جنود إسرائيليون في حيفا، الصورة: أ ب
العالم النفسي دان بار عون عن إسرائيل والحرب في لبنان والوضع في غزة:

شرعية الضحية

لقد كنا طيلة الوقت نلعب الشطرنج مع أنفسنا، من دون أن ندع الطرف الآخر يتكلّم معنا بكلمة، وذلك لأنه "لا يوجد أحد يمكن التحدّث معه" ولأنهم "لا يفقهون على كلّ الأحوال إلاّ لغة العنف"...
جنود إسرائيليون في حيفا، الصورة: أ ب
جنود إسرائيليون في حيفا

​​

أصبح الإسرائيليون منذ اختطاف جنودهم يشعرون من جديد بأنهم ضحية للظروف. فهم يتجاهلون أن حكومتهم غير مستعدّة لإجراء محادثات وللتوصّل إلى حلول وسط.

يقول في فيلم "الجنة الآن" أحد الإنتحاريين المحتملين مخبرًا صديقته، إن "الإسرائيليين يمتلكون الاثنين: الشرعية المطلقة للضحية وكذلك السلطة الشاملة". أودّ أن أضيف إلى ذلك: إذا ما ادّعى كلا الطرفين أنّ له حقّ في الشرعية المطلقة والسلطة الشاملة فعندئذ لا يبقى هناك مجال لمشاركة الآخر مأساته.

عندما تسقط الصواريخ على المناطق الجنوبية والشمالية من إسرائيل فحينها يستعيد سكان البلاد اليهود شعور الضحية الأساسي الخاص بهم: نحن شعب صغير مهدّد من جهات خارجية كثيرة تجب مواجهتها بحزم وبقوّة. يعتمد شعور الضحية الأساسي هذا على شرعية الضعفاء "ابدأ بقتل من يحاول قتلك".

لقد عايشنا شعور الضحية هذا في العشرة أيّام الماضية بكثرة إلى حدّ أنه أصبح ملازمًا لنا كظلّنا وأكثر. فهو يمنحنا شعورًا بأننا مرتبطون مع بعضنا البعض ويقوّي من سلطة حكومتنا لتطلق النيران على العدو وعلى المدنيين أيضًا؛ وكأننا في حالة حرب، تمامًا مثلما تكون حالة الحرب. لقد تعوّدنا على هذا السيناريو وربّما أننا نفضّله عن كلّ السيناريوهات المحتملة في المنطقة.

مسؤولية الضحية

يتمحور وعي الكثيرين من الإسرائيليين ضمن شرعية الضحية هذه. ليس من باب الصدفة أن نكون واعين أقل بكثير بسلطتنا وقوّتنا وكذلك آثارهما السلبية على الآخرين الذين يقدّر عليهم أن يعانون من هذه السلطة. يمتاز الضحايا عن الفاعلين بميزة حاسمة: إذ أنهم لا يجبرون على تحمّل أيّة مسؤولية عن أفعالهم، وذلك لأن أفعالهم هذه هي مجرّد ردة فعل على الأفعال الشريرة التي يقترفها الآخرون.

لذا يجب علينا في أيّام الغارات والمعارك الدائرة في غزّة ولبنان أن نتذكّر، أن سلوكنا في لبنان والمناطق المحتلة هو الذي أدّى إلى قيام كلٍّ من „حماس“ وحزب الله. تشكّلت بشكل جزئي هذه المنظّمات المسلّحة كردّة فعل على استخدامنا للعنف بصورة وحشية. أصبحنا بعد أن وصلت هذه المنظّمات إلى حجم صار يهدّدنا، نشتكي ونعتبر أنفسنا من جديد كضحايا ونعتبرهم إرهابيين لا يمكن الحديث معهم.

