مسلمون في مرسيليا، الصورة: ماركوس كيرشغيسنر

الله في فرنسا:
الإسلام يتحدى الجمهورية

تواجه فرنسا العلمانية تحديا من خلال انتماء حوالي عُشر سكانها الى الإسلام الذي يثير مخاوف العلمانيين والقوميين الفرنسيين. فما هي خلفيات هذا التحدي؟ وكيف تواجهه فرنسا العلمانية؟ تقرير كرستيان مولر
مسلمون في مرسيليا، الصورة: ماركوس كيرشغيسنر
مسلمون في مرسيليا

​​تواجه فرنسا العلمانية تحديا حقيقيا من خلال إنتماء حوالي عُشر سكانها الى الإسلام الذي يثير مخاوف العلمانيين والقوميين الفرنسيين. فما هي خلفيات هذا التحدي، وكيف تواجهه فرنسا العلمانية؟ تقرير كرستيان مولر

باريس في ديسمبر / كانون الأول
"آه ها هم العرب" هذه إحدى النداءات - المعتادة نسبيا - التي يعبر بها بعض الفرنسيين عن غضبهم وإحباطهم تجاه المشاكل التي نشأت جراء الهجرة من شمال إفريقيا. وهم لا يدركون أن الغضب موجه في كثير من الأحيان – خاصة في باريس وضواحيها – إلى البربر، لأن معظمهم لا يعي الفرق بين العرب والبربر. وهذا الفرق قد استغله الاستعمار آنذاك في تمييز بعض الأقليات عن بعضها البعض تحت شعار "فرّق تسد".

وينظر الفرد العادي إليهم على أنهم جميعا غرباء، وينسى أنهم مواطنون فرنسيون في أغلب الأحيان من أبناء الجيل الثاني أو حتى الثالث للمهاجرين من شمال إفريقيا. وقد شاعت طرفة سيئة قبل ما يناهز عقدين من الزمان تسمى "التناقض التاريخ" التي تحكي أن كارل مارتل هزم العرب وطردهم في معركة بلاط الشهداء (بواتيه) عام 732، ولكنهم عادوا في 404، مع العلم بأن الرقم الثاني ليس المقصود به التاريخ ولكن طرازا قديما من سيارات البيجو يستخدمه النازحون من شمال إفريقيا.

عُشر المواطنين

تُرى كم يبلغ عدد المسلمين في فرنسا؟ سؤال لا يستطيع أحد أن يجيب عليه بالضبط، لأن هذا يتعارض مع مبادئ الجمهورية العلمانية التي لا تهتم بالديانة وتمنع تسجيل التبعية الدينية للمواطنين. ولذلك يجب على المرء أن يكتفي بتقديرات عشوائية تتراوح بين أربعة وستة ملايين مسلم.

وعلى كل الأحوال تعتبر فرنسا أكبر دولة في الاتحاد الأوروبي في تعداد المسلمين، وإذا أخذنا في الاعتبار التقدير الأعلى فستكون نسبة عددهم حوالي عُشر عدد السكان. ويُعتبر المسلمون ثاني أكبر جالية بعد الأغلبية الساحقة للفرنسيين المسيحيين، ومعظمهم كاثوليك، ولهذا كانت فرنسا تعد بمثابة الطفل المدلل لدى الكنيسة قديما. كما تبلغ نسبة المسلمين حوالي عشرة أضعاف عدد الأقلية اليهودية في فرنسا.

وعلى غرار مجلس المنظمات اليهودية في فرنسا تم تأسيس مجلس إسلامي في ربيع 2003، الذي حث عليه وزير الداخلية آنذاك ساركوزي. وعلى العكس من أسلافه الوزراء - الذين عطلوا المشروع على مدى عقد من الزمان لخوفهم أن يسيطر المسلمون الأصوليون على المجلس – سارع بعد تولي رافران الحكومة بإعداد "هيئة إسلامية مسئولة" للتخاطب مع الدولة الفرنسية.

وقد صوت ما يزيد على أربعة آلاف مندوبين عن 995 مسجد ومصلى على أعضاء هذا المجلس البالغ عددهم ما يزيد على ستة وثلاثين عضوا.

مجلس المسلمين

وأثناء الانتخابات ظهرت الأسباب الحقيقية للمخاوف في أن يحتل الأصوليون مراكز متقدمة، ذلك لأن اتحاد المنظمات الاسلامية بفرنسا (UOIF) – والذي يعد من المسلمين المتشددين بسبب صلته الوثيقة بجماعة الإخوان المسلمين – قد حصل تقريبا على نفس عدد المقاعد مثل الجمعية الفيدرالية القومية الاسلامية (FNMF) المعتدلة الخاضعة للنفوذ المغربي.

