يثير موضوع الحجاب في فرنسا جدلا كبيرا، الصورة: أ ب
المسلمون في فرنسا:

مائة عام من العلمانية

بعد مرور مائة عام على على التوقيع على قانون الفصل بين الدين والدولة وبعد مرور نصف قرن على الهجرة المكثفة من شمال أفريقيا لم تتمكن فرنسا بالفعل من دمج مواطنيها المسلمين. تقرير يورغن ريته.
لم يتمكن المجتمع الفرنسي حتى الآن من التعامل بشكل إيجابي مع الأقلية المسلمة في البلاد، الصورة: أ ب
لم يتمكن المجتمع الفرنسي حتى الآن من التعامل بشكل إيجابي مع الأقلية المسلمة في البلاد

​​بعد مرور مائة عام على على التوقيع على قانون الفصل بين الدين والدولة وبعد مرور نصف قرن على الهجرة المكثفة من شمال أفريقيا لم تتمكن فرنسا بالفعل من دمج مواطنيها المسلمين. وتواجه الغالبية اليوم مشكلة الشبيبة المهمشة في ضواحي المدن. تقرير يورغن ريته.

في أزنير، إحدى ضواحي باريس، يتقاسم أحد معاهد جامعة السوربون نوفيل مع قسم من المعهد الوطني للغات والثقافات الشرقية (انالكو) ساحة جامعية صغيرة مشتركة. ومن يدخل الحرم الجامعي هناك لأول مرة، فقد يتبادر الى ذهنه للوهلة الأولى في بعض الأيام أنه أخطأ المكان:

أعداد كبيرة من النساء المحجبات والمنقبات يسرن في ردهات الجامعة، بينهن بعض الرجال الملتحين، جميعهم يبدون بهيئة لا تدع مجالا للشكل حول انتمائهم الديني. طلاب وطالبات الأدب العربي، الذين ربطوا بين الفرع الدراسي والمذهب الديني، على ما يبدو.

حجاب شرقي ووجوه غربية

ومن هو على دراية بطبيعة المكان منذ سنوات طويلة يعرف بأن عدد النساء اللاتي يرتدين الحجاب آخذ في التزايد المستمر. كما يمكن للمراقب ملاحظة أن تلك الوجوه المغطاة بدقة توحي من خلال العينين عن ملامح وجه غربي وليس عن وجه شمال إفريقي.

وينظر المدرسون من كليات جامعية أخرى الى ما يدور نظرة ترتابها الحيرة وترتسم عليها علامات عدم القبول بذلك. وتقول شابة تدرس أدب اللغات الرومانية، التي عملت كمدرسة مساعدة في الجامعة الاسلامية بالقاهرة، بأنها اكتشفت بعد عودتها من القاهرة بأن عدد من يرتدين الحجاب في القاهرة أقل مما رأته في الجامعة بباريس.

كذلك فإنها تتساءل غاضبة كيف يمكن أن تقبل مثل هذه الحالات في بلد علماني كفرنسا بالرغم من عدم وجود مثل هذه الحالات بشكل معتاد حتى في جامعات اسلامية ببلد عربي. وتتابع المحجبات في أزنير دراستهن دون اية صعوبات تذكر ويجلسن في مطعم الجامعة ومكتبتها الى جانب الطلاب، الذين لا يربطهن بهم بالطبع الكثير.

غطاء الرأس ليس سوى مسألة تجميل

ان هذا ليس سوى لمحة قصيرة، أو لقطة خاطفة من فرنسا في عام 2005 – حيث تصادف ذكرى مرور 100 عام على التوقيع على قانون الفصل بين الدين والدولة، وهو ما يفتخر به هنا: وهو ما قد أصبح أثناء القرن العشرين من أهم أركان الهوية الجمهورية في فرنسا.

ألا أنه يمكن لمراقب ساخر أن يدعي بأن الاحتفالات الحقيقية بهذه الذكرى قد بدأت في نهاية عام 2003 ووصلت ذروتها في 15 آذار/مارس من عام 2004، حين حمي وطيس النقاش حول القانون الذي تمت المصادقة عليه، والذي ينص على منع ارتداء كل ما يشير الى الانتماء الديني في المدارس العامة.

ولم يشك أحد ان الصياغة العامة لذلك القانون، والتي ما هي سوى تأكيد على قانون أيلول/سبتمبر 1905 التاريخي لا تعني سوى (وبشكل أساسي) وبكل وضوح: "غطاء الرأس الاسلامي" الذي يرتدينه تلميذات المدارس المسلمات:

فقطعة القماش تلك زادت من وطيس النقاش يومها في عام 1989 عندما تم ابعاد تلميذتين مسلمتين من المدرسة في مدينة كري بشمال فرنسا، بسبب ارتدائهن الحجاب، وهو بالطبع ما يثير الجدل حول فشل نتائج الدمج الاجتماعي للسكان المسلمين في المجتمع الفرنسي.

