الملك عبد الله بن عبدالعزيز؛ الصورة: د ب أ
النظام القضائي السعودي

حِلف قوي بين الحكام وعلماء الدين

تعرضت القيادة السعودية لنقدٍ قاسٍ بعد صدور حكمٍ بالسجن والجلد بحق امرأةٍ شابةٍ كانت قد تعرضت للاغتصاب. لكن ما مدى واقعية هذه المطالب بالإصلاح؟ عالم الدراسات الإسلامية غيدو شتاينبرغ يضع النظام القضائي السعودي تحت المجهر.

أصدرت محكمة في مدينة القطيف السعودية في منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم حكمًا جديدًا يقضي بمضاعفة العقوبة على امرأة كانت قد ضُبطت في إحدى السيارات وهي في خلوةٍ غير شرعيةٍ مع رجلٍ لا يمت لها بصلة قرابة، وبدلاً من الحكم السابق الذي قضى بالجلد تسعين جلدةً غدت العقوبة مائتي جلدة إضافةً إلى السجن لمدة ستة أشهر.

وكان محاميها قد قدّم طلبًا لإعادة النظر بالحكم إذ أن الفتاة التي تبلغ اليوم العشرين من العمر كانت قد تعرضت مع مرافقها في عام 2006 للاغتصاب لعدة مرات من قبل مجموعة من سبعة رجال أصدرت المحكمة بحقهم عقوبات بالسجن تتراوح بين خمس وسبع سنوات.

"فتاة القطيف"، كما أصبح يطلق عليها في كل أنحاء السعودية، محظوظة على نحوٍ ما، إذ يرى بعض القضاة السعوديين بأنه كان من الممكن أن يُحكم عليها بالموت بسبب الزنا. هذه الحالة أثارت الاهتمام في كل أنحاء العالم وأعطت دفعًا جديدًا لمطالب إصلاح القضاء في السعودية.

أولوية التشريع الديني

في الواقع تتفق هذه الحالة إلى حدٍّ بعيدٍ مع التشريع في السعودية، حيث لا يحق للنساء الاختلاط بالرجال الذين لا يمتون لهن بصلة القرابة، أما عقوبة الخيانة الزوجية فهي الإعدام (على الأقل للنساء اللاتي يقمن بذلك).

التشريع الديني الذي يحدده علماء الدين له صلاحية عامة في السعودية. وعلماء الدين القضاة في المحاكم الشرعية، التي تُعرف في الغرب بمحاكم الشريعة، يطالبون بالسلطة القضائية العامة. وعلى الرغم من تشكُّل جزءٍ علمانيٍ للتشريع في الواقع، إلا أن هذا لا يغيّر شيئًا في الأولوية المبدئية للتشريع الديني.

هذا الأمر يميّز النظام القانوني والقضائي السعودي بشكلٍ جذريٍ عن بقية الدول العربية، التي على الرغم من احتواء دستورها في أغلب الأحيان على بند ينص على أنَّ الشريعة هي واحدة من منابع أو منبع التشريع بشكلٍ عام، إلا أنَّ تأثير هذه العبارة التقليدية محدودٌ للغاية في أنظمة القانون التي تتسم بالعلمانية إلى حدٍّ كبير.

تحالف بين الحكام وعلماء الدين

تعود هذه المكانة القوية لعلماء الدين في القضاء السعودي إلى تحالفٍ قائمٍ بين العائلة الحاكمة وعلماء الدين. حيث عقد الإصلاحي الديني محمد بن عبد الوهاب (1703-1792) تحالفًا في العام 1744/1745 مع الأمير الحاكم آنذاك محمد بن سعود (توفي في عام 1765) وهو مؤسس الدولة السعودية الأولى.

حركة الإصلاح هذه التي تعود لابن عبد الوهاب وتدعى غالبًا بالوهابية هي حركة متطرفة متزمِّتة لا تعتبر مسلمًا سوى من يتبع تعاليمها بدقةٍ بالغةٍ ويأخذ بأحكامها الدينية دون أية تحفظات. ويعتقد أتباع هذه الحركة بوجود صورة مفصلّة في القرآن والسنّة "للسلف الصالح" من الأزمنة الإسلامية المثالية المبكرة، أي صورة المسلمين الأوائل في مكة والمدينة، ويسعون بلا هوادة لتطبيق وصايا الله بحرفية شديدة.

وتعتبر الرؤية الوهابية أن الصلوات اليومية الخمس في المسجد إحدى هذه الوصايا، وكذلك تحريم الموسيقى، والتدخين، وارتداء الملابس الحريرية، ومن هذه الوصايا الإقصاء التام للمرأة عن الحياة العامة وإلى أبعد حدٍّ ممكن. وتضمنت المعاهدة بين مؤسسي الدولة الوهابية أن تتجاوز سيطرة رجال الدين مجالات الدين والحيز السياسي الديني بالمعنى الضيق لتشمل أيضًا مجالات التربية والقضاء ومراقبة الأخلاق العامة.

