المسلمون في ألمانيا وعيد الميلاد المسيحي

هكذا أحتفل أنا كمسلم بعيد الميلاد مع أسرتي

يتحدث سعيد رزق في مقاله التالي حول تجربته كمسلم في ألمانيا مع عيد الميلاد، سواء في طفولته أو وهو متزوج من مسلمة محجبة ولديه أطفال. ويعرض رأيه بالاحتفال بعيد الميلاد من وجهة نظر فهمه للإسلام.

ينتشر في ألمانيا حكمٌ مسبق مفاده أنَّ المسلمين يبغضون أسواق عيد الميلاد مثلما يبغض الشيطانُ ماءَ التعميد المقدَّس. وحتى أنَّ البعض يعتقدون أنَّ المسلمين هنا في ألمانيا يريدون - لو استطاعوا - تغيير اسم أسواق عيد الميلاد إلى أسواق الشتاء، أو أنَّهم يريدون حتى منعها. بصرف النظر عن أنَّني لا أعرف أشخاصًا مسلمين قد طالبوا بمثل هذا الطلب، فإنَّني سأكون حزينًا جدًا على ذلك.

في كلِّ عام أتجوَّل بين الأكشاك في مختلف المدن (الألمانية)، سواء كان ذلك في مدينة إيسن أو كولونيا أو آخن أو مونستر. وكثيرًا ما تبحث زوجتي عن التحف المزخرفة والمشغولات اليدوية، بينما أنظر أنا عن كثب إلى تشكيلة أنواع الشاي. وفي المقابل نحن لا نشرب كمسلمين النبيذ المغلي بالتوابل. نحن الاثنان تُعْجِبنا بشكل خاص الإضاءة الجميلة والروائح اللذيذة والأجواء الطيبة في سوق عيد الميلاد.

الهدايا بمناسة عيد الميلاد وعيد الأضحى

ولكن بالنسبة لشخص يمكن معرفته كمسلم لا يُعتبر كلُّ شيء رائع في أسواق عيد الميلاد. زوجتي محجَّبة وأحيانًا نلاحظ على الوجوه نظرات مزعجة. يمكننا فقط أن نخمِّن ما يدور في أذهان هؤلاء الناس. من الممكن أنَّهم يتفاجؤون من وجود أشخاص مسلمين يتجوَّلون بين الأكشاك. على الرغم من أنَّ لدينا العديد من الأصدقاء والمعارف المسلمين، الذين يحبُّون الذهاب إلى أسواق عيد الميلاد.

تعود ذكرياتي الأولى من عيد الميلاد إلى فترة طفولتي. أبي وأمي هما أيضًا مسلمان ملتزمان؛ كانا يُقدِّمان لي ولإخوتي الهدايا في عيد الميلاد. لقد كانا على دراية بالعادات والتقاليد هنا في ألمانيا ويحاولان تجنُّب جعلنا نشعر بالحرمان مقارنة بزملائنا المسيحيين في المدرسة. كان الأمر معكوسًا في العيدين الإسلاميين، الفطر والأضحى، لأنَّنا كنا نحصل فيهما على هدايا.

{العديد من المسلمين يحبُّون الذهاب إلى أسواق عيد الميلاد.}

هدايا عيد الميلاد تحت شجرة الميلاد.Foto: picture-alliance/dpa
يتحدَّث سعيد رزق حول تجربته كمسلم في ألمانيا مع عيد الميلاد، فهو يحبُّ أن يذهب إلى أسواق عيد الميلاد، يأكل حلوى الكريست شتولِّن (المحشوة بالزبيب واللوز) وقد كان يحصل في طفولته على هدايا بمناسبة عيد الميلاد. فهل تفاجأتم؟ لكن هذا ليس كل شيء.

 {أغاني عيد الميلاد جزء من المعرفة العامة يعرفها الناس بصرف النظر عما إذا كانوا مسيحيين أو غير مسيحيين.}

أثناء طفولتي شاركت في مسرحية ميلاد المسيح

ما زلت أتذكَّر قليلًا أنَّني شاركت في أداء مسرحية ميلاد المسيح في المدرسة الابتدائية. ما زلت أتذكَّر أكثر أنَّ أبي وأمي كانا فخورين كثيرًا بي في ذلك اليوم. لا بدَّ من التنويه إلى أنَّنا قمنا بعرض المسرحية في كنيسة وقد جلس أبي وأمي في الصف الأمامي.