أود أن أميّز بوضوح ما بين حزب الله و“حماس“، حتى وإن كنا نميل كذلك إلى عدم التمييز بين كلّ الأعداء. فالمنظّمة الأولى هي عبارة عن منظّمة إرهابية تستخدم العنف ضدّ إسرائيل ضاربة بالقانون الدولي عرض الحائط وتخاطر من خلال ذلك أيضًا بأمن لبنان حكومة وشعبًا. وهي منظّمة مدفوعة من قبل المصالح الخاصة بسورية وإيران في المنطقة، لهذا السبب يجب على المجتمع الدولي أن يهتمّ بذلك.

إن من حقّ الحكومة الإسرائيلية أن تحاول إضعاف هذه المنظّمة، ولكن السؤال الوحيد الذي لا يزال من دون جواب هو إن كانت العمليات العسكرية الحالية ستساهم في تحقيق هذا الهدف أم أنها لن تؤدّي إلى زيادة دعم حزب الله، على الأقل في نظر جيرانه العرب.

صراع داخل "حماس“

وعلى عكس حزب الله فقد تمّ انتخاب حكومة-“حماس“ بواسطة انتخابات ديموقراطية من قبل الشعب الفلسطيني، وجاء انتخابها قبل كلّ شيء كردّة فعل من قبل الناخبين على تفشّي الفساد في الحكومة السابقة - أقل مما كان بسبب استراتيجيّتها ضدّ إسرائيل. شاهدنا في الأشهر الأخيرة صراعًا مريرًا دار بسبب الضغط الصادر عن الأوروبيين ومحمود عباس ومندوبين من الأردن ومصر؛ دار هذا الصراع في داخل „حماس“ ما بين جناحها المعتدل بقيادة إسماعيل هنية وبين الجناح العسكري بقيادة خالد مشعل.

العالم النفسي الإسرائيلي دان بار عون، الصورة: www.bpb.de
العالم النفسي الإسرائيلي دان بار عون

​​من الممكن أن تشكّل "وثيقة السجناء" التي تم توقيعها في سجن إسرائيلي من قبل مروان برغوثي وبعض من قادة „حماس“، الأساس لحوار ما بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. والآن نحن الذين نرفض خوض مثل هذا الحوار، ليس بسبب سياستنا الحكيمة بل الأرجح بسبب شعورنا بالتفوّق ووعينا بحجم سلطتنا. إن ردّة فعلنا العسكرية على اختطاف الجندي غيلاد شاليت هي التي شجّعت المتطرّفين في „حماس“ في صراعهم مع المعتدلين، بدل من أن تؤدّي إلى عكس ذلك. فأين يكمن المنطق هنا؟

يجب علينا أن نجد مع الشعب الفلسطيني تسوية مؤلمة لكنّها ضرورية، حول كيفية تقسيمنا للبلاد. يمكن التوصّل إلى تسوية فقط عبر حوار. يكاد كلّ طفل في فلسطين وإسرائيل أن يعرف طبيعة هذه التسوية: التراجع إلى حدود عام 1967 مع بعض التغييرات الطفيفة في تلك الحدود، ودولتان عاصمة كلّ منهما القدس وكذلك حلّ مرحلي منظّم لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يدخل ضمنه أن تعترف إسرائيل بمشاركتها في نشوء هذه المشكلة.

تم التفاهم على هذه النقاط في عام 2001 في طابا، وفي عام 2002 قامت جامعة الدول العربية بطرحها، وهي أيضًا الأساس الذي تقوم عليه "وثيقة السجناء" الأخيرة. سوف يتم إخراج الفلسطينيين عبر تسوية من ميزان القوى الذي يعد بالخطر في منطقتنا والذي يعاني منه الفلسطينيون تمامًا مثلما نعانيه نحن.

حياة وراء جدار

من الممكن بعد انتهاء العمليات العسكرية أن نشترك في حوار مع حكومة فلسطينية مستعدّة لمثل هذا الحلّ الوسط. وعندئذ سوف يُطرح السؤال التالي: هل توجد حكومة إسرائيلية قادرة على الدخول في مثل هذه المفاوضات؟ تبدو الأوضاع حاليًا على غير هذا النحو. حاولت إسرائيل بانسحابها من لبنان وقطاع غزة أن تجد إجماع داخلي على شرعيتها، وقد حال احتلالها طويل الأمد لأرض ليست لنا دون إيجاد هذا الاجماع.

