ساركوزي وفرانسوا فيون د ب ا
الجدل حول الهجرة وحق الأجانب في التصويت في فرنسا:

''اللحوم الحلال'' على موائد الأحزاب اليمينية الفرنسية!

يحاول السياسيون المحافظون قبل الانتخابات الرئاسية في فرنسا كسب اهتمام الناخبين اليمينيين من خلال استخدامهم الخطاب اليميني الشعبوي في الجدل الدائر حول الهجرة والاندماج. برنهارد شميد من باريس وانطباعاته عن الحملة الانتخابية.



غالبًا ما تحظى العبارات عندما يدور الحديث ضدّ المهاجرين بإعجاب شريحة معيَّنة من الناخبين؛ وطبقًا لهذا النمط يجري حتى الآن قسم من الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية، مثلما حدث في يوم الأحد الماضي في الحادي عشر من آذار/مارس في قاعات المعرض التجاري في ضاحية فيلبينت الباريسية، حيث أقيم مهرجان انتخابي كبير للرئيس الحالي والمرشَّح لولاية رئاسية ثانية نيكولا ساركوزي.

وفي بداية هذا الحفل الانتخابي أشاد رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون بنجاح حكومته في مواجهة الأزمة وتطبيق "الإصلاحات" الاقتصادية ومحاربة القوى التي تعرف باسم "قوى الحصار" وقد كان يقصد بذلك قبل كلِّ شيء النقابات المهنية. بيد أنَّه لم يحظ بأكبر موجات التصفيق إلاَّ عندما تحدَّث حول معارضته منح المهاجرين حقّ التصويت في الانتخابات البلدية - هذا الحق الانتخابي الذي تتبناه المعارضة الممثَّلة بالديموقراطيين الاشتراكيين. قال فرانسوا فيون بلهجة غاضبة إنَّ هذا الحقّ الانتخابي سيعمل على "تعزيز الطائفية" التي يجب أن تتم محاربتها.

وزير الداخلية الفرنسي كلود جيان الصورة د ب ا
مغازلة ناخبي اليمين المتطرِّف - تحوَّل وزير الداخلية الفرنسي كلود جيان حسب رأي الإشتراكيين الفرنسيين إلى لسان حال الجبهة الوطنية المتطرِّفة من خلال تصريحاته التي زعم فيها تفوّق ثقافات معيَّنة على ثقافات أخرى

​​وكان من الواضح أيضًا للحضور من هي المجموعات المقصودة قبل كلِّ شيء؛ وذلك لأنَّ فرانسوا فيون كان يشير إلى فكرة طرحها في نهاية الأسبوع الأوَّل من شهر آذار/مارس وزير داخليته كلود جيان الذي تسبب في إثارة ضجة كبيرة عندما قال "ليس كلّ الثقافات متساوية في القيمة" ولا يجوز منح الأجانب الذين يعيشون في البلاد منذ فترة طويلة حقّ المشاركة في الانتخابات البلدية - بصرف النظر عن أنَّ نيكولا ساركوزي كان في العام 2005 ما يزال يؤيِّد مشروع هذا القانون.

"اللحوم الحلال في كلِّ مكان"

قال كلود جيان متنبئًا بحزن: إذا سمح للمهاجرين التصويت في الانتخابات البلدية "فسيقوم رؤساء البلديات الذين ينتخبونهم بفرض اللحوم الحلال في كلِّ مكان في المقاصف". وبهذه الكلمات بيَّن وزير الداخلية الفرنسي على نحو لا لبس فيه ما هو موضوع النقاش الذي بدأ في الأيَّام السابقة وكان يدور في الظاهر حول اللحم "الحلال". وفي الواقع لم يكن جيان معنيًا في حربه الكلامية بالأحكام الإسلامية الخاصة باللحوم، بل كان يسعى قبل كلِّ شيء إلى تحديد مَنْ يعيش بحسب رأيه "في وطنه فرنسا" ومَنْ يستطيع التعبير عن أفكاره حول تعايش الثقافات ومَنْ لا يستطيع.

