالرغم من أنَّ ذلك يتنافي مع مسعى جلَّ النصوص القرآنية فعليًا، أي تحسين وضع المرأة مقارنةً بأحوالها ومكانتها في ذلك العصر.

 ولا عجب في هذا التوجه إذا ما عرفنا أنَّ بغض النساء لدى الكثير من علماء المسلمين كان قائمًا عبر التاريخ. والربط بين الحجاب والحياء ليس بائنًا بوضوح كما يبدو، فالآيتان 24:30-31 تطالبان الرجال والنساء على حدٍّ سواء بأنْ يغضوا من أبصارهم وأن يحفظوا فروجهم، إلا أنَّ تفسيرات القرآن لا تـُركز إلى اليوم إلا على عفة التصرف لدى النساء.

 ليس للحجاب وظيفة الرمز السياسي

 بيد أنَّ فكرة القرآن بالتزام بالحشمة في الملبس تبقى فريضة دينية يجب على المرء الالتزام بها عبر ارتدائه الملابس "المناسبة". ويعني ذلك من زاوية نظر امرأة مؤمنة تغطية تلك الأجزاء من جسد المرأة التي من شأنها أنْ تثير المشاعر الجنسية في عصرنا هذا، وذلك بارتداء الملابس "الصحيحة" المعهودة في يومنا هذا. أما ما هو "صحيح" و "مناسب" و "محتشم" فهو شيءٌ يعود تعريفه لعقل المواطنة الفرد الحرة المستقلة، لأنه لا يوجد معطيات محدَّدة وملموسة في المصادر الإسلامية بما يخص الملبس في عصرنا الحالي.

 أما في الممارسة العملية السائدة فإنَّ الرجال المسنين بالدرجة الأولى، أكانوا فقهاء أم لا، هم من يعطون لنفسهم الحق بالتدخل في مظهر المرأة وذلك بدون أيِّ أساسٍ فقهي أو اجتماعي. وهذا الأمر ينسحب تمامًا على تقويم الحجاب بوصفه مؤشرًا من مؤشرات إشهار الإيمان بالإسلام.  ولا يمكن أن نجد برهانًا في التاريخ الإسلامي على عكس ذلك، إذ لا يوجد في تاريخ الإسلام ما يؤسس أو يشير إلى أنَّ للحجاب دور عنصرٍ جامعٍ في الأمة الإسلامية. كذلك الأمر بالنسبة لطرح موضوع الوظيفة السياسية للحجاب في النقاش العام كثير التداوُل، إذْ أنَّ هذا تضخيمٌ تاريخيٌ لقطعة الملابس هذه وهو عارٍ عن الصحة. وقد نشأت في العقود الأخيرة في سياق صعود التيارات الإسلامية وبوصف ذلك عنصرًا للمعارضة إزاء التأثير الغربي في العالم الإسلامي.

 

لمياء قدّور

ترجمة: يوسف حجازي

مراجعة: هشام العدم

حقوق النشر: قنطرة 2011

   

 ولدت لمياء قدّور عام 1978 في آلين في وستفاليا الألمانية لوالدين مهاجرين من سورية. درست العلوم الإسلامية وتـُدرس اليوم في جامعة مونستر الطلبة الذين سيصبحون معلمي ومعلمات الدين الإسلامي في المدارس الألمانية. أحدث كـُتبها: مسلمة - أنثى – ألمانية! حياتي من أجل إسلام معاصر، صادر عن دار س. هـ. بيك للنشر، ميونيخ 2010. وقد صدرت مقالتها في مجلة الثقافة "فكرٌ وفن" وهي ملخص دراسة لها نـُشرت في مجلد تمجيد الإسلام لناشره تورستن غيرالد شنايدر.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : ما هي الأسباب التي تدفعني كمسلمة لعدم ارتداء الحجاب؟

الجواب سهل للغاية يقول الله سبحانه و تعالى للنصارى و اليهود ... أتؤمنون ببعض الكتاب و تكفروت ببعض .......بمعنى إما أن نؤمن كله أو نكفر به كله على الأقل نكونوا سرحاء مع أنفسنا و إلا فإننا ننافق أنفسنا قبل غيرنا ...سأكون متفق معك مبد~يا إن كان الحجاب هو رداء قضى عليه الزمن و هو مذكور في القرآن فإذا القرآن كله قديم إذا سلمنا بأننا أما نؤمن به أو نكفر به و هنا على حسب ما جاء في الخطاب فالحجاب شيئ قديم لذا لن ننافق أنفسنا فل نقل الحجاب قديم و القرأن كتاب قديم كان موجها لذلك الجيل ...لكن السؤال المحير هو أن معظم العلوم في شتى المجالات و أعضمها علم الفلك لازال يكتشف أمور جديدة في زمن التكنونلوجيا و العجيب إذا ما عدنا إلى القرأن نجده مكتوب قبل 14 قرن و من هنا لا يجب أن ننافقا أنفسنا إذا كان القرآن لديه معلومات في قمة الدقة و مواكبا للاكتشافات فإذا القرآن حديث و ليس قديم و من هنا يجب أن نختار هل نكون من أهل النصارى و اليهود الذين يؤمنون ببعض الكتاب و يكفرون ببعض أم نكونوا غير منافقين و نأمن به كله بحجابه و علومه