وأفلح رجال الدين حتى مرحلة متقدمة من القرن العشرين في الدفاع إلى حدٍّ بعيدٍ عن هذه الامتيازات إزاء محاولات الدولة السعودية لتوسيع نطاق سيطرتها.

كان النظام القضائي السعودي لامركزيًا للغاية. وكان يمكن لقاض تَعَلم أصول الشريعة الدينية أن يبتَّ بكل المسائل القضائية المطروحة في منطقته. وكان القضاة يخضعون فعليًا لسيطرة رجال الدين الوهابيين في الرياض.

المؤسسات التشريعية اللادينية

لم يتم تبلور نظام قضائي متمايز هرميًا ويعمل بشكلٍ أكثر وظيفية إلا في مسار التحديث وتزايد مركزية الدولة في القرن العشرين. حيث تم استدخال محاكم مُشَكّلة من عدة قضاة، ومحاكم الاستئناف، وأصبحت الأحكام تصدر عبر قرارات الأغلبية. كما ازداد ربط رجال الدين بنظام قضائي متزايد في بيروقراطيته، يجري التحكم به مركزيًا من قبل المسؤولين القياديين في الرياض.

تعكس المركزية القوية أيضًا مصالح الحكام السعوديين ذوي النفوذ الواسع تقليديًا على القضاء السعودي.

بالإضافة إلى ذلك وضعت العائلة السعودية الحاكمة أثناء القرن العشرين قطاعًا قضائيًا علمانيًا موازيًا لم يكن لرجال الدين سيطرة عليه مبدئيًا. وعندما أرادت الدولة السعودية ضمان حركة التجارة في منطقة الحجاز (التي كانت قد ضُمت في عام 1925) وهي منطقة تضم مكة والمدينة وجدة على وجه الخصوص، كان يتعين عليها الأخذ بالأعراف المتوارثة. فتم إعادة تأسيس مجلس التجارة في جدة في عام 1926، وهو عبارة عن لجنة للتحكيم ذات تفويض قضائي كانت موجودة منذ العهد العثماني.

تبِعَ هذا صدور قانون التجارة بعد خمس سنوات. وفي العقود التالية أقام الحكام السعوديون عددًا وافرًا من مؤسسات التشريع اللادينية. وكانت لهذا حاجةٌ ضروريةٌ وبالدرجة الأولى بسبب توسيع التشريعات عبر إدخال الأوامر الإدارية. ومع أن هذه الأوامر الإدارية التي سميت بالمراسيم لم تكن قوانين لأن الله بحسب النظرة الوهابية وحده دون غيره مشرِّع القوانين. بيد أنه تمَّ في واقع الأمر اختيار حل وسط بين الأيديولوجيا الوهابية وبين ضرورة العمل على سن القوانين.

ولا يجوز أن تتعارض هذه الأوامر الإدارية أو المراسيم مع الشريعة الإسلامية من الناحية النظرية على الأقل.

حزم في تطبيق المفاهيم القانونية

تهيمن اليوم كما هو الحال منذ 250 عامًا المدرسة الحنبلية في المجالات القانونية الدينية في السعودية. والمذهب الحنبلي هو أصغر المذاهب السُّنية ويوجد أكثر أتباعه تقليديًا في مركز العالم العربي، في دمشق، وبغداد، ونابلس. وبلا شك كانت أهم أهداف الوهابية ترسيخ التقليد والحزم في تطبيق مفاهيم المذهب الشرعية وتجنب اجتهاد رجال الدين المستقل للتوصل للتشريعات.

وهنا وبدلاً من الملخصات الحنبلية الوافية والمنتشرة يتوجب على القاضي بناء حكمه في الحالة المثلى على القرآن والسنّة، أي على مجموع الأحاديث المتوارثة من أقوال وأفعال الرسول محمد. هكذا يرتكز بن عبد الوهاب وأتباعه على تصورات مؤسس المذهب الحنبلي، أحمد بن حنبل (780/1-855)، الذي كان أقرب إلى العالِم بالحديث النبوي منه إلى العالِم بالتشريع الديني، والذي لم يسع يومًا لإنشاء مدرسة للتشريع الديني.

بيد أن القضاة في السعودية كانوا وما زالوا يتوجهون في واقع الحال وفقًا للتعاليم الحنبلية الكثيرة دون غيرها تقريبًا.

ومن الناحية العملية تفرّد رجال الدين القياديين في المملكة بامتياز الاجتهاد الذاتي لسن القوانين. وسعوا انطلاقًا من الرياض بالتوافق مع مصالح الدولة إلى السيطرة المركزية على إطلاق الأحكام القضائية.