وفي السادس من شهر آذار/مارس الجاري قال نيكولا ساركوزي خلال جولة انتخابية إلى منطقة بيكاردي أمام عدسات الكاميرا والميكروفونات إنَّ النقاش الذي يدور حول "اللحم الحلال" يعتبر "أهم ما يقلق الفرنسيين حاليًا". وهذا ادعاء غير معقول لا سيما وأنَّ المواطنين الفرنسيين تشغلهم حاليًا قضايا أكثر أهمية مثل موضوع توفير فرص العمل وتحسين الرواتب والأجور.

سكب الزيت على نار اليمين


مارين لوبان  الصورة رويتر
سخر ساركوزي في البداية من منافسته مارين لوبان بعد أن أثارت جدلاً ساخنًا حول اللحم الحلال. ولكنه تبنى الآن هذا الموضوع وأصبح يدعو إلى وضع علامة حلال شفافة على منتجات اللحوم لجميع المستهلكين.

​​بدأت هذا الجدال الحالي مرشَّحة "الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرِّفة مارين لوبان، حيث لفتت انتباه وسائل الاعلام عندما زعمت بمناسبة الحملة الانتخابية التي استمرت يومين وأقامها حزبها في مدينة ليل أنَّ جميع اللحوم التي يتم بيعها في "إيل دو فرنسا" أي في منطقة باريس الكبرى هي لحوم حلال.

ولكن ادِّعاءها هذا لم يكن يقوم على أساس متين، فهذه السياسية اليمينية المتطرِّفة لم تقل إنَّ جميع المسالخ الأربعة الموجودة في منطقة باريس تقوم بتحضير اللحوم لجميع فئات الزبائن بالطريقة نفسها أي حسب التعاليم الإسلامية "الحلال" وذلك لأسباب تتعلَّق بخفض تكاليف الإنتاج، كما أنَّ معتقدات المواطنين غير المسلمين لا تمنعهم من استهلاك هذه اللحوم المذبوحة بحسب الشريعة الإسلامية؛ وهذه المسالخ الأربعة لا تلبي سوى جزء صغيرًا من حاجة مدينة باريس من اللحوم، أمَّا الجزء الأكبر من اللحوم التي تستهلك في باريس وضواحيها فيتم استيراده من مناطق مجاورة.

وبعد ذلك عمل رئيس الوزراء فرانسوا فيون المعروف في العادة بأنَّه من السياسيين المعتدلين في معسكر المحافظين على زيادة تفاقم هذه المسألة أكثر. فقد انقلب ضد الطائفتين اليهودية والمسلمة وتحدَّث عمَّا أسماه "التقاليد القديمة الموروثة"، وتساءل "إن كان يوجد مكان لهذه التقاليد في المجتمع الحديث". لم تنحصر الاحتجاجات الشديدة على تصريحات فرانسوا فيون فقط ضمن المجلس الأعلى لليهود في فرنسا والاتحاد المركزي للمسلمين، فهذه التصريحات لم تمضي من دون عواقب. حيث اجتمع لاحقًا رئيس الوزراء الفرنسي برئيس حاخامات فرنسا وبممثِّلين آخرين عن الديانة اليهودية، وذلك من أجل التهدئة وإعادة المياه إلى مجاريها.

وضمن هذا السياق حذر السياسي الاشتراكي بينوا هامون من "وصم المسلمين بوصمة لا تصدَّق". كما وصف رفيق ساركوزي في حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية UMP ووزير خارجيته آلان جوبيه هذا النقاش حول هذا الموضوع بأنَّه "عديم الفائدة"، وقال إنَّه يرغب في رؤية نهاية لهذا النقاش الزائف. ولكن مع ذلك من المحتمل أيضًا أن يكون الوقت قد تأخَّر كثيرًا من أجل إبعاد هذا الموضوع عن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في الثاني والعشرين من شهر نيسان/أبريل القادم.

 

برنهارد شميد
ترجمة: رائد الباش
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2012

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.