متظاهر تونسي ضد نظام بن علي يحمل علم بلاده. الصورة: AP
المغرب العربي بعد ثورة تونس

جروح و بلاسم

يرصد المفكر المغربي المعروف محمد سبيلا في هذه المقالةالتحليلية نقاط التقاطع بين دول المغرب العربي التاريخية والاجتماعية والسياسية، كما يكشف الدور الذي تلعبه الهوة بين الأجيال المختلفة، خاصة وأن الشباب لم يعد مقتنعا بأطروحات الجيل السابق في ظل الأوضاع الاجتماعية المزرية التي يعيشها

.

متظاهر تونسي ضد نظام بن علي يحمل علم بلاده. الصورة: AP
أحاط نظام بن علي نفسه بطبقة اجتماعية وسطى واقية لكنها لم تستطع أن تجنبه رضات الألم الاجتماعي

​​ تشترك بلدان المغرب العربي وخاصة منها تونس والجزائر والمغرب بالإضافة إلى قراباتها الجغرافية، في العديد من التماثلات والسمات السياسية والثقافية العميقة. فقد خضعت هذه الدول الثلاث لنفس القوة الاستعمارية منذ القرن التاسع عشر حيث استعمرت الجزائر سنة 1831 وتونس بعد ذلك ثم المغرب سنة 1912 (بشكل رسمي وفق معاهدة الحماية).

وتشكلت فيها قوى المقاومة منذ أربعينيات القرن الماضي، ووحدت ونسقت جهودها وخططها في مقاومة الاستعمار ثم عقدت الأحزاب الرئيسية فيها مؤتمر طنجة سنة 1958 إلا أن استقلالها ابتداء من خمسينيات وستينيات القرن الماضي جلب بينها وخاصة بين المغرب والجزائر مشاكل وعداءات كانت قد تراكمت خلال الفترات السابقة وأهمها مشاكل الحدود أساسا، وبقايا نزاعات سابقة (بين السلطنة المغربية والأمير عبد القادر)، ومسألة اعتقال الزعماء الجزائريين من طرف فرنسا خلال رحلتهم بالطائرة من المغرب إلى تونس، والنزاع حول الصحراء المغربية...

تماثلات اجتماعية وسياسية عميقة

إلا أن الاختلافات والخلافات السياسية الظاهرة لم تخف تلك التماثلات الاجتماعية والسياسية العميقة، فقد عاشت كل دولة من الدول الثلاث صراعات سياسية بين الفئات والأجيال، التي عايشت مرحلة الكفاح ضد الاستعمار (في الجزائر إزاحة جيش التحرير للقوى الحزبية السابقة ممثلة في الحكومة الجزائرية المؤقتة بنخبها ورموزها والقوى الاجتماعية والثقافية المرتبطة بها، في تونس أزاح بورقيبة الداي كما أزاح الزعامات السياسية المرافقة له خلال فترة النضال ضد الاستعمار.
وفي المغرب اندلع صراع قاتل حول السلطة أطرافه القصر-الأحزاب التقدمية-الجيش انتهى بعد صراعات دامية إلى "التوافق" على نوع من الديمقراطية يقوم على الاشتراك في السلطة.

وفيما يخص الموقف من حركات الإسلام السياسي هناك مواقف متقاربة حيث أقصى النظام التونسي الإسلاميين من الساحة السياسية، واندلعت في الجزائر بعد الانتخابات التي انتصرت فيها الجبهة الإسلامية معركة قاسية بين النظام السياسي والحركة الإسلامية أدت إلى إقصاء هذه الأخيرة وإلغاء نتائج الانتخابات. أما في المغرب فبحكم الطابع الديني للسلطة المغربية حيث يلعب الملك دور رئيس الدولة ودور أمير المؤمنين المؤتمن على الدين في نظام يستمد مشروعيته الأساسية من الدين، فإن النظام السياسي لم يصطدم بالحركة الإسلامية اصطداما مباشرا (باستثناء جماعة العدل والإحسان) بل عمل على إدماجها أو إدماج قواها الرئيسية على الأقل في الحقل السياسي ودفعها إلى القبول بشروط اللعبة السياسية الديمقراطية.

