ولكن مع ذلك فهذا لا يعني أنَّ هيردر كان مستاءً من الإسلام ومؤسِّسه، بل على العكس من ذلك، فقد كان يعتقد أنَّ هناك مجالًا للنقد في كلّ دراسة جيِّدة، بشرط عدم فقدانها الاحترام اللازم. كان هيردر منبهرًا فقط باللغة، التي قال إنَّها كانت "مزدهرة قبل محمد بفترة طويلة" وقد بُنِيَ عليها فخرُ الشعب كله وفخر النبي.

يشيد هيردر - إلى جانب القرآن - بقصص الأساطير ويرغب في تقديمها لقرَّائه لأنَّها برزت بحسب وصفه "تحت سماء الشرق (باعتبارها) العنصر الأكثر روعة في فنّ الشعر".

التسامح والتأمُّل كميِّزات للإيمان

ما يُمَيِّز هيردر ويسلط عليه الضوء خاصةً في هذه الأوقات، التي تُرتكب فيها فظائع يمينية شعبوية، هو حساسيَّته الشديدة وتقديره لمختلف أشكال الحياة والثقافات. ولم يكن هيردر فقط مقتنعًا بمعارضته التبشير، بل كان لا يُخْفِي أيضًا نظرته إلى الكنيسة بعين الشكّ أو حتى بعين الرفض. وكان يفهم الإيمان باعتباره "إخلاصًا داخليًا" - شيءٌ لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف أن يتم دفعه إلى الأمام أو الإجبار عليه.

 

 

والكنيسة بالنسبة له تُجَسِّد "بنيةً سياسيةً"، مؤسَّسة يجب النظر إليها على أنَّها منفصلة عن جوهر الدين. ولذلك ليس صدفةً أن ينظر هيردر إلى حقيقة عدم وجود بابا في الإسلام على أنَّها أمر يستحق الثناء. والإيمان في مفهومه يُجسُّد نوعًا من الروحانية الفردية الصامتة، التي لا تتميَّز بوجود ازدواجية معيَّنة، بل تتجلـَّى في التسامح والتأمُّل. 

في مقالته المنشورة في عام 1774 تحت عنوان "أقدم وثيقة للجنس البشري"، فسَّر الكتاب المقدَّس بحرِّية، ليخلص في النهاية إلى أنَّ الكتاب المقدَّس هو "أقدم وثيقة من فجر الزمان" وأنَّه -على الرغم من اعتقاده الشخصي- علاوةً على ذلك: كتاب من كتب عديدة.

الإنسانية وحبّ الناس

وبحسب هيردر فقد كانت الإنسانية، التي كان يكرِّس لها اهتمامًا مكثَّفًا، "غير متطوِّرة" في الفرد. وهي بحسب قوله سمة الجنس البشري، التي اكتسبها وطوَّرها على مرّ الزمان - وباتت في النهاية تُمَيِّزه عن الحيوان. يصف غيرهاردت شميت بشكل سليم الحتمية الهيردرية في مقال حول فكرة الإنسانية بأنَّها "إطناب أخلاقي" يُمثِّل إيجابية مبتسة، ويجب فهمها بالتالي على أنَّها نعمة يجب أن يكون المرء قادرًا على الاحتفال بها من دون خجل.

في مؤلفه "رسائل من أجل الارتقاء بالإنسانية"، يأسف هيردر للخطأ القاتل المرتكب من بعض معاصريه في مساواتهم مفهوم الإنسانية بـ"الدناءة والضعف والتعاطف الزائف". ويقول إنَّ مصطلح الإنسانية يُستخدم بنظرة ازدراء و"برفض". ويتابع هيردر بأكبر قدر من عدم التفهُّم والأسف: "لقد أصبحت الكلمة الجميلة ’حبُّ الناس‘ تافهة جدًا (...) مع أنَّها يجب أن تكون هدف سعينا".

يجب أن نضع نهاية لهذا الاستياء والتقليل من قيمة الإنسانية من خلال الحقوق. الإنسانية والتعاطف مع البشر يمثِّلان -مثلما ذكر هيردر وبشكل صحيح- "السمات الدقيقة لوجودنا" وبهذا المفهوم يجب الحفاظ عليهما وحمايتهما.

 

 

ميلاني كريستينا مور

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.