تدوين القوانين

بيد أن الدولة السعودية بذلت قصارى جهدها لتوسيع نطاق سيطرتها بشكلٍ أبعد من ذلك من خلال السعي إلى تدوين القوانين (أي كتابتها وتنظيمها). أحد مقترحات بن سعود (الذي حكم من 1901حتى 1953) في هذا السياق كان قد أخفق بسبب مقاومة رجال الدين الوهابيين. أما في مجالات كثيرة أخرى فكان رجال الدين مضطرين للرضوخ لمشيئة الحكام السعوديين وأبدوا على مدى القرن العشرين مقدارًا لا بأس به من البراغماتية.

إلا أن تدوين القوانين كان من شأنه الإضرار بشكلٍ بالغٍ بمبدأ التوصل الحر للقرار على أساس القرآن والسنّة. وأوضح رجال الدين أنهم يعتبرون هذا المبدأ دعامةً أساسيةً للإصلاح الوهابي واستطاعوا بهذا فرض إرادتهم.

لا زال إطلاق الأحكام القضائية في السعودية يلتزم بحزم بالتشريع الديني حسب المفهوم الحنبلي الصارم فيما يتعلق بقضايا الأخلاق العامة على وجه الخصوص. ولو تم الحكم على فتاة القطيف بسبب ممارسة الزنا، لكانت قد تعرضت حتى لخطر الإعدام، ذلك لأن زنا (النساء) جريمةٌ ورد ذكرها في القرآن ويمكن أن تكون عقوبتها الإعدام. إلا أن المحكمة أسقطت عن الفتاة تهمة الزنا.

إصلاح القضاء والقانون

ربما كانت الدعوة لإجراء الإصلاحات في النظام القضائي والقانوني مفهومة على خلفية حالة كهذه. ولكن على الرغم من ذلك تبقى هذه الدعوة غير واقعية، لأن القضاء والقانون في الدولة السعودية الحالية غير قابلين للإصلاح إلا ضمن نطاق محدود. صحيح أن الحكومة أعلنت في تشرين الأول/أكتوبر 2007 عن إجراء إصلاحات قضائيةٍ واسعةٍ، لكنها تهدف قبل كل شيء إلى تكثيف سيطرة الدولة وإلى خلق ضمانات قانونية لصالح القطاع الاقتصادي.

تتعلق هذه الإصلاحات بالمجال القانوني العلماني وبتنظيم قطاع القضاء الديني. أما مضامين الحيز القانوني الديني فلا يتم مسّها. إن إصلاح القضاء والقانون في المملكة العربية السعودية، الذي من شأنه منع حدوث حالات مثل حالة فتاة القطيف، لا بد له من تقليص تفويض رجال الدين إلى حدٍّ كبير. ربما كان هذا ممكنًا إذا جرت علمنة القضاء بشكلٍ واسعٍ وتمَّ اختزال مجال تطبيق التشريع الإسلامي إلى حدٍّ أدنى.

إلا أن هذا غير ممكن على أرضية التحالف بين الحكام ورجال الدين في العربية السعودية. وطالما استندت شرعية الدولة السعودية إلى التحالف الحاصل بين الحكام ورجال الدين، سيبقى هناك مجال قانوني ديني قوي.

غيدو شتاينبرغ
ترجمة يوسف حجازي
حقوق الطبع محفوظة: قنطرة 2007

غيدو شتاينبرغ، درس العلوم الإسلامية والتاريخ والعلوم السياسية في جامعات كولونيا، وبون، ودمشق، وجامعة برلين الحرة. عمل في دائرة المستشار الألماني بين عامي 2002-2005. ويعمل شتاينبرغ اليوم في مؤسسة العلوم والسياسة SWP الشهيرة في برلين.

قنطرة

على الدولة أن تكون محايدة!
"الشريعة لها مستقبل، وهذا المستقبل يكمن في الدولة العلمانية وليس في الدولة الإسلامية" هذا ما يقوله أستاذ القانون السوداني الأصل والمقيم في الولايت المتحدة الأمريكية عبد الله أحمد النعيم. وسيطرح النعيم أفكاره عن الشريعة في كتابه الجديد. تقرير جيم شاي.

هل تتعارض حقوق المرأة مع الشريعة؟
العنف ضد المرأة مشكلة تعاني منها مجتمعات الشرق الأوسط، إذ ان حقوق المرأة المنصوص عليها في العديد من الدساتير تبطلها قوانين مستمدة من الشريعة. حسن رضائي يطرح اجتهادا لمفهوم التوحيد يكفل كرامة الإنسان، دون النظر إلى جنسه أو دينه.

تحالف بين النخبة السياسية والدينية
على الرغم من أن الحكومة السعودية عمدت منذ بضعة سنوات إلى اتخاذ خطوات تهدف إلى إكساب السياسة الداخلية طابعا أكثر انفتاحا، إلا أنه ليس من المتوقع أن يفرز ذلك إصلاحات جذرية، حسب رأي الباحث غيدو شتاينبرغ

ملفات خاصة من موقع قنطرة