متظاهرون شباب بباب الواد. الصورة: dpa
التحركات الشعبية هي تحركات تلقائية تنتج في الأغلب الأعم عن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية وقد يحدث أن يلتقطها تنظيم سياسي أو نقابي ويحاول تأطيرها

​​ وعلى الرغم من خصوصية كل نظام سياسي من الأنظمة الثلاث فقد شهدت الحركية الاجتماعية وتائر متماثلة أولها تواتر الاحتجاجات الاجتماعية التي تتحول أوتوماتيكيا لتأخذ طابعا سياسيا وذلك بوتيرة تتراوح بين 4 سنوات و6 سنوات إلى عشر سنوات (ثورات الخبز في الجزائر وتونس وتمردات الكوميرة (أي قضيب الخبز المطول) كما تسمى في المغرب. هذه الاحتجاجات والتمردات كانت بمثابة ثورات شعبية تشتعل في المدن ثم يتم قمعها بشراسة وعنف فتخبو إلى أن يظهر جيل جديد وتنسى عنف ودماء الانتفاضة السابقة، وهكذا دواليك في حركة دورية: احتجاجات-تمرد-قمع-كمون ثم اندلاع.
ثانيا هناك نوع من التماثل في قدرة الأنظمة السياسية على تقليع أظافر المعارضة (السياسية والنقابية) وترويضها وتدجينها واستدماجها بمختلف الأساليب حيث يبدو في الأغلب الأعم أن هذه التحركات الشعبية هي تحركات تلقائية تنتج في الأغلب الأعم عن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية وقد يحدث أن يلحقها أو يلتقطها تنظيم سياسي أو نقابي ويحاول تأطيرها وتوجيهها واستثمار نتائجها السياسية والاجتماعية ثم تعود حليمة إلى عاداتها القديمة لأن معظم الحلول التي يتم تقديمها هي حلول مرحلية-استعجالية هدفها المباشر والأساسي هو إطفاء الحرائق الاجتماعية.

تفاوت الأجيال، تفاوت الإيديولوجيات

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة .الصورة:AP
الخطاب السياسي ذا النكهة الوطنية أو التحررية مؤثت بحكايات سياسية أصابها نوع من التقادم بالنسبة للأجيال الجديدة

​​ ثالثا في دول المغرب العربي الثلاث هناك دينامية تفاوت بين الأجيال ودينامية تفاوت بين الإيديولوجيات. فالطواقم السياسية التقليدية السائدة سواء في السلطة أو في المعارضة تظل أسيرة عقلية وإيديولوجية الأجيال السابقة عبر حكايات وبطولات وأمجاد ورمزيات الكفاح ضد الاستعمار في مجتمع يشهد تحولات ديمغرافية متسارعة (كان عدد سكان المغرب سنة 1956 أي سنة الاستقلال حوالي عشرة ملايين نسمة بينما ينيف عدد سكانه اليوم على 30 مليون)
مما يعني أن الخطاب السياسي ذا النكهة الوطنية أو التحررية الذي لاكه ويلوكه حزب جبهة التحرير في الجزائر وحزب الاستقلال والإيديولوجيا الرسمية في المغرب وخطاب الحزب الحاكم في تونس هو خطاب سياسي منزاح قليلا. فرغم تركيزه على الثوابت الوطنية الأساسية فهو مؤثت بحكاية أو بحكايات سياسية أصابها نوع من التقادم بالنسبة للأجيال الجديدة والمطامح الجديدة والتطلعات والانتظارات الجديدة لأجيال بكاملها من الشباب الطموح والمتطلع إلى حياة أحسن. وقد وجدت هذه الحاجة السياسية والإيديولوجية إشباعا جزئيا في الخطاب الإسلامي الطافح بمطامح التحرر والوعود بغد أفضل والمشبع بالوعود واليوتوبيات في مواجهة واقع لا يلبي كل الانتظارات.

وإذا ما جاز لنا -في هذا المجال المحدود- أن نتحدث عن دورات تاريخية إيديولوجية كبرى فنقول إن هذه الدورة تتضمن ثلاثة محطات إيديولوجية كبرى لكل منها بيروقراطيتها وأوليغارشيتها وأسطورتها بل أساطيرها السياسية: اللحظة الوطنية -اللحظة التقدمية (أو الاشتراكية)- اللحظة الإسلامية. وكل لحظة سابقة تقذف ببقاياها وبأحلامها المجهضة إلى اللحظة اللاحقة

وسائل مختلفة في مواجهة الاحتجاجات

أما فيما يخص التوقعات والانتظارات فلاشك أن لكل نظام "وصفته السحرية" الخاصة لمواجهة الاحتجاجات ولتدجين القوى المعارضة. لقد اكتسب النظام السياسي المغربي مناعة سياسية نتيجة ارتكازه على المشروعية الدينية، وانتصاره على القوى التقدمية بالمناوبة بين القبضة الحديدية والاستدراج التدريجي للنخب السياسية والثقافية، وشكلت القضية الوطنية المتمثلة في إستراتيجية "استكمال الوحدة الترابية" للوطن إطارا توحيديا وحاضنا سياسيا قويا مع ما تحقق من انفراجات وإنجازات في العهد الجديد.