أعادت لنا من جديد حقيقة قيام إسرائيل بإرجاع كلّ سنتيمتر من هذه المناطق طبقًا للقانون الدولي هذا الشعور بالشرعية في نظرنا وفي نظر المجتمع الدولي. ونحن أحببنا هذا الشعور كثيرًا إلى الحدّ الذي جعلنا نطبّقه أيضًا في الضفة الغربية ونسعى إلى أن نتوارى خلف جدار ارتفاعه ثمانية أمتار. لقد كان ذلك هو التفويض الذي حصل عليه حزب قديما من الشعب الإسرائيلي في انتخابات الكنيست الأخيرة. حتى أن رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي صرّح قائلاً إن إسرائيل سوف تصبح دولة ستكون فيها الحياة ممتعة بعد أن يكمل بناء الجدار.

لكن تمّ في هذه العملية "النظيفة" تناسي أنه لا يزال يوجود هنا ناس آخرون لهم احتياجاتهم الخاصة وآلامهم ومشاعرهم بالشرعية والقوة. لقد كنا طيلة الوقت نلعب الشطرنج مع أنفسنا، من دون أن ندع الطرف الآخر يتكلّم معنا بكلمة، وذلك لأنه "لا يوجد أحد يمكن التحدّث معه" ولأنهم "لا يفقهون على كلّ الأحوال إلاّ لغة العنف". وبهذا المعنى كانت صواريخ القسام التي تطلق من قطاع غزة عبارة عن منبّه غير مفرح ينبّهنا إلى أنه لا يزال ثمة بشر هناك. ومن لا يريد الحديث معهم سيمنى بصواريخ أخرى وباختطاف جنود آخرين.

بقلم دان بارعون
ترجمة رائد الباش
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2006

دان بارعون هو عالم نفسي يبلغ عمره 68 عامًا، انتقل من علاج الناجين من المحرقة إلى مشروع "العمل السلمي الحواري"، وهو موضوع كتابه الأخير بعنوان: "الآخرون فينا" (صدر عن دار مؤسسة كوربر، 2006).

قنطرة

الحرب الأخيرة هذه أتت أسرع من كل مرة
الحرب الأخيرة هذه أتت أسرع من كل مرة إنه الانتقال الأسرع من حياة السلم الى حياة الحرب. الدقائق التي سبقت الساعة التاسعة والثلث من يوم الأربعاء(12.7). ذاك هي غير الدقائق التي تلتها. قبل ذلك الصباح الفاصل لم يُنذر أحدٌ أحداً بشيء، ولم تظهر أي من العلامات المعتادة التي تشير الى أن الحرب مقبلة. بقلم حسن داوود

صراع الحمّص والكاتيوشا
بدأت الحرب في ذروة الموسم السياحي، وفي ذروة الجدال الدائر بين المختصمين من حلفاء سوريا وإيران من جهة، وجماعة 14 آذار التي قادت انتفاضة سلمية أخرجت الجيش السوري من لبنان من جهة ثانية. تحليل حازم الصوفي

قصة شابين يقومان بعملية انتحارية
عرض في مهرجان برلين السينمائي مؤخرا فيلم" الجنة الآن" للمخرج الفلسطيني هاني ابو اسعد، وهو أول فيلم يتحدث عن الإنتحار وفلسفته في العمل السياسي. إيغال أفيدان اجرى حوارا مع المخرج.

علم النفس في خدمة التقارب بين الإسرائيليين والفلسطينيين
عالم النفس الإسرائيلي دان بار عون يعمل مع أبناء ضحايا المحرقة ومع الجناة الألمان لإيجاد سبل للتفاهم. محمود توفيق يقدم هذا العمل الذي يمكن استخدامه في أزمة الشرق الأدنى أيضًا.

ملفات خاصة من موقع قنطرة