زاوية في جنوب المغرب، الصورة: بيات شتافر
الطرق الصوفية في المغرب:

مواجهة التطرف الديني بالتصوف

لعبت الطرق الصوفية دائما دورا مهما في تاريخ المغرب العربي رغم أنها اعتبرت عنصرا معطلا لمسيرة التقدم غداة الاستقلال. أما الآن فقد اكتشف البعض فجأة أهمية الطرق الصوفية في ايقاف انتشار التطرف الديني. تقرير من بيات شتاوفر.
زاوية في جنوب المغرب، الصورة: بيات شتافر
زاوية في جنوب المغرب

​​

عرفت حياة الشاب ريجيس الذي ترعرع في ضواحي مدينتي باريس وسترازبورغ والذي يعد اليوم من مشاهير فناني الراب في فرنسا مسارا غير معهود. في السادسة عشرة من عمره اعتنق "الفتى الشرس" للضواحي العقيدة الإسلامية وأطلق على نفسه منذ ذلك الحين إسم عبد الملك. وخلال السنوات التي عقبت تحوله إلى الديانة الإسلامية صنع لنفسه شهرة في مجال موسيقى الراب.

ولئن كان هذا المسلم الجديد أكثر قربا في بدايات إسلامه من جماعة التبليغ ذات الطابع التقي الورع فإنه وبمرور الزمن حول اهتمامه أكثر فأكثر إلى الإسلام الصوفي. وقد قاده اهتمامه الصوفي هذا في النهاية إلى السفر إلى المغرب حيث التقى بسيدي حمزة القائد الروحي لطريقة بوتشيشية القادرية، وهي إحدى أهم الطرق الصوفية في البلاد.

الإسلام الشعبي

ويبدو أن المسؤولين السياسيين في البلدان الواقعة على ضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط تابعوا سير حياة من نوع ذلك الذي عرفته حياة موسيقي الراب الشهير عبد الملك باهتمام كبير. فقد غدا التساؤل الذي يطرح نفسه بينهم هو ما إذا يمكن لطريقة صوفية تقليدية أن تكون وسيلة لتأطير شباب الضواحي المصابين بالإحباط و مشاعر القهر وتحويل اهتمامهم عن مسلك الحركات الدينية المتطرفة، بل وصرفهم عن الانتماء إلى تلك المجموعات الإسلاموية الراديكالية؟

الطرق الصوفية التي كانت لقرون عديدة تجسد نموذجا لـ"الإسلام الشعبي" ولا تولَى بالتالي اعتبارا ذا أهمية، أو كانت تعتبر -كما هو الشأن في كل من تونس والجزائر- ظاهرة محافظة وعامل تعطيل لمسيرة التقدم، حيث تم تهميشها تبعا لذلك، قد غدت في الوقت الحاضر مثار اهتمام جديد كما هو الشأن بالنسبة لطريقة بوتشيشية.

هذه الطريقة التي تأسست في بدايات القرن العشرين تنتمي إلى إسلام صوفي مستقى من التقاليد الصوفية التقليدية التي تنأى بنفسها عن كل النزاعات السياسية، و تساند في الآن نفسه سلطة النظام القائم. هذه الطريقة تمثل في الواقع الطريقة الصوفية الرسمية للمملكة المغربية، كما يوضح محمد الظريف المختص في العلوم السياسية.

مئات الطرق الصوفية

في المغرب تتواجد مئات من الطرق الصوفية، الكبرى منها وتلك التي لاتتجاوز شهرتها دائرة مقرها المحلي. وغالبا ما تتم التفرقة بين الطرق الصوفية "التقليدية" والطرق ذات الطابع الشعبي. أما عالم الاجتماع المغربي عبد القادر منى فيؤكد بالأحرى وبصفة أخص على الفرق بين طرق قروية وأخرى حضريّة. فبينما ترتكز الأولى على انتمائها إلى قبيلة تنتسب سلاليا إلى وليّ يعود أصله إلى عائلة الرسول، تستقطب الطرق الحضرية كل من يعلن عن انتمائه الروحي وولائه لرسالة المؤسس الأول للطريقة.

