الكنيسة الإنجيلية في لبنان

أول امرأة راعية لكنيسة في لبنان

في مدينة طرابلس بشمال لبنان، كسرت كنيسة إنجيلية صغيرة تقاليدها وعينت للمرة الأولى امرأة راعية لها. ورغم الوضع الأمني المضطرب، بسبب القتال بين المؤيدين والمعارضين لنظام الأسد في الشمال اللبناني، واصلت رولا سليمان عملها متوخية ًإبقاء رعايا الكنيسة على الحياد. أندريانه وليامز تعرفنا من طرابلس على هذه المرأة الرائدة في مجال العمل الكنسي بمنطقة الشرق الأوسط.

بسيارتها المرسيدس البيضاء تندفع رولا سليمان داخل حركة المرور في طرابلس في يوم الأحد. ويبدو أن شوارع المدينة هادئة، لكن انتشار الجيش في كل مكان داخل طرابلس وحولها يذكر بالعنف الذي ساد هنا مؤخرا. وبينما يأتي صوت مايكل جاكسون بأغنية "اِشفِ العالم" عبر السماعات تحكي رولا سليمان: "يوم الأحد الماضي لم نأت إلى القداس. فقد كان هناك متظاهرون يلقون على الجنود زجاجات المولوتوف من أعلى سطح الكنيسة ".

وعلى حد علمها فإن رولا سليمان هي المرأة الوحيدة التي عينت رسميا راعية لكنيسة في لبنان والشرق الأوسط ككل. فمنذ عام 2005 وهي مسؤولة عن جميع أمور الكنيسة الإنجيلية في طرابلس، التي هي جزء من المَجمَع الكَنَسِيّ الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان. ويجوز لرولا أيضا القيام بالمهام نفسها التي يقوم بها أي قسيس بروتستانتي فيما عدا طقوس الأسرار المقدسة، ولا سيما المهام البالغة القداسة في الكنيسة كالتعميد أو العشاء الرباني، فغير مسموح لها بتأديتها.

وعلى الرغم من أن رولا سليمان تدرك أنها تمهد الطريق لغيرها من النساء، فإن المهمة جاءت لها عن طريق الصدفة، بحسب ما تقول. فبعد سفر راعي كنيستها إلى أمريكا ظهرت على الساحة هذه السيدة ذات الـ 38 عاما. 

Pastor Rola Sleiman (photo: DW/A. Williams)
الرائدة والوحيدة: رولا سليمان هي المرأة الوحيدة التي تم تعيينها رسميا في لبنان راعية لكنيسة. و منذ عام 2005، وهي مسؤولة عن جميع أمور الكنيسة الإنجيلية في طرابلس، التي هي جزء من المَجمَع الكَنَسِيّ الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان.

مفتاح النجاح

"لقد درَستُ اللاهوت، مثله تماما لذلك قررت أن أعمل كراعية مؤقتة للكنيسة"، تقول رولا سليمان ذلك، وتضيف: "بمرو الوقت كسبت ثقة أعضاء الكنيسة فاقترحوا أن أكون راعيتهم الرسمية، وأعتقد أن هذا كان مفتاح النجاح لتعييني. عرفني الناس شخصيا ووثقوا بي. وكوني امرأة لم يكن ذلك مشكلة قَط"، وبينما تروي قصتها، تجهز راعية الكنيسة في مكتبها الموجود في الطابق السفلي من الكنيسة موعظة القداس التالي.

ممهِّدة الطريق

وتحكي رولا سليمان قائلة: "عندما عبرت عن رغبتي لدى المجمع الكنسي، كانوا مصدومين قليلا، لكن معظم الأعضاء كانوا فخورين لرؤية مرشحة من النساء. وأنا نفسي كنت مذهولة قليلا".

ولدت رولا سليمان في طرابلس لأب سوري وأم لبنانية. و تقول إنها عرفت في وقت مبكر أنها تريد أن تكون في خدمة الرب، وتضيف "لقد دعاني الرب لإحداث تغيير. سمعنا رسالة المحبة والقبول، وشعرت أنه لا بد من تبليغها وأن ذلك ينبغي أن يكون مهنتي".