وبقيت جماعة مسجد باريس الجزائرية الانتماء دون ذكر لأنها حازت فقط على ستة مقاعد. وعلى رغم ذلك فقد تقلد رئيس جماعة مسجد باريس بوبكر رئاسة مجلس المسلمين لمدة عامين، وكان هذا ترتيبا مسبقا بإيعاز من ساركوزي قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.

ولقد ظهر مجلس المسلمين بقوة لأول مرة على الساحة الخارجية في أواخر صيف هذا العام عندما قام بالمساعدة في عملية إطلاق سراح الصحفيين الفرنسيين سشزنوه ومالبرينوه اللذين اختطفهما الارهابيون المسلمون في العراق كرهائن في العشرين من أغسطس / آب 2004. وعلى الرغم من أن محاولة التأثير قد باءت بالفشل إلا أنها كانت "ميلاد للإسلام الفرنسي" الذي تناقلته الألسنة، لأن مجلس المسلمين تضامن مع الحكومة الفرنسية ورفض الابتزاز التهديدي رفضا باتا برفع الحظر عن ارتداء الحجاب الذي طالب به الإرهابيون.

وعلى الرغم من وجود احتجاجات ضد قانون الحجاب قبل ذلك من جانب طوائف مجلس المسلمين والجمعيات الأعضاء به، إلا أن الممثلين الرسميين بالمجلس سكتوا عنه تماما بسبب موضوع الرهائن. ولم يمض إلا قليل حتى ظهر الشقاق بين الاتجاهات المختلفة المنضمة رسميا في مجلس المسلمين. فعندما زار رئيس إتحاد المنظمات الاسلامية بفرنسا (UOIF) المؤسس المنفي لجبهة الانقاذ الاسلامية الجزائرية أثار ذلك غضب أعضاء الجمعية الفيدرالية القومية الاسلامية (FNMF) المعتدلة.

الغالبية العلمانية

يبلغ عدد المسلمين الذين يحافظون على شعائر الدين في فرنسا جزءا صغيرا، فهم حوالي عشرة بالمائة من إجمالي عدد "الجالية المسلمة"، غير المترابطة في حقيقتها. وعندما أصبح قانون منع الرموز الدينية الملفتة للنظر في المدارس العامة ساري المفعول لم تخرج مظاهرات للتنديد من جانب المسلمين في فرنسا. فيبدوا أن معظمهم أصبح علمانيا مثل معظم الكاثوليك الفرنسيين الذين عمّدوا وتزوجوا في الكنيسة ولكنهم في الغالب ليسوا من رواد الكنيسة.

إن غالبية المسلمين في فرنسا هم من أصول جزائرية ومغربية على التساوي، ثم يليهم المسلمون ذوي الأصول التونسية الذين تبلغ نسبتهم حوالي النصف، ثم تأتي بعد ذلك مجموعة صغيرة من الأتراك والأكراد المهاجرين وذرياتهم. وعلى الرغم من أنهم قوميتين مختلفتين إلا أن عامة الفرنسيين يعتبرونهم عربا بسبب ديانتهم. وفي معظم الأحيان لا يذكرون المسلمين الأفارقة الزنوج والذين هاجروا من لبنان ومن دول الشرق الأوسط الأخرى.

"جبهة الإنقاذ في الجزائر والأسرة في فرنسا" كان هذا أحد الشعارات الخبيثة سابقا التي يتشابه فيها لفظ "جبهة الانقاذ" مع لفظ "الإبن" في طريقة النطق بالفرنسية. ولم يتناول هذا الشعار لتهييج الأحقاد الدفينة وكراهية الأجانب أتباع المتطرف اليميني لوبان فقط، بل أيضا بعض الفرنسيين الثائرين في منطقة ميدي الذين يشكون من "التغريب الشديد" المتزايد لإقليمهم، الذي يسخر منه البعض على أنه "الجزائر الفرنسية".

والكتاب المشهور الذي ألفه فريدرش زيبورج منذ زمن يحمل عنوان "الإله في فرنسا"، وعندما يأخذ المرء اسم هذا الكتاب في الاعتبار ويتساءل: "أين يوجد الله الآن في فرنسا" فسوف يتأكد أن الله لا يوجد في مساجد كبيرة مثل مسجد باريس ولكن في أماكن للصلاة مثل الثكنات والمخازن والأفنية الخلفية والقباب والسراديب.