Anonymous13.05.2014 | 22:35 Uhr

اولا و قبل كل شيئى اعلمى يا اختى ان القران صالح لكل زمان و مكاان .فلا تختبئى وراء فلسفة التحضر التى يستعملها كثير من الائكيين لتبرير عزوفهم عن تطبيق مبادئى الدين .لا جدال فى ما جاء به النص القرانى من اراد التطبيق ماشاء الله و من لا يريد فلا اكراه فى الدين اما ان تجادلى امر الله عز و جل فهذا ما ليس مقبوهداك الله الى سواء السبيل

yessGuiraa13.05.2014 | 23:48 Uhr

انت تقولين ان الله عز وجل اخطأ!!! ..
فعن اي دين يا فتاة تتحدثين ؟

Anonymous14.05.2014 | 00:32 Uhr

صحيح

محمد14.05.2014 | 06:44 Uhr

الحقيقة ان الحجاب بمعنى الخمار او غطاء الرأس والوجه احيانا ليس اختراع الاسلام فهو قبله في اليهودية والمسيحية وربما الوثنية أيضاً والحجاب من ثوابت الدين المعروفة بالضرورة به عمل به المسلمين منذ فجر الاسلام ان عمر السفور في العالم اليوم ربما ستين سنة ومع الانفجار الإباحي في الستينات توسع الامر وروج الاعلام للعري والتكشف المهم ان عمر الحجاب في كل الأديان آلاف السنوات مقارنة بالسفور

اوس العربي17.05.2014 | 04:20 Uhr

الحقيقة ان الحجاب بمعنى الخمار او غطاء الرأس والوجه احيانا ليس اختراع الاسلام فهو قبله في اليهودية والمسيحية وربما الوثنية أيضاً والحجاب من ثوابت الدين المعروفة بالضرورة به عمل به المسلمين منذ فجر الاسلام ان عمر السفور في العالم اليوم ربما ستين سنة ومع الانفجار الإباحي في الستينات توسع الامر وروج الاعلام للعري والتكشف المهم ان عمر الحجاب في كل الأديان آلاف السنوات مقارنة بالسفور

اوس العربي17.05.2014 | 04:21 Uhr

الحقيقة ان الخطاب في القرآن فيما يختص بالحجاب موجه الى المؤمنات بالله حقاً اما غيرهن من الكافرات والملحدات والمنافقات فلا يلزمهن هذا الخطاب

بدر عبد اللطيف17.05.2014 | 12:50 Uhr

قال عز وجل : {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } (31) سورة النــور.

وقال سبحانه : {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } (33) سورة الأحزاب , وقال تبارك وتعالى : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } (53) سورة الأحزاب .

وقال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ } (59) سورة الأحزاب
هذه اوامر الله في القرأن الكريم واضحة وضح الشمس وليس رجال الدين من امرو بذلك من يتكلم عن الإسلام ليتعلم الإسلام قبل ان يتفوه على لسانه بأمور لايعرفها
وقال تعالى ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ( 229 ) )
الحجاب من حدود الله ومن لايضع الحجاب فهو يتعدى ويخرج من الإسلام

انور خيارة19.06.2014 | 21:17 Uhr

تفسيرات كاتبة المقالة للآيات القرآنية غير منطقية

رمضان19.06.2014 | 22:21 Uhr

أولا لماذا الراهبات يلبسن الحجاب علي الرغم من عدم قبولة في المجتمع الغربي الذي لدية مشكلة مع الكنسية ف الوقت الذي ليس لدينا مشكلة مع الاسلام
في عصر المسلمون في الاندلس لم تلبس النساء مثل بنت المستكفي الحجاب علي الرغم من أن ارويا مازالت فب عصور الظلام
أنة الايمان بأن اللة قد أمر ولك الاختيار ف التفيذ فتصبح طائعا أو عاصيا

أبو الحسن 26.08.2014 | 19:52 Uhr

الصفحات