صورة محمد سبيلا.حقوق الصورة:محمد سبيلا
يرى محمد سبيلا أن لكل نظام "وصفته السحرية" الخاصة لمواجهة الاحتجاجات ولتدجين القوى المعارضة

​​ أما النظامان السياسيان الآخران فأحدهما ما زال يستثمر ويستمد مشروعيته من ملحمة الكفاح ضد المستعمر وإن بدا أن هذه المرجعية الإيديولوجية استنفذت كثيرا قدرتها التجييشية والتعبوية مع تنامي أجيال جديدة لا تعني بالنسبة لها هذه الحكاية إلا تاريخا يكذبه الواقع مع ما صاحب ذلك من مشاعر تبدد الثروة الوطنية وسوء توزعها في بلد هو أغنى بلدان المغرب الثلاث بالثروة النفطية والغازية، مع إنجازات لم ترق إلى مستوى تشكيل سند سياسي ومرجعية قوية قادرة على انتزاع قسط من مشروعية الإنجاز وهو ما يفسر المسارعة إلى خفض أسعار المواد الأساسية الملتهبة والملهبة.

كان النظام التونسي المنهار(نظام بنعلى) يتباهى بقدرته على المزاوجة بين تحقيق الأمن والتنمية وأحاط نفسه بطبقة اجتماعية وسطى واقية لكنها لم تستطع أن تجنبه رضات وصرخات الألم الاجتماعي.تفاوت في أسس المشروعية وتفاوت في الإنجاز، وفي تقسيم الثروة الاجتماعية، وفي توزيع السلطة وفي إسناد الحقوق...، تلك هي العوائق البنيوية التي تعاني منها البلدان الثلاث، فهل تنقذها البلاسم والمستمرئات من حمامات الدم وانشراخات السلطة ؟

محمـد سبيـلا
حقوق النشر: قنطرة 2011
مراجعة: هشام العدم

يعد محمـد سبيـلا أحد أبرز المفكرين والفلاسفة المغاربة ويعمل أستاذا جامعيا في جامعة الرباط.

Qantara.de
حوار مع كبير الباحثين في مؤسسة كارنيجي عمرو حمزاوي
الإطاحة بالرئيس التونسي بن علي درس لبقية الأنظمة العربية
تتوالى الأحداث في تونس الخضراء بصورة متلاحقة. عمرو حمزاوي، كبير الباحثين في مؤسسة كارنيجي، يؤكد في حوار مع أميرة محمد ، أن الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي يمثل درسا هاما لبقية الأنظمة العربية السلطوية، التي ترفض إجراء إصلاحات ديمقراطية وإقتصادية.

سقوط نظام المستبد زين العابدين بن علي
عطر الياسمين ورائحة البارود
لم يكن أحد من المراقبين يتوقع أن تتحول انتفاضة شبابية احتجاجية على مشكلات اجتماعية إلى ثورة تنتشر انتشار النار في الهشيم في كل أرجاء تونس. الثورة التي واجه فيها عبق الياسمين رائحة البارود الحادة أدت في النهاية إلى سقوط نظام حاكم مستبد. بيئات شتاوفر يستعرض خلفيات حركة الاحتجاجات والخيارات المتاحة أمام تونس.

دروس من"ثورة الياسمين" التونسية:
الانسداد السياسي يولّد الانفجارات
يوضح الإعلامي المعروف والباحث الأكاديمي في جامعة كامبردج خالد الحروب في هذه المقالة أهم الدروس المستقاة من الانتفاضة الشعبية التونسية ومدى تأثيرها على الشعوب والأنظمة العربية الأخرى، مبينا كيف أن الدول الكبرى لا تتردد في تغيير "الأحصنة" في اللحظة المناسبة.

ملفات خاصة من موقع قنطرة