الإشراف الجيد عن طريق الفرنسة؟

إن ثلاثة أرباع الأئمة في فرنسا البالغ عددهم 1200 إماما ليسوا فرنسي الجنسية، وما يزيد على ثلثهم لا يجيد اللغة الفرنسية. وكانت فكرة إنشاء "إسلام فرنسي" قد وجدت من يتبناها ساعة الولادة العسيرة لمجلس المسلمين التي مهد لها ساركوزي. والآن في فترة وزير الداخلية فيلبان - الذي خلفه - سوف يتم عقد دورات تعليمية خاصة بالجامعة ليتلقى فيها الخطباء المسلمون دروسا في القانون الفرنسي ومعلومات وطنية ومعلومات عن مؤسسات الدولة.

أما اقتراح ساركوزي بتعديل القانون الذي ينص على فصل الكنيسة عن الدولة والصادر عام 1905 لكي يجعل الدعم الحكومي لبناء المساجد في فرنسا ممكنا قد لاقى رفضا كبيرا. فبشيء من التنازل عن العلمانية المطلقة كان من الممكن منع التمويل الخارجي الذي يحدث اليوم.

فالجزائر تقوم بالنصيب الأكبر في تمويل مسجد باريس والمجموعات المقربة إليه، والمغرب فتمول الاتحاد الفيدرالي، وأموال الخليج فيُحتمل احتمالا كبيرا أنها تصب في اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا. وحتى تصبح الأمور واضحة فقد اقترح فيلبان تأسيس جمعية وقف إسلامية عامة يتحتم تحويل التبرعات عليها من داخل البلاد وخارجها ويكون ذلك تحت رقابة مجلس المسلمين.

ومن الممكن أن تكون "فَرْنسة" الإسلام – على أكثر تقدير - جزءا من الرد الضروري على التحديات الإسلامية المتشددة. ويبرز هذا الجدل بوضوح في الوقت الحالي في منع ارتداء الحجاب الإسلامي في المدارس.

ومن الممكن النقاش حول معنى وشرعية التركيز على مبدأ العلمانية كما طالبت به الإدارات التعليمية وهيئة تمثيل المعلمين، كما أعربت الكنيسة الكاثوليكية عن عدم ارتياحها لهذا القانون. وعلى الرغم من أن القانون لم يوجه فقط ضد ارتداء الحجاب إلا أن الإسلاميين قد نجحوا في إبرازه على أنه نوع من التمييز العنصري ضد المسلمين. ومع أن الحوار المنطقي معهم يبدو غير ممكن إلا أن هذا الجدل الحاد قد تضاءل تماما بطريقة مثيرة للعجب.

أزمة الإندماج

إن بناء أفخم المساجد لن يحول دون الترويج لدعايات المسلمين المتشددين، كما أن أزمة النموذج الفرنسي للإندماج – طبقا لما اتضح من التقرير الرسمي المفصل لديوان المحاسبة - تعتبر أيضا تربة خصبة لتلك الدعايات. وقد اتسمت تطورات العقود الثلاثة الماضية بـ"الفصل العنصري للمدن" أو بعزل الضواحي الآهلة بالمهاجرين. كما أن ظاهرة البطالة العالية والفقر والإجرام لم تقتصر على المسلمين، ولكنها تحتل جزءا كبيرا بين "الطبقة غير المتميزة".

وطبقا لإحدى الإحصائيات النادرة الخاصة بالأحكام الجنائية الصادرة ضد الشباب في مدينة غرنوبل/ دائرة إيزير في الفترة ما بين 1985 حتى 2000 كان ثلثا المحكوم عليهم لأب مولود خارج فرنسا، وستون في المائة لأب وأم ولدا خارج فرنسا، وكان نصف هذه الحالات يتعلق بأشخاص أحد والديهم من شمال إفريقيا.

وتبلغ نسبة المهاجرين في دائرة إيزير 6,1 % من عدد السكان. وطبقا لإحصائية قد تمت على مستوى الدولة منذ أربع سنوات كان ربع المساجين في فرنسا لأب مولود بالمغرب. ومثال هؤلاء المذنبين الشباب يفسر لنا السبب الذي يجعل معظم مشاهدي التلفاز يربطون كلمة "الشباب" في النشرات الإخبارية عن الجرائم والجنايات بـ"العرب". ويبدو أن كلمة "بور" الواردة في لغة الشباب قد أخذت في الإندثار، وشاعت بدلا عنها ألفاظ خاصة معادية ونابية.