عبء الإستعمار

هذا وتعتبر هذه الأقلية الدينية المسلمة البالغة 4 ملايين انسان، حتى ولو حصر المرء عدد من يطبقون التعاليم الدينية بـ 10 بالمئة فقط، الفئة الدينية الثانية من حيث الحجم في البلاد بعد الطائفة الكاثوليكية. وتعتبر الأقلية المسلمة اليوم، المتحدرة من المهاجرين القادمين من المستعمرات الفرنسية السابقة، – أي الجيل الثاني والثالث – مشكلة اقتصادية اجتماعية.

فهم يسكنون أحياء بائسة ومنازل لا تليق بالبشر في ضواحي المدن، أما الشباب فهم عاطلون عن العمل وتنظر لهم الغالبية الفرنسية "الأوروبية" – وبغض النظر عن معتقداتهم السياسية يسارا أو يمينا – على أنهم مجرمون و/أو متزمتون دينيا (وبعبارة أخرى متخلفون) في قيمهم ووعيهم.

الملاحقة بدل التربية

يمكن القول أنه ينبغي للمدرسة في ظل المبادئ الجمهورية والعلمانية والمساواة أن تكون هي من حيث المبدأ المكان المناسب الذي يمنح فرصة المساواة الحقيقية ولعملية الدمج الاجتماعي. ولكن الدولة في الحقيقة أبقت على الأمر قيد الخطاب الرنان حول المبادئ الجمهورية فقط، إذ هي ترسل الشرطة للملاحقة بدلا عن ارسال المربين المختصين لمعالجة الأزمات.

وتلاحق ظواهر (كغطاء الرأس) وتشير إلى نجاحات احصائية: ولو صدق المرء الارقام الرسمية، فهناك 639 تلميذة محجبة في بداية العام الدراسي 2004/2005 بينما كان العدد حسب تلك الاحصائيات يزيد عن ذلك (فقد بلغ في العام السابق 1665 تلميذة).

وبعد نقاش مع ادارة المدرسة المعنية انخفض العدد ليصل الى 47 تلميذة فقط، حيث ترغب تلك الفتيات بالانتساب إلى دورات الدراسة عن بعد. أرقام "ليست ذات أهمية"؟ - من جهة أخرى يمنع الرجال المسلمون زوجاتهم المريضات من الفحص الطبي من قبل أطباء رجال.

إتفاق على الصمت

لنعود مرة أخرى الى الحرم الجامعي في أزنير. لا يشمل "قانون منع غطاء الرأس" تلك الطالبات اللاتي يرتدين الحجاب باللون الاسود والبني والرمادي. حيث يمكنهن كطالبات بلغن سن الرشد التواجد في مكان عام كالجامعة بالزي الذي يرغبن به.

ولكنهن في الواقع لا يعشن في واحة تعايش سلمي متعددة الثقافات. انه في الواقع ليس سوى اتفاق غير مكتوب بالتزام الصمت أدى الى هذا الوضع. قبل سنتين كان يمكن للمرء أن يدخل لقاعة الدرس الجامعية ليفاجأ بوجود خمس أو ست فتيات محجبات يقمن بتأدية الصلاة خلف المقاعد الدراسية.

وبنفس الوقت يتهجم طلبة مسلمون في الدرس على أستاذة جامعية تجرأت كامرأة على الاستشهاد بآيات قرآنية أثناء تحليلها لقصيدة شعرية. ولم يسمع عن أية ردود فعل أو اعتراضات من قبل الطالبات المحجبات الحاضرات في الدرس.

لائحة لضبط التصرفات

ولقد تناولت الصحافة الفرنسية هذا الحدث، مما حدا بمدير "انالكو" القيام بوضع لائحة ضبط التصرفات - بصيغة بيان- تذكر ببعض المبادئ الأساسية الأكاديمية العلمية للتصرف والمعاملة وكذلك بمبادئ التعايش الديمقراطي الجمهوري بين الجميع وتجبر كافة طلبة المعهد التوقيع على هذه اللائحة.

ويريد وزير التربية والتعليم الحالي فرانسوا فيون الذي يود تعميم قانون آذار/مارس 2004 على الجامعات، تنفيذ ما يشابه ذلك. ولا يمكن من خلال التعليمات والقوانين والدساتير فقط التوصل الى اعتراف الجميع بقيم ومبادئ الجمهورية المحايدة دينيا.

الإسلام الجامعي والسياسة

ويقول الطلبة المسلمون في أزنير، الذين انتظروا - عبثا – من أجل أن تمنحهم الجامعة غرفة للصلاة، جوابهم المعروف: أنهم بالطبع مواطنون فرنسيون موالون ولكن يجب أن تحترم هويتهم الدينية والثقافية. ولكن كيف يمكنهم التغلب على هذا الواقع الثقافي، هذا سرهم الدفين.

