جنود هنود في مومباي الصورة: أ.ف.ب
الإرث الديني والاستعماري في شبه القارة الهندية:

سياسة "فرق تسد"

طفت إلى السطح من جديد التنافرات السياسية والدينية في شبه القارة الهندية مع هجمات مومباي في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. فتاريخ هذه الخلافات ومقدمتها تعود إلى حقبة الاستعمار البريطاني للمنطقة، كما يوضح المؤرخ يورغ فيش.

جنود هنود في مومباي الصورة: أ.ف.ب
طالما شهدت الهند نزاعات بين المسلمين والهندوس

​​ لطالما كانت الهند منذ مطلع القرن الثامن الميلادي هدفاً لهجمات المسلمين الآتية من شمال غرب آسيا. ووصلت هذه الهجمات ذروتها في وقت إمبراطورية مغول الهند التي امتدت على مساحات شاسعة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، حتى احتلال الهند من قبل البريطانيين فيما بعد. ونتج عن الاحتلال اعتناق البعض للديانة الإسلامية بشكل بطيء ومختلف في الغالب باختلاف الأقاليم، بينما بقيت الهندوسية ديانة الغالبية العظمى من السكان. أما على الصعيد السياسي فقد هيمن على شبه القارة الهندية على العكس من ذلك أنظمة حكم إسلامية، حتى مع بقاء بعض المناطق تحت سيطرة حكام يعتنقون الهندوسية لأوقات طويلة.

تغيرت هذه التركيبة بشكل جذري مع قدوم البريطانيين في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، الذين بدوا كقوة ثالثة طامحة للحصول على السلطة. ومن الطبيعي أن تتحالف هذه القوة المنافسة مع الأقلية في دولة ما من أجل إخضاعها بمساعدة داخلية. وليس الأوروبيون وحدهم خلال سيطرتهم الاستعمارية من وظف دائماً هذا الأسلوب بنجاح.

لكن السيطرة الإسلامية على الهند كانت ليست أكثر من سيطرة أقلية مسلمة على الأغلبية الهندوسية. وأبدى البريطانيون اهتماماً بالتعامل مع الحكام والمحكومين، فقد دعموا من أجل هذا الغرض طبقة قيادية هندوسية، نشأت للمرة الأولى ومثلت الأغلبية، وكان أفرادها من الذين تم تهميشهم من السلطة حتى ذلك الوقت.

تنافس سياسي

وبذلك تغير ميزان القوى في الهند بشكل مزدوج، فقد تبادل المتنافسون أمكنتهم. لكن كان على الطبقات الحاكمة الناجحة الجديدة، والتي غلب عليها الهندوس، أن تكتشف أنها في الوقت الذي تفوقت على منافسيها السابقين، فقد وضعت في الوقت ذاته محتلين جدد على رأس السلطة. فقد أبعد البريطانيون الهنود، سواء كانوا مسلمين أم هندوس، بشكل كبير عن مناصب السلطة البارزة، كما فعل المسلمون بالهندوس من قبل.

مسلمون هنود يؤدون الصلاة، الصورة: د.ب.ا
يبلغ عدد المسلمين الهنود نحو 150 مليون، أي ما يعادل 15 في المائة من مجموع عدد سكان الهند الإجمالي

​​ ولم ينتج عن تلك السياسة البريطانية صلح بين الهندوس والمسلمين، فقد كانت الاختلافات متجذرة بشكل كبير. لكن الهندوس اكتسبوا على الرغم من ذلك ثقة بالنفس لدرجة أنهم شكلوا منذ نهايات القرن التاسع عشر من خلال "المؤتمر الوطني الهندي" أكبر حركة استقلال مناهضة للاستعمار على مستوى العالم. ولم يكن هناك من داع لإبعاد المسلمين عنها، فقد كان هؤلاء لا يقومون سوى بدور تابع بأي شكل من الأشكال.

وكانت نتيجة ذلك أن قامت الغالبية الهندوسية بدور أكبر في مواجهة المحتل الأجنبي مما قامت به الأقلية المسلمة، التي أتيحت أمامهما فرص جديدة. فقد توجب على البريطانيين أن يستعدوا لمعارضة متزايدة، يغلب عليها الهندوس. وفي هذا الوضع اتخذ البريطانيون المسلمين كحلفاء لهم، طالما قبل المسلمون بدور التابع.

وما زال من الأمور المختلف فيها هو مدى فاعلية الإجراءات، التي اتخذها البريطانيون في البدء بشيء من التردد ومن ثم بشكل متزايد فيما بعد في النصف الأول للقرن العشرين، والتي لم تكن في النهاية سوى استخدام ساخر لمفهوم "فرق تسد". كما يبقى من الأمور الإشكالية الخيارات التي كانت متاحة أمام المستعمرين، الذين نهجوا هذا السبيل من اجل تفادي حرب أهلية. لكن من الأمور التي لا يمكن إنكارها هو أن البريطانيين تعاملوا مع أتباع الديانتين بشكل مختلف.