العنصرية الإيجابية

عندما كان ساركوزي لا يزال في الخدمة كوزير للداخلية تم التوقيع على عقد لبدء عملية الاندماج يتعين بموجبه تعلم لغة وقيم المجتمع الفرنسي. وبعد ما تغني الرئيس شيراك بالنموذج العلماني وذلك بالتمهيد لمنع ارتداء الحجاب تم تأسيس مجلس أعلى للإندماج. وفي نفس الوقت نادى ساركوزي بـ"العنصرية الإيجابية" لصالح الفرنسيين الذين لا ينتمون لأصول فرنسية وخاصة أبناء المهاجرين من شمال إفريقيا. وهذه صورة للبرنامج الأمريكي ضد العنصرية الذي يهدف إلى تحديد حصص معينة لتلك الفئات.

ولم يوافق رئيس الحكومة على اعتبار هذه الحصص هدم لأساسيات الجمهورية. وعلى كل الأحوال فقد وافق من قرابة عام على تعيين عيسى درموش – البربري الأصل الذي أتى في فترة شبابه مهاجرا من الجزائر – محافظا لإقليم يورا. ولكن شيراك أصر على أن قرار التعيين لا يتعلق بكونه مسلما بل لأنه من المهاجرين، وبهذا وقف حيال نية ساركوزي بتعيينه كـ"محافظ مسلم".

"الإنتماء الشديد للمنشأ" في خطر

لقد حدث ذات مرة أن تقلد أحد المهاجرين من أصل جزائري بربري منصب محافظ، وقد أحيل إلى المعاش منذ أقل من عشر سنوات وأصبح في طي النسيان. وقد جرى هذا الوضع مع السيدة طوقيا سيفي، التى كانت تعمل سكرتيرة دولة للتنمية الدائمة، وحظيت –كشخصية رمزية من أصل شمال إفريقي مهاجر - باهتمام كبير لدى تعيينها عضو في المجلس الأول لوزارة رفاران.

وقد اختفت تماما في ربيع 2004 من المجلس ومن الصورة الإعلامية التي لم تكن قد ظهرت فيها من ذي قبل. ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للسيد حملاوي مكاشيرة الذي تولى منصب مساعد وزير المحاربين القدماء، وعلى الرغم من أنه شخصية سياسية هامشية، إلا أنه استطاع كضابط سابق في الجيش الفرنسي أن يظل حتى الآن في البرلمان.

ولن يضف وجود بعض "المسلمين أصحاب الامتيازات" تحسنا على صورة الإندماج الخاصة بالأقلية المسلمة التي لم تتقدم إلا قليلا. وفي الانتخابات الأولية بين شيراك ولوبان صوتت أغلبية الفرنسين المسلمين بالطبع لصالح رئيس الجمهورية ولم تصوت لصالح رئيس حزب الجبهة الوطنية.

كما أن الكثير من الفرنسين قد أصيبوا بصدمة عندما رأوا العلم المغربي أثناء الاحتفال بنصر شيراك في ميدان الجمهورية. وإلى جانب الأعلام الفرنسية رفرف بشدة علم مغربي أمام الرئيس الفرنسي كنذير على اقتراب ظاهرة "الإنتماء الشديد للمنشأ" التي تؤدي إلى تفكك الشعب الفرنسي بناء على معايير قومية دينية.

تجنيد الارهابيين

إن مثل هذا الخطر لم يدخل في طور التهديد بعد. وعلى كل الأحوال فإن الإعتداءات المضادة لليهودية التي كثرت خلال السنوات الأربع الماضية في فرنسا كان وراءها بعض المسلمين من شمال إفريقيا محاولين بذلك نقل مشكلة الشرق الأوسط إلى الأراضي الفرنسية.

وعلى العكس نجح الخطباء المسلمون المتعصبون فيما بعد في تجنيد الشباب المسلم في فرنسا للإشتراك كإرهابيين في العراق، حيث قتل منهم خمسة فرنسيين وما زال حوالي مائة هناك. وقبل ذلك كان العشرات من المسلمين الفرنسيين قد توجهوا عن طريق مدارس تحفيظ القرآن إلى أفغانستان للتدريب على الإرهاب الطالباني.

ويبدو أن بعضهم قد توجه إلى الشيشان. وبتصريف في الترجمة الفرنسية لعنوان كتاب سيبورج يمكن أن يتساءل الناس في منطقة القوقاز أو بين دجلة والفرات – بالنظر إلى تصدير المحاربين الإرهابيين – "هل الله فرنسي؟".

بقلم كريستيان مولر
نشر المقال في صحيفة نيو تسورشه تساتنوغ في 18 ديسمبر / كانون الأول 2004
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2005

ترجمة عبد اللطيف شعيب

ملفات خاصة من موقع قنطرة