الا أنهم وحسب أقوال المدرسين ليسوا بالمتطرفين الاسلاميين. وهذه حقيقة مطلقة لا جدل بها. ان الاسلام الجامعي في فرنسا يسلك طريقا آخر غير هذا الطريق. فقد تعلم من حركات الاحتجاج التاريخية في أوروبا ويحاول – بشكل مبطن – العمل ضمن المؤسسات، حيث يمكن القول بأنه علماني.

فمنذ عام 1989، عام الجدل الصاخب حول غطاء الرأس، ظهر اتحاد الطلبة المسلمون في فرنسا. ويبدو هذا الاتحاد من خلال موقعه على شبكة الإنترنت منظمة طلابية لطيفة تهتم بالمسائل الثقافية والرياضية في أوقات الفراغ. وبنفس الوقت فإن هذا الاتحاد يقيم تحالفات مع الجهات المحافظة والروابط الطلابية الأخرى من أجل انهاء الهيمنة التقليدية لليسار (والعلمانيين) في منظمة الطلبة UNEF.

إهمال اليسار

يتمثل هدف اتحاد الطلبة المسلمين في فرنسا، الذي وجد في شخص طارق رمضان لسان حاله ("نعم، نحن علمانيون، لكن ما هي العلمانية، عندما يكون أيضا أسيادنا المستعمرون وحتى صدام حسين أيضا علمانيون؟")، في التلاعب على قانون 1905.

وكون هذا الاتحاد لم يعد يرغب في التعامل مع اليسار، الذي كان يدافع دوما عن المتضررين اجتماعيا، ففي ذلك ما يدعو للقلق، ويسلط الضوء أيضا على كل من الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي الفرنسي. فالحزب الأول تقرب وبنجاح من البرجوازية والحزب الآخر ركز ولفترة طويلة على الطبقة العمالية و"القطاعات المكافحة"، دون أدنى حد من مراعاة للحالة الثقافية الاجتماعية للمهاجرين من شمال أفريقيا.

مائة عام من العلمانية

واليوم وبعد مرور مائة عام على الدولة العلمانية وبعد مرور نصف قرن على الهجرة المكثفة من شمال أفريقيا لم تتمكن فرنسا بالفعل من دمج مواطنيها المسلمين. وفي أفضل الحالات يتوفر (لمن ينعتون بأبناء الأحياء القذرة) للفرنسيين من أصل مسلم كهزليين أو كنجوم من لاعبي كرة القدم المحترفين فرصة الصعود على السلم الاجتماعي.

فعلى العكس من أمريكا أو بريطانيا لا يجد المرء مذيعا في الاذاعة أو التلفزيون من السود. لا يشعر الشباب المسلم في فرنسا بأنهم في بلادهم. كما أنهم لا يشعرون بأنهم يؤخذون على محمل من الجد (سوى في حال كان هناك "مشكلة" بالنسبة لبعض الخبراء الاجتماعيين الذين يتقاضون القليل من الدخل).

وفي حال حصل بعضهم على شهادة الدراسة الثانونية العامة فهم لا يدرسون بالضرورة الأدب العربي وانما الهندسة أو العلوم الطبيعية. إن مثل هذه الفروع الدراسية تمنحهم فرصة الحصول على مكان عمل وقد تحقق لهم امكانية الرقي الاجتماعي. وهو رد الاعتبار الذي أصبح في المجال الثقافي قائما – مع التأكيد على الهوية الاسلامية. بهذا يكون قد رأينا في ازينير ظاهرة، لكنها ليست بأي حال من الأحوال الحركة الأساسية.

بقلم يورغن ريته
صدر المقال في جريدة نويه تسورشير تزايتونغ
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2005
ترجمة مصطفى السليمان

قنطرة
الإسلام يتحدى الجمهورية
تواجه فرنسا العلمانية تحديا من خلال انتماء حوالي عُشر سكانها الى الإسلام الذي يثير مخاوف العلمانيين والقوميين الفرنسيين. فما هي خلفيات هذا التحدي؟ وكيف تواجهه فرنسا العلمانية؟ تقرير كرستيان مولر
فرنسيون تحت راية الإسلام
يبلغ عدد معتنقي الإسلام في فرنسا حوالي ستين ألفا. البعض يغير قناعته بسبب الحاجة إلى إعلان شيء مختلف والخروج من أسر الثبات والروتين المتكرر في الغرب. ولعل الرغبة في التمرد سبب آخر يدفع هؤلاء باتجاه الإسلام. تحقيق صالح دياب من باريس

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.