وكان أهم هذه الإجراءات كان إدخال نظام الدوائر المنفصلة في الانتخابات، بعد أن أسس المسلمون في عام 1906 منظمتهم السياسية "الرابطة الإسلامية". ونتيجة لهذه الخطوة لم يتمكن الهندوس سوى انتخاب الهندوس والمسلمون انتخبوا المسلمين فقط. كما أنها كرست نظام القطبية بينهم.

"دعم المسلمين ضرورة"

وحين اتضح في النهاية أن البريطانيين غير قادرين على الاستمرار في حكم البلد على الرغم من دعم المسلمين لهم، وأن المطلب الوحيد الذي ينال دعم أبناء البلد هو ذلك المتعلق بالاستقلال، بات المسلمون في ضوء ذلك أمام مأزق كبير. فإن دعموا البريطانيين، فعليهم أن يتوقعوا أعمالاً انتقامية من قبل الهندوس في حالة فشل السياسة البريطانية واستقلال الهند. وإن تحالفوا مع الهندوس، سينالون منصب التابع فحسب وهذا يعني فقدان السلطة إلى الأبد، مقارنة مع الفترة التي سبقت الاستعمار.

جندي هندي في منطقة كشمير، الصورة: أ.ب
طالما شكل النزاع ببن الهند وباكستان على كشمير برميل بارود في المنطقة

​​ وكمهرب أخير ويائس طالب جزء من المسلمين المتشددين والناشطين سياسياً بتقسيم البلد. وكانوا يأملون في أن يتمكنوا من إيجاد غالبية مسلمة في أحد الأجزاء. ونالوا هدفهم في عام 1947 مع تأسيس دولة باكستان. وساهم البريطانيون من جانبهم في ذلك، لان هذا لأحل كان يؤدي إلى أقل معارضة ممكنة. لكن تكاليف هذا كانت باهظة. ففي البدء كانت المواجهات الدينية في الهند مقتصرة على الصعيد الداخلي دائماً وكان من الممكن دائماً إيجاد حلول وسط. أما بعد التقسيم فقد بات هناك دولتان متنافستان متجاورتان ومختلفتان دينياً في مواجهة بعضهما بعضا.

ولأن تاريخ الهند لم يشهد نشوء حد واضح أو منطقة فاصلة فقط بين الديانات، فقد أصبح التقسيم سبباً لاندلاع أعمال عنف لا نهاية لها. وقد خلفت أعمال العنف هذه مئات الآلاف من الضحايا وشردت الملايين من الأشخاص. وكانت عواقبه بادية العيان بشكل خاص في كشمير، التي يتنازع عليها البلدان الجديدان منذ البداية. واندلعت بينهما خلال سير الصراع أربعة حروب، امتدت انعكاساتها بشكل تلقائي تقريباً حتى آسيا الوسطى.

وضع غير متكافئ

الباحث والمؤرخ يورغ فيشن
"النزاع بين الهند وباكستان يعود في معظمه إلى جذور دينية"

​​ أدى التقسيم إلى تباين آخر بين الهند وباكستان، فبعد التدمير والهروب والتهجير على كلا الجانبين أصبحت باكستان أخيراً دولة تعتنق غالبية سكانها الديانة الإسلامية، ثمناً لتقسيم الهند إلى جزأين. وانطلاقا من هذا الوضع لم من الممكن سوى أن يكون الهدف قيام دولة مسلمة، وبشكل خاص في غرب باكستان، الذي سادته تقاليد إسلامية أطول وأكثر التزاماً من شرق البلد، الذي انفصل عن الغرب عام 1971، مدعوماً من قبل الهند، تحت اسم بنغلادش. أما الهند، التي يبلغ تعداد سكان المسلمين فيها نحو خمسين مليون نسمة والتي يبلغ عدد المسلمين فيها كمثيله في باكستان أو بنغلادش، فلم يكن أمامها سوى أن تصبح دولة علمانية انطلاقاً من فهمها الذاتي.

ويبقى الوضع غير متكافئ سواء في ضوء التفوق المادي الواضح للهند، الذي أدى دائماً إلى إهانة باكستان، أم في ضوء نجاح الدولة العلمانية حتى الآن، الذي منح الهند قفزة إلى الأمام على الصعيد الدولي. إن الصراع بين الهند وباكستان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأسباب دينية، لكن ليس في المقام الأول بالإسلام السياسي الحالي وخصومه من القوميين الهندوس، بل إلى صراعات ضاربة في القدم في شبه القارة الهندية.

يورغ فيش
ترجمة: عماد م. غانم
حقوق الطبع: قنطرة 2008

يورغ فيش يعمل أستاذا للتاريخ في جامعة زيوريخ السويسرية

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.