لقد ردَّدنا هناك أيضًا مختلف أغاني عيد الميلاد، التي لا أزال بوسعي حتى اليوم غناء بعضها عن ظهر قلب: من أغنية "بدنا نزيِّن شجرة صغيرة" (O Tannenbaum) إلى "رنّ يا جرس" وحتى "عَيَّدْ الليل زَهَّرْ الليل" (Stille Nacht, heilige Nacht). على الرغم من أنَّني لا أربط أية مشاعر دينية بكلمات هذه الأناشيد والأغاني، إلَّا أنَّها كانت تمنحني كطفل شعورًا بالأمان. وبالإضافة إلى ذلك تعتبر هذه الأغاني بحسب رأيي جزءًا من المعرفة العامة، التي يجب على الجميع ملكها - بصرف النظر عمَّا إذا كان المرء شخصًا مسيحيًا أو غير مسيحي.

ميلاد المسيح في القرآن والإنجيل

وفي المقابل إنَّ الكثيرين من غير المسلمين لا يعرفون أنَّ ميلاد المسيح تم وصفه وصفًا مفصَّلًا في القرآن. يكمن الفرق الرئيسي بين المسيحيين والمسلمين في أنَّ المسيح يعتبر نبي الله في الإسلام، وليس ابن الله مثلما يرد ذلك في الإنجيل.

كيف يمكن لي أن أنسى لعبة "سانتا السِّري" (لعبة الحصول على هدايا من شخص مجهول ومحاولة اكتشافه)، التي كنا نلعبها في المدرسة؟ لم تكن الإثارة فقط في معرفة الهدية التي كانت موجودة في القرطاس، بل كان الأمر المثير أيضًا على الأقل في معرفة زميل المدرسة الذي قدَّم هذه الهدية.

المسلمون لا يتبادلون جميعهم الهدايا

وبالمناسبة لم تكن ذكريات عيد الميلاد تتوقَّف أمام باب بيتنا، بل قام أبي وأمي بوضع شجرة عيد ميلاد في بيتنا، وقمنا بتزيينها بعناية كبيرة، وذلك تلبية لرغبة شقيقي، الذي كان وبكلِّ معنى الكلمة مُغرمًا بعيد الميلاد.

{الكثيرون من غير المسلمين لا يعرفون أنَّ ميلاد المسيح تم وصفه وصفًا مفصَّلًا في القرآن.}

ما من شكّ في أنَّ بعض المسلمين سوف يَهِزُّون رؤوسهم أثناء قراءة هذه السطور مستنكرين ذلك، أو أنَّهم يصوِّرون ذلك العمل حتى كعمل غير إسلامي. هكذا هي الحال بحسب تفسير في الإسلام، لا يجوز فيه تقليد طقوس الديانات الأخرى. ولكن يجب أن يتم وضع أحاديث النبي والآيات القرآنية ضمن سياقها الزماني والمكاني.

إذ إنَّ الحياة تسير بالنسبة لي كمسلم في ألمانيا في القرن الحادي والعشرين بشكل مختلف عمَّا كانت عليه في مطلع القرن السابع الميلادي داخل مكة أو المدينة في فترة نزول القرآن. كما أنَّ خلق الفرح والسرور في قلوب الأطفال ربما كان في ذلك العهد أمرًا بديهيًا، تمامًا مثلما هي الحال اليوم.

عيد ميلاد مجيد باسمي كمسلم

لقد أصبحتُ أنا نفسي في هذه الأثناء أبًا وأحبُّ أن أعود بذاكرتي إلى عيد الميلاد. وكذلك سنُقَدِّم أنا وزوجتي أيضًا الهدايا لابنتنا ونقضي سويةً عطلة عيد الميلاد.

قامت زوجتي في هذا العام أيضًا بتزيين بيتنا ببعض أكواز الصنوبر (عادة من عيد الميلاد في ألمانيا). فهل يوجد ما هو أجمل من تناول حلوى حجارة الدومينو اللذيذة أو حلوى الكريست شتولِّن في وسط الأسرة؟ بهذا المعنى فإنَّني أتمنى لجميع الذين يحتفلون بالعيد: "عيد ميلاد مجيد".

 

 

 

سعيد رزق
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.