ما من جدال في أن الطرق الصوفية والزّوايا –علما أن المفهومين يستعملان في لغة الخطاب اليومي بالمغرب عمليا للتعبير عن الأمر نفسه- قد لعبت على الدوام دورا حاسما في تاريخ بلدان المغرب العربي. "خلف كل السلالات المالكة التي حكمت المغرب خلال الإثني عشر قرنا الماضية كانت تقف دوما زوايا ذات نفوذ وأهمية"، يقول محمد الظريف. وبعض الزوايا كانت بدورها مراكز نفوذ سياسي، بل إن البعض منها كانت بحوزتها جيوشها الخاصة.

الطرق الصوفية والسلطة

وبالنسبة لمحمد الظريف ليس هناك من شك في أن الطرق الصوفية كانت على الدوام تلعب دورا سياسيا مهما في تاريخ المغرب. لكن بعد حصول البلاد على الاستقلال سنة 1956 طرأ مسار جديد على حياة ونشاط هذه الطرق، مسار يطلق عليه الظريف عبارة "تأميم الصوفية".

وإلى جانب منظومة الفقهاء و الإسلام "العالم" كان على الإسلام "الشعبي" بدوره أن يخضع لنفوذ الإدارة الحكومية. وبهذه الطريقة عمل الملك الحسن الثاني على أن لا يكون هناك من فضاء يمكن أن يحتضن أي نوع من الانشقاق.

وقد نجح النظام المغربي إلى حد بعيد في هذا التدجين الذي سعى إلى ممارسته على جمعيات ظلت لقرون عديدة تتمتع بسلطة سياسية حقيقية. لكن ظل هناك واحد لم يقبل بأن تمارس عليه عملية التدجين وهو عبد السلام ياسين من مواليد سنة 1926، والذي تحول بعد سنوات طويلة من الوظيفة في إدارة وزارة التربية والتعليم إلى أشد المعارضين للملك الحسن الثاني.

كان ياسين في ما مضى عضوا قياديا في طريقة بوتشيشية لكنه انسلخ عنها في بداية السبعينات ليؤسس جمعيته الخاصة ذات التوجه الإسلاموي الواضح والتي أصبحت تسمى اليوم بمنطمة "العدل والإحسان". هذه المنظمة غير المعترف بها على الساحة السياسية في المغرب تعتبر اليوم من المجموعات الأكثر تأثيرا في البلاد. ويعتقد الظريف جازما بأن جماعة "العدل والإحسان" في الحقيقة طريقة "سياسية" تقف موقف المعارض الشديد لسلطة العائلة المالكة بالمغرب.

مواجهة الخطر الوهابي

لكن ألم تفقد الطرق الصوفية التقليدية الكثير من تأثيرها داخل المجتمع المغربي خلال العشريات الماضية؟ العديد من الملاحظين قد انتهوا إلى هذه النتيجة، بل إن صحيفة Le journal Hebdomadaire تغامر بطرح التساؤل عما إذا لم تكن "النخب السلفية الجديدة" قد استفادت من انحسار النفوذ السياسي لزعماء الطرق الصوفية.

لكن محمد الظريف يرى إلى المسألة نظرة أقل تشاؤما. فالطرق الصوفية حسب رأيه ما تزال ذات أهمية وتأثير داخل جماهير الشعب المغربي. كما أن السلط المغربية ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 قد انتبهت إلى مدى الخطر الذي يمكن أن ينطوي عليه تيار الوهابية السعودية.

واليوم تراهن السلطة في الرباط بقوة على الطرق الصوفية من أجل التصدي للتطرف الديني في شكله السلفي النازع إلى العنف. لكن حتى محمد الظريف نفسه يعترف مع ذلك بأن حظوظ نجاح هذه الاستراتيجية الجديدة أبعد من أن تكون أمرا مضمونا.

بقلم بيات شتاوفر
ترجمة علي مصباح
حقوق الطبع قنطرة 2007

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.