قبل أن تصبح راعية كنيسة عملت رولا سليمان لمدة ثماني سنوات كمستشارة  تعليمية في سهل البقاع شرق لبنان. لم تكن عائلتها متحمسة لطموحها الوظيفي. لكن المثير للدهشة هو أنها تلقت دعما من الرجال في عائلتها، وتقول رولا سليمان: "كثير من الآباء يريدون الأمن لأطفالهم. والداي لم يفهما ما الذي أريد تحقيقه في هذه الوظيفة، لكن والدي أصبح الداعم الرئيسي لي، كما أيقظ أخي فيَّ اهتمامي بدراسة اللاهوت".

داخل كنيستها تلقى رولا دعما كبيرا، ويقول جاك، أحد المترددين على الكنيسة: "في البداية، اعترض بعض الناس لكونها امرأة، ولكن قررنا أن نمنحها الثقة وأعطيناها فرصة. والآن الناس يحبونها لأنها أمينة وتهتم بالناس".

كنيسة في فوضى الحرب

واليوم وفي خضم وضع أمني سيئ ترعى رولا سليمان كنيسةً، عدد أعضائها 33 عائلة، معظمهم من المهاجرين. طرابلس هي ثاني أكبر مدينة في لبنان وتبعد 30 كيلومترا عن الحدود السورية. ومنذ بداية الحرب السورية يعاني سكان طرابلس أيضا من العنف المتزايد. وحصدت سيارات ملغومة والقتال بين المؤيدين والمعارضين لنظام الأسد أرواح المئات من الناس.

Pastor Rola Sleiman in her church in Tripoli (photo: DW/A. Williams)
الوعظ في أوقات مليئة بالنزاعات: رولا سليمان ترعى كنيسة في طرابلس، ثاني أكبر مدينة في لبنان. ومنذ بداية الحرب الأهلية السورية يعاني أيضا سكان المدينة الساحلية من العنف المتزايد. وقد حصدت سيارات ملغومة والقتال بين المؤيدين والمعارضين لنظام الأسد أرواح المئات من الناس.

الصراع جعل حياة الجماعة الكنسية الصغيرة التي تديرها رولا سليمان أكثر صعوبة، فقد كانت الجماعة المسيحية فعلا مجزأة تماما، وتقول الراعية إنهم يحاولون البقاء على الحياد، إلا أن الناس خائفون. فإحدى عضوات الكنيسة، وهي امرأة لبنانية فلسطينية، رفضت الكشف عن اسمها عندما سئلت عن تأثير العنف على حياتها. وقالت أثناء تناولها القهوة في الطابق السفلي للكنيسة مع آخرين من المترددين على الكنيسة: "الناس يخافون من المجيء إلى طرابلس".

وفي هذا اليوم جاء حوالي 20 شخصا إلى القداس في الكنيسة. معدل جيد، تقول رولا سليمان. في أيام العطلات يكون العدد حوالي 80 شخصا.

وبسبب اندلاع العنف بين الطوائف الدينية المختلفة، ونظرا لطبيعة مدينة طرابلس في شمال لبنان كبوتقة تذوب فيها الثقافات كرست القسيسة رولا سليمان موعظتها حول موضوع المصالحة. ورغم أنها تحظى بدعم من أعضاء كنيستها إلا أنها لم تقرر بعد إن كانت ستتقدم للترشح لتصبح أسقفا.

وتؤمن سليمان بأن التغيير يمكن أن يحدث في خطوات صغيرة ويجب أن يستند إلى اتفاق جماعي في الآراء، وتقول: "أنا لا أسعى للنجاح الشخصي وأعتقد أن الجمعية العامة وشيوخ الكنيسة يقفون موقفا إيجابيا من إعلاني أسقفا. مع ذلك فأنا لست متأكدة من إن كان الكل في مجتمعنا اللبناني يفكر بهذه الطريقة. وإذا كان تعييني أسقفا سيؤدي فعلا إلى انقسامات في الكنيسة، فلن أفعل ذلك".

 

أندريانه ويليامز

ترجمة: صلاح شرارة

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: دويتشه فيله/ قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.